الحوار المتمدن - موبايل


الرأسمالية ( رواية الأرواح الشريرة ) 3

فضيلة يوسف

2015 / 6 / 6
الادارة و الاقتصاد


تحوّلت فكرة العدالة وحقوق الإنسان إلى "صناعة " ، وحدث انقلاب مفاهيمي لعبت فيه المنظمات غير الحكومية والمؤسسات التابعة للشركات دوراً حاسماً . مكّن المعنى الضيق لحقوق الإنسان من ظهور تحليلات شرّيرة تحظر رؤية الصورة الكاملة لكلا الطرفين في الصراع، على سبيل المثال، يصوّر الماويون والحكومة الهندية، أو الجيش الإسرائيلي وحماس على حد سواء كمنتهكين لحقوق الإنسان. وأصبح الاستيلاء على الأراضي من قبل شركات التعدين في الهند أو ضم الأراضي الفلسطينية من قبل دولة إسرائيل على الهامش ولها تأثير ضئيل جداً في الخطاب. هذا لا يعني أن حقوق الإنسان غير مهمة. حقوق الانسان هامة ، ولكنها ليست جيدة بما فيه الكفاية لفهم المظالم الكبيرة في العالم الذي نعيش فيه.
انقلاب مفاهيمي آخر يتعلق بالمنظمات الأهلية التي تعمل مع "الحركة النسوية". لماذا معظم الاتحادات النسوية "الرسمية" والمنظمات الأهلية النسائية في الهند تُبقي على مسافة آمنة بينها وبين منظمات مثل منظمة Krantikari Adivasi Mahila Sangathan (الرابطة الثورية لنساء أديفازي) التي تنتمي اليها 90 ألف سيدة والتي تناضل في مجتمعها المحلي ومناطق التشريد من قبل شركات التعدين في غابة Dandakaranya ؟ لماذا سلب وطرد ملايين النساء من الأراضي التي تملكها وتعمل بها لا يُنظر إليها على أنها مشكلة نسوية؟
لم يبدأ هروب الحركة النسوية الليبرالية من الحركات الشعبية المناهضة للامبريالية والمعادية للرأسمالية على مستوى القاعدة مع المخططات الشيطانية للمؤسسات التابعة للشركات . بدأ الهروب مع "عدم قدرتها على التكيف واستيعاب التطرف السريع للنساء التي جرت في تلك الحركات في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي . أظهرت المؤسسات التابعة للشركات عبقرية في فهم ذلك وتحركت لدعم نفاد صبر المرأة المتزايد من العنف والنظام الأبوي في المجتمعات التقليدية حتى بين قادة من المفترض أنهم يساريون . في بلد مثل الهند، زاد الانقسام أيضاً على طول الفجوة بين الريف والحضر. وتقع معظم الحركات الجذرية المناهضة للرأسمالية في الريف حيث واصلت السلطة الأبوية التحكم بحياة معظم النساء. أما النساء الناشطات في المناطق الحضرية اللواتي انضممن لهذه الحركات (مثل حركة Naxalite) فقد تأثرن بالحركة النسوية الغربية، وكنّ في نضالهن الخاص من أجل التحرر على خلاف مع ما اعتبره القادة الرجال واجبهن في كثير من الأحيان : إرضاء" الجماهير". لم تكن الناشطات على استعداد للانتظار طويلاً "للثورة" من أجل وضع حد للاضطهاد والتمييز اليومي في حياتهن، بما في ذلك مع رفاقهن. أردن أن تكون المساواة بين الجنسين جزءاً مطلقاً، عاجلاً وغير قابل للتفاوض من العملية الثورية، وليس مجرد وعود ما بعد الثورة. بدأت النساء الذكيات ، الغاضبات المحبطات في الابتعاد والبحث عن وسائل أخرى من الدعم والمؤازرة. ونتيجة لذلك، عندما فُتحت الأسواق الهندية أواخر الثمانينات ، ،أصبح في الهند عدد كبير جداً من المنظمات غير الحكومية (للحركة النسوية الليبرالية). عملت الكثير من هذه المنظمات غير الحكومية على التحرش الجنسي، والعنف المنزلي، والإيدز. ولكن الحركات النسوية الليبرالية لم تكن في الطليعة في تحدي السياسات الاقتصادية الجديدة، على الرغم أن النساء كن أكثر المتضررات . وعن طريق التحكم في صرف الأموال ، نجحت المؤسسات المرتبطة بالشركات إلى حد كبير في تقييد "الأنشطة "السياسية" لهذه المنظمات النسوية. تصف ملخصات تمويل المنظمات غير الحكومية الآن ما يعتبر من "قضايا" المرأة وما لا يصلح.
