الحوار المتمدن - موبايل


ميشال سماحة والخيانة والصبّير

خليل عيسى

2015 / 5 / 31
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي


بعد الحكم الذي أصدرته المحكمة العسكرية في لبنان، والتي انتهت بأن يقضي ميشال سماحة ليلة رأس السنة المقبلة في بيته ومع أولاده وعائلته، مرتاح البال، كما يجب أن يكون الأمر بالنسبة لرجل شغل منصب مستشار بشار الأسد، غير عابئ بتسجيلات فيديو سُرّبت يقول فيها، بينما يتلذّذ بأكل فاكهة الصبّير بأنّ المؤامرة لقتل شخصيات سياسية لبنانية كانت أمرًا مباشرًا أعطي له من الرئيس السوري وعلي مملوك. استهجن الجميع في من يسمى "14 آذار" الحكم، ومنهم وليد جنبلاط نفسه الذي اعتبر، وهو في ذلك محقّ، بأنّ ما حدث هو "تشريع للقتل والتفجير والاغتيال".
لكن، على الرغم من ذلك، لا يجب أبدًا أن ننسى أن هذه ليست المرّة الأولى التي يحدث فيها شيء كهذا في لبنان. فمنذ زمن ليس بعيداً، لم يكن كثيرون من صقور "14 آذار" أقلّ أمانةً لهذا الوطن ولأهله خلال حرب لبنان مع إسرائيل في يوليو/تمّوز 2006. حينها، وبينما كان اللبنانيون يُقصفون من قبل طائرات الصهاينة، كان جنبلاط (على ذمّة جيفري فيلتمان) يعبّر عن أمله بأن تجتاح إسرائيل الجنوب اللبناني. عندها، كانا هو ومروان حمادة يشربان الفودكا مع مبعوث الأمم المتّحدة، تيري رود لارسن (البرقيّة 06BEIRUT2403 ) هنالك أيضًا وزير العدل حينها، شارل رزق، الذي وافق السفير الأميركي حينها، فيلتمان، بضرورة عدم تشجيع الحريري على ملاحقة قادة إسرائيل قضائيًّا (البرقية 06BEIRUT2609). إنّها أمثلة بسيطة بين حقائق كثيرة معروفة، تكشف عن مؤامراتٍ، ترقى بسهولة إلى الخيانة العظمى.
بعد انتهاء الحرب وبعد كشف هذه الوثائق في بداية عام 2011، لم نسمع أيّ شخص من فريق"14 آذار" يقوم بخطوة شجاعة ونزيهة فيطلب محاكمة زملائه بتهمة الخيانة أو العمالة. لا بل العكس هو ما حصل، فقام طرفا المعادلة، حزب الله وحلفاؤه كما خصومه، بوضع ذلك كله خلفهم ليشاركوا معًا في حكومات تنهب الأموال العامة من دون إقرار أيّة موازنة عامة لسنوات متتالية. ثم فقد الجميع أيّة شرعية دستوريّة لهم، مع عدم إجراء انتخابات نيابيّة، مما جعلهم مغتصبي سلطة. وبعد الثورة التي قامت في سورية عام 2011، تحوّل حزب الله من طرف يقاتل إسرائيل في جنوب لبنان إلى أداة غزو استعمارية إيرانيّة انطلاقا من سورية حتى اليمن. تمّ ذلك من قبل حزب الله أيضًا، من دون اكتراث لا بالدستور اللبناني ولا بـ"الدولة" ولا بالقضاء. الفارق الوحيد الجوهري فيما حدث، أنّ حزب الله، بالإضافة الى خرقه الدستور "داخليًّا"، كما يفعل خصومه، بات مسؤولًا وشريكًا في قتل سوريين وعراقيين ويمنيين "خارجيّا".
