الحوار المتمدن - موبايل


في أطروحة -التفاؤل الأكثري- القاتلة

خليل عيسى

2015 / 5 / 18
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني



كما في السنوات السابقة الماضية ينتاب الجزء الاكبر من المعارضين السوريين مجدّدًا، نوبات من التفاؤل المفرط بقرب سقوط النظام السوري في أيّة لحظة وذلك استنادًا الى خسارات النظام وحلفاؤه القريبة العهد في إدلب ودرعا. فإذا كان صحيحًا بأنّ هؤلاء باتوا يجدون أنفسهم في ورطة حقيقية على المستوى العسكري خصوصًا مع انحدار للمعنويات النفسية بصفوف مؤيديهم بشكل كبير، إلا أنّ الطرف المقابل دائمًا ما يميل الى التغاضي عن قراءة الوقائع على الأرض والاستسهال بقدرات من يواجهون وحساباتهم بسبب إيمان صوفي مفاده بأنّ الاكثريّة "السنيّة" ستفوز بشكل تلقائي وسحري في النهاية لأنّها...أكثريّة!
ومن أجل عدم السقوط في هكذا أوهام تقفز فوق دول وتواريخ وطبقات ومصالح متشابكة متضاربة فتحيل البشر بكلّ تعقيداتهم الى حبوبٍ من البطاطس ساكنة ومتشابهة تنتظر على رفّ التاريخ، يجب دائما تحليل الجزئيّات من خلال المعطيات الكُلّية الكبرى: أي لكي نفهم التحوّلات السياسية على الارض، كما في سوريا، يجب أن نفهم ماهية المتغيّرات "الصلبة" التي تبنيّن الصراع والتي هي، و حتى إشعار آخر، تحالف للإمبرياليّة الاميركيّة مع الاستعمار الايراني ومكوّناته في كلّ العالم العربي. فمن خلال تحليل الوضع بهذا المعنى، يمكننا تفسير الثقة الكبير بالنفس التي يبديها "حزب الله" وإعلامه الحربي في طمأنة النظام السوري عند القول بأنّ "سقوط نظام الأسد في سوريا يعني سقوط الحزب كذلك". ذلك أنّ "حزب الله" الذي يذهب الآن الى معارك طويلة الامد ومكلفة في القلمون لا يفعل الامر بسبب "الأهمية الاستراتيجية" للمنطقة، بل لأنّ هناك معطيات تشير الى أنّ الاخير واثق بأنّ دعمًا قويّا سيأتيه عما قريب. فقد كانت معركة القلمون دومًا قائمة كإمكانيّة له لكنها لم تحدث الا اليوم بالتحديد، لماذا؟ السبب الأكثر منطقية هو أنّ ايران تريد أن تظهر دعمًا سريعا للنظام وأن تحقّق ما تظنّ أنه سيكون أسرع انتصار ممكن لها في هذه الفترة الإنتظاريّة لها مما قد يحقّق انهيارًا نفسيّا عند أعدائها بعد اندفاع هؤلاء الاخير.
إذ لا يبدو أنه أصبح من الكافي بمكان أن يقوم "حزب الله" وايران في طمأنة النظام السوري، بعد ما تبيّن من تعاظم للخلافات الداخلية في النظام وما تردّد من ملامة متبادلة بين النظام السوري وبين الايرانيين، ومن موت "مفاجئ" واختفاء "قسري" للعديد من رجالات النظام في الفترة الاخيرة. لذلك قامت الولايات المتّحدة نفسها بطمأنة النظام بشكل مباشر منذ أيّام، عندما أوصلت "مصادرها" الى الجرائد العربيّة خبرًا مفاده بأنّ "إدارة الرئيس باراك أوباما "قلقة وغير مرتاحة على الإطلاق" لانتصارات المعارضة السورية و"جيش الفتح" وبأنّ "الإدارة الأميركية وتحديداً البيت الأبيض بأعلى مستوياته «غير مرتاح» للتغييرات في المشهد السوري". (جريدة "الحياة"، 9 أيار 2015) ولا بدّ أنّ النظام السوري تلقى الرسالة.
ولتفسير ما يحصل لا يجب أن يغيب عن أعين الجميع بأنّ نظام أوباما "الديموقراطي" هو من سيقوم رئيسه الذي وصل الى حدّ تهديد اسرائيل بإسقاط طائراتها إن حاولت قصف المنشآت النووية الايرانية (ورد الخبر في صحيفة "الجريدة" الكويتية (28 شباط 2015) نقلًا عن وزير اسرائيلي "قريب من نتانياهو" حينها وحتى الآن لم يتمّ نفي الامر من أيّ جهة رسمية اسرائيلية) باستعمال صلاحياته في رفع العقوبات عن ايران من أجل إعطائها 50 مليار دولار قرابة آخر شهر حزيران (والأرجح قبل ذلك الحين)، حتى لو كانت إرادة الاغلبية الجمهورية في الكونغرس، "ممثل الشعب" الأميركي، ترفض "الإطار" النووي والتي ترى أنّه لن يغيّر شيئا من حقيقة أنّ ايران "قويّة ومعافاة" مع حدّ أقصى من 150 مليار دولار محرّرة من أرصدتها المجمدة والتي ستمتلك لا محالة القنبلة الذريّة قريبا، ستستمر أكثر في التوسّع الاستعماري ("وال ستريت جورنال"، ا أيار 2015). لا شكّ بأنّ هذه الاموال التي ستقبض بشكل سائل ومباشر ستذهب في جزء كبير منها الى تمويل الدعم العسكري الايراني في لبنان وسوريا والعراق واليمن. لذلك فإنه خلافًا لتوقعات الكثير من المعارضين السوريين الذين يفسّرون كل خسارة لمعركة في الحرب بكونها تنبئ بانتصار عظيم قادم لا محالة، فإنه إذا لم تتغيّر وقائع الامور بشكل جذري سنشهد خلال الاشهر القادمة على الارجح ضخّ أموال ومرتزقة وايصال موارد كافية للنظام السوري ومن يقاتل معه. وذلك يعني أيضًا إذا ما حدث بأنّ الحرب في سوريا ستطول مجددًا.