أولت المنظمات غير الحكومية من الحركة النسائية أيضاً اهتمامها بالحركة النسوية الليبرالية الغربية (لضمان التمويل) ولأنها حامل لواء التشريعات النسوية. وكما جرت العادة، كانت المعارك على أجساد النساء، البوتوكس مقابل النقاب . (ثم هناك من يعانين من ضربة مزدوجة، البوتوكس والنقاب) ، كما حدث مؤخراً في فرنسا، تم إجراء محاولة لمنع النساء من ارتداء النقاب بدلاً من خلق حالة يمكن للمرأة أن تختار فيها ما ترغب في عمله، انها ليست حول تحرير المرأة ، وإنما عن لبسها . ويصبح هذا عملاً من أعمال الإذلال والإمبريالية الثقافية. ان المعركة ليست حول النقاب . ولكن حول الإكراه. إجبار المرأة على النقاب أمر سيء كما إجبارها على خلعه . رؤية الجندرة بهذا الشكل بعيداً عن السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، يجعل من المسألة " قضية هوية "، معركة قيم وثقافات . وهو ما سمح لحكومة الولايات المتحدة استخدام الجماعات النسوية الغربية كغطاء أخلاقي عندما غزت أفغانستان في عام 2001. كانت النساء الأفغانيات في ورطة رهيبة في ظل حكم طالبان. لكن إسقاط قنابل (daisy) المقطعة للأجساد عليهن لا تحل مشاكلهن.
في عالم المنظمات غير الحكومية الخاص بها ، تطورت لغة مسكّنة غريبة ، وأصبح كل شيء "موضوعاً"، منفصلاً، (تنمية المجتمع، تنمية المهارات القيادية، وحقوق الإنسان، والصحة، والتعليم، والحقوق الإنجابية، والإيدز، والأيتام المصابين بمرض الإيدز)، كانت جميعها مغلقة بإحكام في الصوامع الخاصة بها ، وتمويلها مدروس بدقة. جزّأ التمويل التضامن الشعبي بطريقة لا يمكن كبحها. الفقر أيضاً، مثل الحركة النسائية، تم تشكيله باعتباره "مشكلة هوية". كما لو أن الفقراء لم ينتجوا عن الظلم بل هم قبيلة مفقودة وُجدت في المكان ، ويمكن انقاذها على المدى القصير من خلال نظام للتظلم والشكوى ، ( تديره المنظمات غير الحكومية أساسه الفرد، ومن شخص لشخص) ، ومن سيحل المشكلة على المدى الطويل ، في ظل نظام رأسمالية الشركات العالمية، لا أحد يتحدث عن ذلك.
عاد الفقر الهندي- بعد غيابه لفترة وجيزة في الهند "المشرقة"- للظهور كهوية غريبة في الفنون، تقودها أفلام مثل فيلم المليونير المتشرد. هذه القصص عن الفقراء، وأرواحهم المذهلة ،وأنهم ليسوا أشراراً - ما عدا تلك الفئة الصغيرة المحلية التي تسبب التوتر- مؤلفو هذه الأعمال في العالم المعاصر يعادلون علماء الأنثروبولوجيا في وقت مبكر، يشيدون ويكرمون العمل على "الأرض"، والرحلات الشجاعة إلى المجهول. نادراً ما تشاهد دراسة الأغنياء بهذه الطريقة .
بعد أن استطاعت الليبرالية الجديدة إدارة الحكومات، والأحزاب السياسية، والانتخابات، والمحاكم، وسائل الإعلام والرأي الليبرالي، كان هناك تحدياً أكبر أمامها: كيفية التعامل مع الاضطرابات المتنامية، وتهديد "سلطة الشعب". كيف يمكن تدجين المتظاهرين وتحويلهم إلى حيوانات أليفة؟ كيف يمكن تفريغ غضب الناس وتوجيهه إلى أزقة عمياء؟
هنا أيضاً، المؤسسات المرتبطة بالشركات والمنظمات المتحالفة معها لها تاريخ طويل ولامع. وهناك مثال يكشف دورهم في نزع فتيل حركة الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة في الستينيات وتحويلها الناجح من القوة السوداء إلى الرأسمالية السوداء.