خلاصة القول إن جميع من يحكم في لبنان بات، منذ زمن، يدوس على الدستور برجليه كلّ يوم، ولا من حسيب ولا من رقيب. ويتساوى هذا الكلّ فيما بينهم في انحطاطهم المعنوي عند النقاش، بخصوص أيّة مسألة سياسيّة جدّية، مهما كانت، مثل رفض المحاكمات العسكرية للمدنيين، أو استقلالية القضاء، حيث لم يعد لدى أيّ طرف من الطبقة الحاكمة اللبنانية، لا "تيار المستقبل" ولا حتمًا حزب الله أو التيار "العوني" أو غيرهم، بعد كلّ ما حصل منذ 2005 أيّة فرصة للتطهّر من تراكمات أدائهم المجرم. وعندما يخصّ الأمر وكيل إيران وحلفاءه، نزيد فنقول فرصة للتطّهر من الجرائم التي يرتكبها بحقّ الشعوب العربية الباقية. كلهم بلا استثناء ساهموا بمسخ فكرة الحقّ والقانون والقضاء في لبنان إلى لا شيء.
صحيح أن أركان "14 آذار" يخافون على أنفسهم من الاغتيال من النظام السوري، لكننا لا يجب أن ننسى، لحظة، أنّ ردّة الفعل السياسية لديهم خلال الأزمات المصيرية، تليق بأمراء حرب وزعماء مليشيات في حرب أهلية أكثر مما تليق برجالات دولةٍ، يحملون مسؤوليات وطنية. فهؤلاء أثبتوا مرارًا أنّهم لا يتورّعون عن المشاركة باغتيال شعب بأكمله، شعبهم، عندما يرون "مصلحة" لهم في ذلك، كما شهدنا خلال 2006.
إنّ خائنًا وطنيًّا، مثل ميشال سماحة، اليوم، ليس مخلوقًا غريبًا عن النماذج التي تحكمنا في لبنان، بل هو تحديدًا شفيع هذه الطبقة الحاكمة ونتاجها. لكن، ما يفرّقه عن "زملائه" أنّ أمره قد كشف بفضيحة كانت "بجلاجل". فالطبقة الحاكمة اللبنانية تشبه سماحة أكثر بكثير مما يريد لنا إعلامها أن نعتقد. ومعظم أفرادها سيتحوّلون إلى "ميشالات" سماحة عندما يرون مصلحة كافية لهم في ذلك، مما يعني أنّ على اللبنانيين الذين يريدون أن يبنوا وطنًا عادلا يتيح الحياة الكريمة للجميع، والذين لا يريدون أن يصبحوا مليشيات غازية تقتل الأطفال والنساء خارج هذا البلد، أن يحاولوا القيام بذلك عبر اجتراح أداة سياسية، إنشاء حزب يمثّلهم، يموضع نفسه تمامًا خارج ما تسمّى ثنائية "8 و14 آذار"، ولكن، في مواجهة الاثنين معًا أيضًا، مع الاستفادة من التناقضات القائمة فيما بينهما.
ولنكن على ثقة بأنّ كثيرين من زعماء لبنان، الذين يهاجمون الحكم الصادر بحق سماحة على أنه تشريع للخيانة، معجبون سرًّا بجرأة الرجل، الذي لو كانت الظروف مختلفة لتمنوا لو كانوا مكانه، فهم اشتهوا حتى فاكهة الصبّير التي كان يأكلها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - كلهم على شاكلة سماحة
الدرة العمرية ( 2015 / 6 / 2 - 01:42 )
السيد الكاتب لبنان بلد ديمقراطيته صيغة فريدة.....وكانوا ينكتون نكتة عن لبنان ابان الحرب الاهلية أنهم طرقوا فريدة وسرقوا الصيغة...........متى كان لبنان محكوما من رجال اوفياء لوطنهم؟ هذا البلد حكامه على شاكلة شعبه.اولا الكرسي وبعد ذالك الطائفة واخيرا الوطن.لبنان بلد العصابات.
اين يوجد بلد في العالم حتى الان يعيش بدون رئيس؟ النواب كما قال غوار الطوشة(حارة كل مين ايدو الو) يكفي

اخر الافلام

.. النيابة العامة المصرية: مساعد السائق ومراقب البرج كانا متعاط


.. الأمير حمزة يظهر رفقة العاهل الأردني خلال زيارته الأضرحة الم


.. مئوية الأردن.. عقود من الأدوار المحورية إقليميا ودوليا




.. حسن المومني: ظهور الأمير حمزة رفقة العاهل الأردني رسالة قوية


.. الأوكتاغون.. عملاق مصر الفضائي