الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الجد محمد الآلوسي

حسين سليمان- هيوستن

2005 / 9 / 29
الادب والفن


محمد الآلوسي بهيكله الطويل وجسده النحيل على كرسي القصب أمام الباب يشيع المارة ويتذكر حياته وشبابه الذي مر. بالكاد يميز المارة ، فمنهم من يرفع له تحية وكلمات مقتضبة يسأله عن الصحة والأحلام ولغز الرجولة. وكان يجيبهم : تراها مرت ها! يجيبهم جوابا واحدا، مرت، ليست كل الحياة فهناك ما بقي منها يحيا كل يوم. فهو يجلس على كرسيه كل عصر يرى إلى المارة والى طريقة المشي والعبور في الشارع الذي عبدته البلدية فأصبح مستويا لا حفر فيه. تفتح عجوزه الباب بعد آذان العصر وتضع له الكرسي في مكان لم يغيره منذ سنوات طويلة. يحسب إن تبديل الأمكنة لا يحمل فأل خير. وكان في سنوات ماضية قد وقف معارضا قرار البلدية في تعبيد الشارع الذي مر أمام البيت منذ ترعرعه في البلدة، لم يرض عن القرار، وظن أنه قرار من الشيطان: حين دخل جرار المدحلة ، مصبوبا في دولاب واحد، كتلة من اسمنت تدور فوق الرمل والتراب المردوم في الحفر، كان يصلي ويدعو الله أن يهوّن الأمر ويجعله سلاما. وكانت رائحة القطران تذكره بالذنب وبيوم الحساب، فيرفع يده إلى الرحمن يدعو المغفرة. كانت حياته ستنتهي عما قريب، فبعد تعبيد الطريق، الطريق الذي عرف ترابه ومطره، كان المطر الذي يهطل كل عام يخلق أغان وغدرانا تعكس غيوما بيضاء، وبعض الأحيان إن تملى الغدير يرى فيه سماء قريبة فيها طيور؛ لقد توجس البغتة من تعبيد الطريق وعرف أن الحياة في بلدته لن تكون كما كانت، فما تعبيد الطريق إلا إمارة وإشارة لما هو أكبر: إن القادم هلاك وزوال.
مرت سنوات، فتعود جدنا محمد الآلوسي على الطريق وأصبحت ظاهرة التعبيد في شوارع البلدة لا تثير نقمته. ولم نكن نعرف إن كان الجد قد استسلم للأمر أو أنه قبله بعين الرضا، بعد أن رأى فوائد الطرق المعبدة، فلم يغير عادة الجلوس عند الباب على كرسيه تفتح عجوزه باب المنزل ثم تضع له الكرسي، تقوده من يده ثم تمسح المقعد براحة يدها كي يستدل جدنا على المقعد. ونسمع طقطقة مفاصل العظام وهو يجلس على الكرسي يسند جسده النحيل على حائط الطين ثم يزحف بظهره نحو الكرسي كي يثبت قعدته إلى أن يحين المساء.
مع السنوات أخذ جدنا يغيب، يبقى في كرسيه، لا يرد السلام أحيانا، لا يمد نظره إلى الطريق أحيانا، فتقول الجدة أنه الكبر والعمر، فالسنون قاسية ممضية. وراح المارة يهملون وجوده، فيمرون به كما يمرون بجدار قديم غير مسنود، ويتجنبون الاقتراب منه. وكنا نقترب منه، نحن الأحفاد، نحرك كف اليد أمام وجهه كي نتأكد أنه نائم، وكانت الجدة تقول لنا أنه لا ينام لكنه يسافر فيغيب، وتطلب منا أن نتركه في رحلته فهي نزهة يومه، فالحياة التي بداخله تختلف عن حياتنا، وكانت الجدة تقودنا إلى الداخل وتسألنا إن كنا نريد شرب الشاي. كانت الجدة تخلصه منا بهذه الطريقة، يشكرها جدنا ويمتن لصنيعها، فدوما كانت إلى جانبه أيام المحن .
ثم جدنا لم يتغير.
تغيرت البلدة، تغير التراب، وأمست السماء مختلفة بغيومها وبمطرها .. مرة نزل علينا مطر من سناج فتذكرنا قصة الفيل وطيور أبابيل .. الله يعلم ماذا كان يدور وقتها في خلد جدنا؟
ومرة نقلت لنا السماء غيوما حمراء فيها غروب شمس وبقايا نار … الله يعلم ماذا كان يدور في خلد جدنا وقتها ..
