الحوار المتمدن - موبايل


قراءة للوضع السياسي في تركيا عشية الانتخابات النيابية

جاك جوزيف أوسي

2015 / 6 / 2
مواضيع وابحاث سياسية


يجمع المراقبون السياسيون على أن الانتخابات المزمع إجراؤها في تركيا يوم السابع من حزيران الجاري ستكون نقطة فاصلة في تاريخ تركيا الحديث، إذ إنها ستحدد ما إذا كان العثمانيون الجدد بقيادة رجب طيب أردوغان سيحتفظون بسيطرتهم على الحياة السياسية التركية يعززون من خلالها قبضتهم على مفاصل صنع القرار في أنقرة أو إنها ستكون بداية النهاية لهذه المجموعة الفاشية التي أدخلت تركيا والمنطقة في دوامة من العنف والدمار خدمة لطموح مجنون انتاب الثنائي أردوغان – أوغلو يهدف لإعادة أحياء الامبراطورية العثمانية من جديد.
هذه الانتخابات تأتي في وقت بدأت فيه شعبية العثمانيين الجدد بتراجع بطريقة دراماتيكية، ابتدأت بأحداث ميدان تقسيم التي كانت الشرخ الأول في شرعيتهم السياسية، لتكون فضيحة الفساد الكبير التي انفجرت في بدايات عام 2014 الطعنة التي أصابت في الصميم هذه المجموعة إذ إنها مست وبشكل مباشر شرعيتهم الأخلاقية والتي حاولوا من خلالها أن يقدموا أنفسهم على أنهم ساسة نزيهين لم يتلوثوا بفضائح الفساد ولم تمس أيدهم المال القذر كبقية السياسيين الأتراك كما روجت آلاتهم الإعلامية. فضيحة الفساد هذه أدت إلى شق صفوف تيار الإسلام السياسي في تركيا إلى قسمين أعاد إلى الأذهان قصة قابيل وهابيل حيث أخذ الصراع مداه بين العثمانيين الجدد وجماعة الخدمة بقيادة رجل الدين فتح الله غولن، إضافة إلى أنها كانت الشعرة التي قصمت ظهر بعير حزب العدالة والتنمية بعد أن ذهبت مجموعة أردوغان – أوغلو بعيداً في تكتياكتها الهجومية، والتي استخدمت فيها التحريض الطائفي والقومي داخلياً وخارجياً، والتي أدت إلى قسم المجتمع التركي بطريقة عمودية. أما التورط في الأزمة السورية فكان الزلزال الذي هز الدولة التركية بقوة وعنف وكانت ارتداداته عنيفة على الاقتصاد التركي قضت على الفورة الاقتصادية التي حققها، وأثر بشدة على التوازن الهش بين أطياف المجتمع فيها. لدرجة جعلت البعض يتحدث عن المستنقع الفيتنامي أو عن الكابوس الباكستاني، من ناحية المقارنة بين تداعيات حرب فيتنام وأثارها النفسية على المجتمع الأميركي، وانعكاسات التورط الباكستاني في دعم حركة طالبان الأفغانية وما أدى ذلك إلى تغيرات جوهرية في مجتمع الدولتين.
إضافة إلى ذلك، تأتي هذه الانتخابات في وقت بدأت في أنقرة تعاني من عزلة دولية نتيجة فشلها في معالجة ثلاث ملفات أساسية، كانت عائقاً أمام انضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي، بدأت بالانفجار واحدة تلو الأخرى في وجه صانع القرار التركي. أول هذه الملفات هو قضية الإبادة الأرمنية، أما الثاني، فهو قضية الحريات الدينية داخل تركيا، أما أخرها فهو الملف الكردي الذي كان الكابوس المؤرق للجمهورية التركية منذ تأسيسها وحتى هذه اللحظة. تفاعل هذه الملفات الثلاثة وعدم معالجتها ووضع حل مناسب لها قد يؤدي إلى إعادة رسم الجغرافيا السياسية في تركيا والمنطقة. فمنذ الغزو الأميركي للعراق بدأت الأصوات تتعالى في الإقليم الكردي مطالبة بالاستقلال عن العراق وجاءت أحداث "الربيع العربي" وتفجر العنف المذهبي والطائفي في المنطقة إلى جعل هذه المطالبة خياراُ استراتيجياً