الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لقطات من تاريخ مجال عيون سيدي ملوك وعين لحجر أواخر العصر الوسيط (1)

رابحي رضوان

2015 / 6 / 6
الادب والفن


لقطات من تاريخ مجال عيون سيدي ملوك وعين لحجر أواخر العصر الوسيط (1)
ركّزت الكتابات التاريخية القليلة التي أُنجِزت حول تاريخ مجال ومدينة العيون سيدي ملوك، على الفترة الحديثة والمعاصرة إلى حدود نهاية مرحلة الحماية الفرنسية، مستفيدة من مجموعة من العوامل على رأسها وجود بعض المصادر والدراسات الاستكشافية الاستعمارية، وصمود بعض المآثر التاريخية المؤرخة للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، واستمرار حضور الرواية الشفوية، مقابل غياب شبه تام للأبحاث والدراسات حول تاريخ المجال خلال العصر الوسيط، بذريعة عدم وجود مصادر أو مؤشرات يمكن أن تعين الباحثين، فنتج عن ذلك سلخ تاريخ وهوية المنطقة عن جذورها، حتى أصبح يتم ربط اسم المدينة والمجال معا بعهد المولى اسماعيل، وتحديدا بسنة 1679م التي تؤرخ لبناء القصبة الإسماعيلية.
وتجدر الإشارة إلى أقدم إشارة بالإسم إلى "عيون سيدي ملوك" في المصادر التاريخية، تعود إلى القرن العشر الهجري ( 16 م)، وقد أوردها ابن عابد الفاسي في كتابه " رحلة ابن عابد الفاسي من المغرب إلى حضرموت"، مشيرا إلى استعصاء معرفة سبب التسمية، ومرجّحا رواية يظهَر أنها كانت رائجة، تربط اسم "ملوك" برجل يدعى عبد الملك، عاش بالمنطقة، وربما ملك عيون الماء الموجودة بها. وبغض النظر عن صحة هذه الفرضيات التي يقدمها المؤلف بنوع من الشك والريبة، فإن هذا النص التاريخي الثمين ذو أهمية بالغة، إذ يجعلنا نطرح السؤال من جديد حول تاريخ منطقة جعلها قدَر الجغرافيا تحتل موقعا استراتيجيا منذ القدم.
لا تتوفَّر أدلة يمكن أن تطرح إمكانية استقرار الانسان بمنطقة "العيون سيدي ملوك" منذ العصور السحيقة، رغم وجود شواهد مادية بمناطق قريبة منها، كما هو الحال بالنسبة لتافوغالت التي تؤرخ لعشرات الآلاف من السنين قبل الميلاد، وتُعد من أشهر مواقع ماقبل التاريخ على في المغرب وفي العالم.
إن موقع عيون سيدي ملوك في منتصف الطريق بين اثنتين من كبريات مدن وعواصم ومراكز تجارة الغرب الإسلامي في العصر الوسيط، فاس عاصمة دولة بني مرين وتلمسان عاصمة دولة بني عبد الواد، وكونها منطقة عبور بين المغرب الأقصى وباقي العالم الإسلامي، تجعلنا نرجح أن المجال كان فضاء عبرت منه قوافل الحجيج والجيوش المتحاربة طيلة العصر الوسيط.
إن ندرة الإشارات المصدرية، لا يمكن أن يُبرِّر في كل الأحوال، ابتعاد الباحثين عن محاولة النبش في تاريخ وذاكرة المنطقة اعتمادا على ما تزخر به من آثار وشواهد مادية تؤرخ للعصر الوسيط على الأقل.
شواهد مادية وروايات شفوية شاهدة على العصرين المريني والوطاسي
أ‌) شواهد مادية :
• قصر عاجة:
يقع القصر في المجال التابع لجماعة عين لحجر القروية، غرب مدينة العيون سيدي ملوك التي يبعد عنها بحوالي 10 كيلومترات، على الطريق الوطنية رقم 6 الرابطة بين وجدة والدار البيضاء. ويعتقد السكان أن القصر يعود إلى الفترة المرينية، وينبه الأستاذ مصطفى نشاط إلى الطمس الذي تتعرض له معالم القصر وباقي الآثار المادية بسبب العوامل الطبيعية والبشرية .