لم يغير قعدته وسهوبه. ونعرف أن الوقت عصر حين نراه على كرسيه أمام الباب.
ثم مع مرور السنوات راح الجد يفقد قدرته على السمع، يفقد قدرته على الرؤية، ماء أسود نزل على عينيه بسبب تلوث الجو بالسناج الذي راحت الغيوم تحمله إلينا.
وظلت الجدة تفتح له الباب عند العصر، تقوده مثلما تقود طفلها، من هنا يا رجلي ومن هنا يا رجلي .. ثم ينتبه الجد حين يصل الباب كي لا تعثر قدمه بالعتبة.
لكنه لا يسمع، فالكلمات التي تنطقها الجدة تذهب هباء، جدنا أمسى ضريرا، ثم جدنا أمسى أطرش.
لم نعد نلعب معه ونعذبه كما كنا نفعل منذ سنين، لقد تعذر التواصل معه وبالتالي أصبح اللعب معه من دون معنى، لأنه لا يشعر بقربنا ولا ببعدنا، لكنه كان يسوى نظره كي يوهم المارة أن محمد الآلوسي مازال يرى ويسمع .. وكان المارة لا يصدقون ما تراه عيونهم، لقد سمعوا حكاية جلوسه عند العصر عن آبائهم الذين نقلوا لهم عن أجدادهم أن محمد الألوسي لم يترك مكانه عند الباب، وكان الأجداد قد رحلوا ومات أيضا نصف الآباء، والمارة الآن تراهم بمرور الزمن يكبرون فيشعرون بوطأة السنين وهم بدورهم ينقلون الحكاية إلى المارة الأصغر سنا، إنها دورة العمر.
لم يكن، في يقين البعض، أنه مصاب بداء الكبر. لكننا لم نعرف الطريقة التي كانت الجدة تستخدمها للتواصل مع الجد. تقوده كل عصر، وتردد تيمة الكلمات التي رددتها منذ سنوات طويلة، فيرفع جدنا قدمه حين يصل عتبة الباب كي لا يعثر. إنه على قيد الحياة، نسمعه يستنشق الهواء برفق، ونلمسه دافئا نديا كلحاء الشجر، لكننا لا نسمعه ولا نفهم حلقة الصمت التي يغيب فيها .. الله يعلم ماذا يدور في خلد جدنا. وحين نسأل جدتنا إن كان، فعلا، الجد ضريرا ولا يسمع، كانت تتحاشى الرد، تتظاهر بأنها لا تفهم. كثير من المرات تقول: أنا يا بني كبيرة في السن واللهجة التي أفهمها لم يعد أحد يستخدمها، كلمات اليوم من معدن وكلماتنا كانت من هواء وماء. فهي لا تفهم السؤال الذي يدور في خلدنا عن حالة الجد.
يذهب بعيدا، وحين يتغلغل في عالم عميق تغيب فيه الشمس ويغلب الموج الريح. نحن بدورنا لا نفهم كلام ماء وهواء، فهو ليس ملفات تحرير.
لم يعد المارة يعيرون اهتماما لجلوس الجد، بل لم يكن ليروه، كانوا يمرون على عجل وفي رؤوسهم مشاغل لا يحلها عصر بكامله، فلم يكن لوجوده المستديم في طريقهم أي أثر. وراح المارة ينسون الجد محمد الآلوسي . لقد نسوه بالفعل، وكانوا يشتطون غيضا إن سألهم أحد عنه، يقولون وفي أسنانهم خراب إن كانوا قد نسوا جدودهم فلماذا لا ينسون الجد محمد، البعض يجيب على عجلة من أمره: اسألني ماذا أكلت البارحة إن كنت أذكر؟ ثم يشق طريقه ويتوارى كأنه لم يكن.
لكن لماذا يبقى الجد هناك؟
عند العصر تحمله الجدة ثم تفتح الباب، إحدى القدمين ترتفع حتى لا تعثر، وكان الجد يبقى هناك على كرسيه يشيع المارة ...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لحظة إغماء بنت ونيس فى عزاء والدتها.. الفنانة ريم أحمد تسقط


.. بالدموع .. بنت ونيس الفنانة ريم أحمد تستقبل عزاء والدتها وأش




.. انهيار ريم أحمد بالدموع في عزاء والدتها بحضور عدد من الفنان


.. فيلم -شهر زي العسل- متهم بالإساءة للعادات والتقاليد في الكوي




.. فرحة للأطفال.. مبادرة شاب فلسطيني لعمل سينما في رفح