لدى الأكراد في شمال العراق وبعض أشقاءهم في تركيا وسورية، يدعمهم في ذلك بعض القوى الكبرى والâmضiDEليمية، بهدف حرف بؤرة الصراع في الشرق الأوسط من جنوب بلاد الشام (القضية الفلسطينية) إلى شمالها في خطوة ستؤدي حسب واضع قواعد لعبة الأمم إلى تفجير صراع بين القوميات الكبرى في المنطقة، وهي: الفارسية، العربية، التركية والكردية ويكرس إسرائيل قوى كبرى في المنطقة. أما قضية الحريات الدينية في تركيا فقد عادت للظهور وبقوة بعد أن وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في أنقرة عام 2002 وانتهاجه لخطاب ديني متطرف بدا يرتفع رويداً رويداً مع كل استحقاق انتخابي تتعرض له البلاد حتى أضحى استخدام الرموز الدينية قبيل الانتخابات المزمع إجرائها شيئاً عادياً في تعارض صارخ مع الدستور التركي. كل ذلك دفع إحدى الطوائف الكبرى في تركيا والتي كانت ولا تزال تعاني من غبن وتجاهل لأبسط حقوقها وهي حق ممارسة الشعائر الدينية في أماكن للعبادة معترف بها رسمياً من قبل الدولة بالتكتل دفاعاً عن حقها في الوجود وخصوصاً بعد أن تأكدت أن حكومتها تشن حرب إبادة ضد أخوتهم في المذهب في سورية تحت شعارات أخلاقية وإنسانية كاذبة. ويبقى ملف الإبادة الجماعية للأرمن هو أخطر هذه الملفات التي ستواجه الحكومة التركية القادمة لما له من تداعيات كثيرة على الداخل التركي وخصوصاً أن أردوغان وفي تكتيكاته الهجومية المعتادة تجاهل البعد الإنساني لهذه المأساة واختار الرد من الباب الديني لهذا الملف، الأمر الذي سيكون له ارتدادات على الصعيد الدولي قد يكون من المبكر الحديث عنها الآن.
رجب طيب أردوغان في سبيل سعيه نحو تنصيب نفسه سلطاناً على المنطقة كي يحقق حلمه بالقضاء على الإرث الأتاتوركي في تركيا استعان بخدمات مستشاره الوفي أحمد داود أوغلو الذي وضع له ثلاث نظريات كانت المحرك الأساسي لسياسته في تركيا والمنطقة. هذه السياسات أثبتت فشلها الواحدة تلوى الأخرى، حيث تحولت سياسة صفر مشاكل إلى صفر أصدقاء في الداخل والخارج نتيجة السياسات الخاطئة التي انتهجها هذا الثنائي. أما نظرية العثمانيون الجدد التي حاولا أن يقدما بها الإسلام التركي كنموذج قابل للتطبيق في العالم من حيث التزاوج بين تعاليم الإسلام والديمقراطية فتحولت إلى المرجع الأساس في إنتاج التطرف في المنطقة بعد أن ظهرت تنظيمات النصرة وداعش التي تربت في كنف حزب العادلة والتنمية لتمارس إجرامها على الأبرياء في المنطقة العربية. وتبقى نظرية القوس المشدود والسهم المندفع الذي حاول من خلالها أردوغان - أوغلو خلق مجال حيوي لهما في الشرق الأوسط ليكون ركيزتهما الأساسية في مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوربي الأخطر على الإطلاق، إذ أن هذا السهم المندفع قد يخطئ هدفه ويصيب قلب تركيا والمنطقة في مقتل إن لم يتعظ الناخب التركي والمراهن العربي، حتى الآن من دروس تجربة العثمانيين الجدد في الحكم حتى الآن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جمعتنا بتحلى مع أحمد حسن | الحلقة 1 | بيسان إسماعيل


.. حمدوك يدعو مدبولي وآبي أحمد لقمة ثلاثية مغلقة


.. لقاءات لديفيد هيل مع المسؤولين اللبنانيين




.. توصيات أميركية بتعليق استخدام لقاح جونسون آند جونسون


.. الازدحام يعود إلى الشوارع مع بدء تخفيف الإغلاق