• قبور بني وطاس:
تقع هذه القبور هي الأخرى ضمن المجال الترابي التابع لجماعة عين لحجر القروية، حيث تقطن بعض فروع قبيلة "حديين" أو "إحدّوين"، غير بعيد عن الطريق الجهوية الرابطة بين العيون سيدي ملوك وجرادة، ولا يعرِف السكان المحليون عن هذه القبور إلا اسهما " قبور بني وطاس"، وهم يعتقدون أن لاعلاقة قرابة تربطهم بالمدفونين بها. كما لا توجد بالقرب من المقبرة آثار يمكن أن تدل على استقرار بني وطاس بها، مما يجعلنا نرجح غير جازمين أن هذه القبور قد تكون لضحايا سقطوا أثناء إحدى مواجهات الوطاسيين مع خصومكم الكُثر، ليبقى الغموض سيد الموقف ما لم تُنجز بحوث أركيولوجية قد تُزيح الغبار عن تاريخ المنطقة، وتكشف جوانب مهمة من ماضيها.
ب‌) روايات شفوية:
من بين الأقوال المأثورة التي صمدت في وجه عوامل التعرية التاريخية، ولا تزال متداولة على الألسن بالمنطقة: " من بني مرين مابقاو ناس، هوما اللي قتلو ولدهوم على ولد الناس"، ويحكي سكان المنطقة القريبة من "قصر عاجة" أن القولة ملخص لحادثة وقعت بالمنطقة في إطار حلقات الصراع المريني العبدوادي، فقد كانت أرملة من بني عبد الواد تعيش مع طفلها الوحيد إلى جانب المرينيين، وتجرأ أحد أبناء سادة بني مرين على قتل الطفل، وعوقب القاتل بأن قتل من طرف والده. ويُعتقد السكان المحليون أن الحادثة وقعت في أراضيهم، وتحديدا بالقصر المذكور، إذ يقولون " في قصر عاجة من ذبح ولدو على ولد الناس ودار الحق بِيدو، وصبّ عليهوم اللويز "، والجملة الأخيرة " صب عليهوم اللويز" تَربِط بين قتل بني مرين لواحد من أبناء سادتهم من أجل القصاص لابن امرأة من خصومهم بني عبد الواد، وبين نزول الفضة من السماء كجزاء على هذا القصاص. ورغم أن الجانب الأسطوري يغلب على هذه الرواية، إلا أنها تعكس بعض الرفاه والرخاء الذي نعمت به المنطقة خلال مراحل من تاريخها، ولابد أن هذا الرخاء كان قد تخلل فترات من الشدة من جراء الجفاف والكوارث والحروب المتواصلة بين بني مرين وبني عبد الواد.
ختاما، وكخلاصة لهذه الإطلالة السريعة على بعض شضايا تاريخ منطقة عيون سيدي ملوك وعين لحجر أواخر العصر الوسيط، نؤكد على ضرورة تعميق البحث والغوص في المصادر، واستغلال الآثار المادية والشهادات الشفوية، مع ضرورة تظافر جهود باحثين من تخصصات معرفية وعلمية متنوعة: تاريخ وأركيولوجيا وأنتروبولوجيا وغيرها، من أجل ردّ الاعتبار لذاكرة منطقة من أشد مناطق المغرب عمقا وتهميشا. (يتبع)

المصادر والمراجع:
يوسف ابن عابد الحسني الفاسي، ملتقط الرحلة من المغرب إلى حضرموت.
نشاط مصطفى، المرينيون بشرق المغرب الأقصى، منطقة عيون سيدي ملوك نموذجا.
معلمة المغرب، المجلد السادس.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فيلم السرب لأحمد السقا يحصد 22.4 مليون جنيه خلال 10 أيام عرض


.. ريم بسيوني: الرواية التاريخية تحررني والصوفية ساهمت بانتشار




.. قبل انطلاق نهائيات اليوروفيجن.. الآلاف يتظاهرون ضد المشاركة


.. سكرين شوت | الـAI في الإنتاج الموسيقي والقانون: تنظيم وتوازن




.. سلمى أبو ضيف قلدت نفسها في التمثيل مع منى الشاذلي .. شوفوا ع