لكن هل أنّ مشكلة النظام السوري غير "حقيقية" أو هي تحلّ بمجرد حضور "المال" والمرتزقة؟ كلا، فعدا الدعم المادي والتي قالت ايران بأنّ تسليفتاها للنظام السوري وصلت قيمتها الى 15 مليار دولار، والذي سيزيد أكثر مع قدوم الاموال السائلة حيث وافقت إيران على مليار دولار تسليفة إضافية (بلومبرغ، 5 أيار 2015)، يبقى أنّ هناك مشكلة كبيرة في استكمال توفير الدعم البشري الذي توفره ايران من لبنانيين وعراقيين وأفغان. هي مشكلة "البشر". وهنا يكمن الضعف الوجودي في الخطة الاميركية-الايرانية: ببساطة، "العرب السنّة" في النهاية هم أكثر عدديا من "الأقليّات" الدينية والعرقيّة التي تموت دفاعًا عن مصالح إيران-ولا زال هناك بالمناسبة الكثير من السوريين "سنّة" يقاتلون مع جيش النظام- لكنهّم أقلّ توحّدًا بكثير من قاتليهم وأقلّ وضوحًا في فهم الرؤية الاستراتيجية الصحيحة للصراع بالإضافة الى تهافت الاولويّات الصراعيّة فيما بينهم دولًا وجماعات، مما يعقّد المسألة أكثر بكثير.
قبل كل شيء يجب فهم بأنّ ما يحدث تحت سطح الحرب "السنية-الشيعية" الطافية على السطح في كل مكان، ما عدا اليمن، إنّما تحدّده الثنائية البعدية لقاعدة الصراع القائم والتي قِوامها: الإمبريالية (الاميركية)-القوميّة (الايرانية). بالتالي فإنّ النظرة الصحيحة الى الصراع يجب أن تُموضع على هذا المستوى: تنبّه للإمبريالية الاميركية التي تدعم الاستعمار الايراني بشتى الوسائل وفي كلّ الساحات، وتظهير للمركّب القومي العربي كمواجه أكثر جذريّة للإيرانيين من التنطّح المذهبيّ الأعمى. فالأطروحة التي تقول بأنّ "الأكثرية السنيّة" هي التي "ستنتصر لا محالة" لأنّها أمر "طبيعي" تمامًا مثل قوّة الجاذبيّة الأرضية، على ما يروّجه مشايخها الاستراتيجيون ومحللو طرقها الصوفيّة خصوصًا في أوساط المعارضة السوريّة المبكرة النبوغ، إنّما تحوي فخًا كبيرًا قد يكون وبالًا عليهم: إذ أنه من المرجح بأنّ الايرانيين الذين يفهمون تماما مركزيّة هذه المشكلة العدديّة حاولوا وسيحاولون الغرف من هذه "الاكثريّة" بالتحديد، وذلك عبر "شراء" مقاتلين عربًا "سنّة" أكثر الى صفوفهم، تحت عناوين شتى من قبيل "الحرب على الارهاب" وما شابه مستغلين الفقر المدقع لتلك الاغلبية (موقع "عربي21"، 10 أيلول 2014). ذلك سيكون ممكنًا أكثر خصوصًا مع توفّر كم هائل من الأموال قريبا، تمامًا كما فعلوا في اليمن مع بعض القبائل هناك وكما يحاولون اليوم مع جزء من العشائر "السنية" في العراق واللاجئين السوريين.
وفي هذه المناسبة من المهم لفت الأنظار الى نوعية ردة فعل الايرانيين المتوتّرة على المناشير التي ألقتها طائرات قوات التحالف العربية فوق اليمن، حين اتّهم علي شامخاني عضو مجلس الامن القومي الايراني والمستشار المقرّب من المرشد الأعلى خامنئي السعودية، باستخدام "تكتيكات تخويف" تعود "للحرب الباردة" لأنّ مناشيرها كانت تقول: "أخي اليمني، هدف التحالف الحقيقي هو مساعدة الشعب اليمني ضدّ التوسّع الفارسي". ربما نسي كثيرون من العرب "السنّة" ذلك، لكنّ شامخاني الإيراني الأهوازي الأصول والذي يتحدّر من عائلة عربية، لم ينس قط بأنّ الجيش "العربي" العراقي أيام نظام صدّام حسين هو الذي انتصر على جيش ايران ـكان الجزء الاكبر منه عربًا "شيعة" وكان حينها أكثرية محازبي حزب البعث الحاكم هناك من "الشيعة".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الولايات المتحدة: الشرطي المتهم بقتل جورج فلويد يرفض الإدلاء


.. ليبيا: رئيس حكومة الوحدة الوطنية يطلب الدعم الروسي لإنهاء ال


.. بلينكن يعد ب-شراكة أمنية دائمة- مع أفغانستان بعد انسحاب القو




.. أفغانستان: مخاوف من انهيار الوضع الأمني بعد انسحاب القوات ال


.. إلى أين وصلت محادثات فيينا حول الاتفاق النووي الإيراني؟