عملت مؤسسة روكفلر، بشكل وثيق مع مارتن لوثر كينغ الأب (والد مارتن لوثر كينغ الابن). ولكن نفوذه تضاءل مع صعود المنظمات المتشددة (اللجنة الطلابية اللاعنفية (SNCC) والفهود السود. تحركت مؤسسات فورد وروكفلر. في عام 1970، تبرعت ب 15 مليون دولار للمنظمات السوداء "المعتدلة"، وأعطت الناس المنح الدراسية وبرامج التدريب المهني للمتسربين والمال للشركات المملوكة للسود. أدّى القمع والاقتتال الداخلي وفخ التمويل إلى الضمور التدريجي للمنظمات السوداء المتشددة.
قام مارتن لوثر كينغ الابن بالربط الممنوع بين الرأسمالية والإمبريالية والعنصرية وحرب فيتنام. ونتيجة لذلك، وبعد اغتياله، أصبحت حتى ذكراه تهديداً ساماً للنظام العام. عملت المؤسسات والشركات بجد لإعادة تشكيل تركته لتناسب السوق. تم تأسيس مركز مارتن لوثر كينغ اللاعنفي للتغيير الاجتماعي، مع منحة تشغيلية قيمتها 2 مليون دولار ، قدمتها شركة فورد موتور وجنرال موتورز، موبيل، ويسترن إلكتريك، وبروكتر أند غامبل، US للصلب وشركة مونسانتو . حافظ المركز على مكتبة الملك وأرشيف حركة الحقوق المدنية. من بين العديد من البرامج التي كان يديرها مركز الملك مشاريع "ترتبط بشكل وثيق مع وزارة الدفاع في الولايات المتحدة، ورجال الدين في القوات المسلحة وغيرها". ورعت سلسلة محاضرات مارتن لوثر كينغ الابن التي يطلق عليها اسم "نظام المشاريع الحرة" : وكيل التغيير الاجتماعي اللاعنفي. آمين.
وجرى انقلاب مماثل في النضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. في عام 1978، نظمت مؤسسة روكفلر لجنة درست سياسة الولايات المتحدة تجاه جنوب أفريقيا. وحذر التقرير من تنامي نفوذ الاتحاد السوفيتي على المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC)، وقال إن مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية والمؤسسية (أي الحصول على المعادن في جنوب أفريقيا) ستكون في وضع أفضل إذا كان هناك تقاسم حقيقي للسلطة السياسية لجميع السلالات.
بدأت المؤسسات بدعم حزب المؤتمر الوطني الافريقي. وسرعان ما حاول المؤتمر الوطني القضاء على المنظمات الراديكالية مثل حركة(Steve Biko’s Black Consciousness). عندما تولى نيلسون مانديلا منصب أول رئيس اسود لجنوب افريقيا، كان بمثابة قديس حي ، ليس فقط لأنه كان مناضلاً من أجل الحرية قضى 27 عاماً في السجن، ولكن أيضاً لأنه توافق تماماً مع واشنطن. اختفت الاشتراكية من جدول أعمال حزب المؤتمر الوطني الافريقي. تمت الإشادة "بالانتقال السلمي" في جنوب أفريقيا، ولا تعني الإشادة أي إصلاحات في ملكية الأراضي، ولا مطالب التعويض، ولا تأميم المناجم في جنوب افريقيا. بدلاً من ذلك، الخصخصة والتكيف الهيكلي. قدّم مانديلا أعلى وسام في جنوب أفريقيا لحليفه القديم وصديقه الجنرال سوهارتو، قاتل الشيوعيين في اندونيسيا. اليوم، في جنوب أفريقيا، تقود الحركات الجذرية والنقابية السابقة البلاد. ولكن هذا ليس كافياً لإدامة أوهام تحرير السود.
كان صعود القوة السوداء في الولايات المتحدة ملهماً لصعود الحركات الجذرية ، مثل حركة داليت التقدمية في الهند (Dalit)،. لكن داليت تم تمزيقها ، بمساعدة من الجناح اليميني للمنظمات الهندوسية ومؤسسة فورد، وهي في طريقها للتحول إلى داليت الرأسمالية.
" يمكن لرجال الأعمال من داليت الفوز اعتماداً على الطائفة كما أشار الإعلام الهندي في كانون ثاني من العام الماضي. واقتبس ذلك من فوزهم في غرفة التجارة والصناعة (DICCI). "أن يكون رئيس الوزراء من حركة داليت ليس صعباً في مجتمعنا". وظهور أصحاب المشاريع من داليت، في صور على الغداء مع رجال شركة Tata و Godrej هو طموح ودليل أنهم وصلوا ". وبالنظر إلى الوضع في الهند الحديثة، فإنه سيكون تخلفاً ورجعية القول أن رجال أعمال داليت لا مكان لهم على الطاولات الرفيعة . لكن إذا كان هذا هو الطموح، والإطار الأيديولوجي لسياسة داليت، فإنه مؤسف بشكل كبير. ومن غير المرجح أن يساعد المليون من الداليت الذين ما زالوا يكسبون لقمة العيش من حمل القرف البشري على رؤوسهم.
لا يمكن الحكم بقسوة على الطلاب الشباب من داليت الذين يقبلون المنح المقدمة من مؤسسة فورد . لأنها أتاحت لهم الفرصة للخروج من بالوعة النظام الطبقي الهندي. يقع جزء كبير من اللوم والعار لهذا التحول في الأحداث على الحركة الشيوعية الهندية التي لا يزال قادتها من الطائفة العلوية في الغالب. فقد فشلت الحركة الشيوعية في النظرية وفي الممارسة لسنوات.. بدأ الخلاف بين مجتمع داليت واليسار مع الاختلاف بين القائد الملهم من الداليت الدكتور Bhimrao Ambedkar و S.A. Dange النقابي والعضو المؤسس في الحزب الشيوعي الهندي. بدأت خيبة أمل الدكتور Ambedkar من الحزب الشيوعي عند إضراب عمال النسيج في مدينة مومباي في عام 1928 عندما أدرك أنه على الرغم من كل الكلام عن الطبقة العاملة والتضامن، لم يعترض الحزب على إخراج "المنبوذين" من دائرة النسيج (وقبولهم فقط في قسم الغزل حيث الأجور المتدنية ) لأن العمل يتطلب استخدام اللعاب على الخيوط واعتبرته الطوائف الأخرى "تلويثاً".
أدرك Ambedkar أنه في مجتمع يُضفي الطابع المؤسسي على الكتب المقدسة للهندوس "النبذ وعدم المساواة"، فإن معركة "المنبوذين"، للحصول على الحقوق الاجتماعية والمدنية، وكانت عاجلة جداً ستنتظر الثورة الشيوعية الموعودة. لقد كلّف الصدع بين أنصار Ambedkar واليسار الطرفين على حد سواء. لأن الغالبية العظمى من السكان الداليت، وهم العمود الفقري للطبقة العاملة الهندية، علقوا آمالهم للخلاص والكرامة الدستورية، على الرأسمالية والأحزاب السياسية مثل BSP، التي تمارس ، على المدى الطويل ، ماركة هامة وراكدة في سياسات الهوية.
أنجبت المؤسسات التابعة للشركات في الولايات المتحدة، المنظمات غير الحكومية. وفي الهند، بدأ استهداف العمل الخيري للشركات بشكل جدي في التسعينيات ، عصر السياسات الاقتصادية الجديدة. عضوية نادي الكبار لا تُشترى بثمن بخس. تبرعت مجموعة Tata ب 50 مليون دولار لهذه المؤسسة المحتاجة، (كلية هارفارد لإدارة الأعمال) ، و 50 مليون دولار أخرى لجامعة كورنيل. وقدم صاحب شركة Infosys وزوجته مبلغ 5 مليون دولار هبة لمبادرة الهند في جامعة ييل. مركز العلوم الإنسانية في جامعة هارفارد الآن مركز Mahindra للعلوم الإنسانية بعد استلامه التبرع الأكبر من نوعه ( 10 مليون ) دولار من مجموعة Mahindra.
في الهند ، تُدير مجموعة جندال، التي تعمل في مجالات التعدين والمعادن والطاقة، كلية جندال العالمية للقانون وسيتم قريباً افتتاح كلية جندال في العلوم السياسية . ( تُدير مؤسسة فورد كلية القانون في الكونغو). قدمت مؤسسة الهند الجديدة التي تمولها شركة Infosys ، جوائز وزمالات لطلاب علم الاجتماع. وأعلنت مؤسسة جندال التابعة لشركة جندال للألمنيوم عن خمس جوائز نقدية للعاملين في مجال التنمية الريفية والتخفيف من حدة الفقر والتعليم والبيئة والرقي الأخلاقي.
يشارك في ابحاث مؤسسة مجموعة Reliance للبحوث (ORF)، التي يديرها Mukesh Ambani ، متقاعدون من عملاء المخابرات والمحللين الاستراتيجيين والسياسيين (الذين يهاجمون بعضهم البعض في البرلمان) والصحفيين وصناع القرار.
تبدو أهداف ORF واضحة بما فيه الكفاية: "المساعدة على إيجاد توافق في الآراء لصالح الإصلاحات الاقتصادية." وعلى تشكيل الرأي العام والتأثير عليه ، وخلق "خيارات من السياسات البديلة ذات الجدوى في المجالات المختلفة مثل توليد فرص العمل في المناطق المتخلفة ووضع الاستراتيجيات لمكافحة التهديدات النووية والبيولوجية والكيميائية ".
وقد استغربت في البداية الانشغال بمكافحة التهديدات "النووية و البيولوجية والكيميائية" في الأهداف المعلنة ل( ORF ). ولكن استغرابي قلّ عندما وجدت في قائمة طويلة من "الشركاء المؤسسين" لها، أسماء مثل شركة Raytheon وشركة Lockheed Martin ، وهما من الشركات المصنعة للأسلحة الرائدة في العالم. أعلنت شركة Raytheon في عام 2007،انها تحول اهتمامها إلى الهند. هل يعني ذلك أن جزءاً من موازنة الدفاع الهندية البالغة 32 مليار دولار ستنفق على الأسلحة والصواريخ الموجهة والطائرات والسفن الحربية ومعدات المراقبة التي تُنتجها شركة رايثيون وشركة لوكهيد مارتن؟
هل نحن بحاجة إلى السلاح لخوض الحروب؟ أم أننا بحاجة إلى الحروب لإنشاء سوق للأسلحة؟ أخيراً ، تعتمد اقتصادات أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل بشكل كبير على صناعة الأسلحة . انها الشيء الوحيد الذي لم يتم الاستعانة فيه بمصادر خارجية مثل الصين.
في الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، يجري اعداد الهند للعب الدور الذي لعبته باكستان كحليف للولايات المتحدة في الحرب الباردة مع روسيا. (وانظروا ما حدث لباكستان) . يمكن إرجاع كثير من كتاب الأعمدة و "المحللين الاستراتيجيين" الذين يحرضون على الأعمال العدائية بين الهند والصين، بشكل مباشر أو غير مباشر إلى المؤسسات الفكرية الهندية - الأمريكية. أن تكون الهند "شريكاً استراتيجياً" للولايات المتحدة لا يعني إجراء رؤساء الدول مكالمات هاتفية ودية لبعضهم البعض بين الحين والآخر، هو يعني التعاون في كل مستوى. وهو يعني استضافة القوات الخاصة الأميركية على الأراضي الهندية (قائد البنتاغون أكد في الآونة الأخيرة هذا ل BBC). وهو يعني تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتغيير السياسات الزراعية والطاقة، وفتح قطاعات الصحة والتعليم للاستثمار العالمي. وهو يعني أن الهند دخلت في شراكة غير متكافئة مثل (عناق الدب وراقص الفالز) وأن الشريك سوف يحرقها لحظة رفضها الرقص.
سوف تجد في قائمة "الشركاء المؤسسين" ل( ORF )، أيضاً مؤسسة راند، ومؤسسة فورد، والبنك الدولي، ومعهد Brookings (الذي وضع ثلاثة أهداف له "تقديم توصيات مبتكرة وعملية لتعزيز الديمقراطية الأميركية ؛ ولتعزيز الرفاه الاقتصادي والاجتماعي، والأمن والفرص لجميع الأمريكيين، وتأمين نظام دولي أكثر انفتاحاً وأمناً وازدهاراً وتعاوناً ") وسوف تجد أيضاً مؤسسة روزا لوكسمبورغ من ألمانيا. (مسكينة روزا، التي ماتت من أجل قضية الشيوعية، لتجد اسمها على لائحة مثل هذه!)
رغم أن الرأسمالية قائمة على المنافسة، يُظهر الموجودون أعلى السلسلة الغذائية قدرتهم على التضامن. قام الرأسماليون الغربيون بالعمل مع الفاشيين والاشتراكيين والطغاة والدكتاتوريين العسكريين.
ولكن على الرغم من أن الرأسمالية تعمل بنجاح من خلال الإصلاحات الاقتصادية، وعلى الرغم من وجود حروب تخوضها ودول محتلة عسكرياً من أجل وضع "ديمقراطيات" السوق الحرة فيها، تمر الرأسمالية بأزمة خطيرة لم تكشف نفسها تماماً حتى الآن. قال ماركس: "ما تُنتجه البرجوازية ، قبل كل شيء، هو حفاري قبرها. سقوطها وانتصار البروليتاريا، أمران حتميان ".
قد تتعرض البروليتاريا، على رأى ماركس، لهجوم مستمر. وقد أغلقت المصانع أبوابها، واختفت فرص العمل، والنقابات العمالية تم حلها. يتم تحريض البروليتاريا، على مر السنين، ضد بعضها البعض بكل وسيلة ممكنة. تم في الهند، تحريض الهندوس ضد المسلمين والهندوس ضد المسيحيين، داليت ضد أديفازي، والطائفة ضد الطائفة، المنطقة ضد المنطقة. والآن، وفي جميع أنحاء العالم، عاد القتال. هناك في الصين، عدد لا يحصى من الإضرابات والانتفاضات. وفي الهند، خاض أشد الناس فقراً في العالم معارك مرة أخرى أدّت إلى وقف بعض من أغنى الشركات عن مساراتها.
الرأسمالية في أزمة. فشل الانسياب. والآن الصعود في مأزق أيضاً. يُضيّق الانهيار المالي الدولي الخناق. وقد انخفض معدل النمو في الهند إلى 6.9 في المائة. يتم سحب الاستثمارات الأجنبية ، تجلس أكبر الشركات الدولية الكبرى على أكوام ضخمة من المال، وليست متأكدة أين سيتم استثمارها، وليست متأكدة كيف ستتخلص من تمويل الأزمات وهذا هو، الصدع الهيكلي الرئيس الماحق لرأس المال العالمي.
"حفارو قبور" الرأسمالية الحقيقيون قد يكونوا كرادلتها ، الذين حولوا الأيديولوجية إلى الإيمان. على الرغم من تألق استراتيجيتهم ، يبدو أن لديهم مشكلة في استيعاب حقيقة بسيطة: الرأسمالية تدمر الكوكب. الحيل القديمة التي كانت تخرج الرأسمالية من أزماتها ،(الحرب والتسوق) ببساطة لن تنجح.
وقفت خارج Antilla لفترة طويلة لمشاهدة غروب الشمس. تخيلت البرج عميقاً في الأرض بعمق ارتفاعه. ولديه سبعة وعشرين جذراً بعدد طوابقه ، تتلوى تحت الأرض، وتمتص بجوع قوتها منها، وتحولها إلى دخان وذهب.
لماذا أطلق Ambanis هذا الاسم على المبنى ؟ Antilla اسم مجموعة من الجزر الأسطورية تعود إلى أسطورة اسبانية في القرن الثامن . عندما غزا المسلمون اسبانيا ، قرر ستة أساقفة من القوط الغربيين المسيحيين وأتباعهم صعود السفن والهرب. بعد أيام، أو ربما أسابيع ، وصلوا إلى جزر Antilla في عرض البحر حيث قرروا الاستقرار وبناء حضارة جديدة. أحرقوا سفنهم لقطع صلاتهم ببلادهم التي يُهيمن عليها البرابرة بشكل دائم.
من خلال تسمية البرج Antilla ،أمل Ambanis بقطع صلاته بالفقر والبؤس وبناء حضارة جديدة؟ هل هذا هو الفعل النهائي للحركة الانفصالية الأكثر نجاحا في الهند؟ انفصال الطبقات الوسطى والعليا في الفضاء الخارجي؟
عندما خيّم الليل على مومباي، ظهر حراس يرتدون قمصان كتانية ويحملون أجهزة اتصال لاسلكية خارج بوابات Antilla الممنوعة. الأضواء متوهجة ، ربما لإخافة الأشباح. يشكو جيران البرج أن أضواء Antilla المتوهجة قد سرقت ليلهم.
ربما حان الوقت بالنسبة لنا لاستعادة الليل.
مترجم
ARUNDHATI ROY








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد السياسة..النساء في أهم المناصب الاقتصادية


.. لبنان: احتجاجات وقطع للطرق تنديدا بانهيار الوضع الاقتصادي وا


.. مقتل متظاهرَين في ميانمار ودعوات نقابية لشل الاقتصاد




.. أخبار الاقتصاد في دقيقتين:


.. التأخير في توزيع لقاحات كورونا يلقي بظلاله على اقتصاد الاتحا