الحوار المتمدن - موبايل


غرفة جراحة المفاهيم (المقتطف 2)

جمال البزويقي

2015 / 6 / 11
الادب والفن


-القائد يكال بما يكال به أتباعه، ما من قائدٍ لأنذالٍ شريف، و ما من قائد لصوصٍ عفيف .. أفهمت استيفان ؟
-لم أفهم سوى أن هذا الجمع الغفير من الناس منهوب و علينا صنع أنوية من القادة ليُحسنوا اِمساك الدفة .
كانت الشمس قد مالت للغروب كأصفر بيضة بصحن مطعم فاخر صنعت للمتجادلين شهية للحديث لم يفضها سوى اقبال أحد معارفهما القدامى و يبدوا من خلال ثوب سرواله و ذقنه المحلوق أنه توظف بالفعل كما أشيع عنه .
- أهلا بكبير العمر و الذقن و المعرفة (قاطع حديثهما من بعيد بصياح ينم عن تطفل رسمي) كل هته السنين دون لقاء كأننا لسنا أبناء بلدة واحدة .
جلس دون أي تنهد دون القاء التحية على "رامون" و قد كان ايستيفان و من خلال حاجبيه المتفاوتا العلوا باستنكار يبدي عن استغرابه الجلي متناولا كوبه دون أن يرشم عينيه و دون ان ينزلهما من هذا الوافد الصفيق، حتى أن مزاجه اليوم معكر منذ الصبيحة فروتينية اليوميات تصنع مشانق الانتحار .. يبدوا أنه أتى للاستقصاء و التحري فالبلدة تسودها هيستيريا الحراك الجماهيري لا يوازيها سوى حركية المخابرات الرسمية و الشبه رسمية، العمدة له أعوانه و الأعوان لهم معارفهم من نادلين و حلاقين و أرباب سيارات أجر و شاحنات و محلات، و كلهم يتقصون عن حفنة الشباب التي "لا تصلي الجمعة" كما يشاع عنهم حتى أمسى ثلثي الشعب بوليسا سياسيا دون ادراك، على الأقل هي هواية تصنع لهم مواضيع للنقاش بالمقهى و تفتح أبواب اليسر بمشاوير الأوراق و المصادقة و ما شابه بادارات البلاد .. كان استيفان اليوم عبوة ناسفة و يبدوا هذا الصفيق العريق مفجرها و قد أشعل رامون السجارة التي استطاعت أن تنزل عيني استيفان عن الجالس أمامهما .
- ان لم تخني الذاكرة أنت ذاك النجار بعطفة الثانوية ، من تكون؟ أ أنت صحفي أنت الآخر ؟
- ما بك استيفان لا تتذكرني؟ أ كبرت في السن أم مذا؟ (تقطع صوته في تجلي لارتباكه و مستدركا في محاولة يائسة لتلطيف الجو) كم عمرك بالمناسبة (مع ابتسامة ذابلة على شاكلة موزة مثمرة)
- لن تستطيع معرفة عمري الا بأن تحسب عمر كل الكتاب الذين قرأت لهم (مسندا ظهره لمُتَّكَئ كرسيه)
- الكتاب خير جليس لكن هذا يعني أنك وحيد بالمقابل، أنت ببلدتك و الكل يعرفونك فلما تتخذ الكتب أصدقاء بدلا عن أبناء منطقتك ؟
- المنطقة أُمُّنا و على رأسنا و عيننا كبرنا و لم تكبر معنا .. فاما أن نفيض عنها سيرا لتتوسع بما لن تضيق على أحد، و اما أن نرضى بضغط الازدحام و ننفجر في قوالب نعادي بها بعضنا البعض .
- ياه ! ... (و قد أطال في نطقها كنوع من الاستهجان) أدرست الفكر و الفلسفلة و لازلت بعد لم تكتفي ؟
- بل قل أني خسرت هنا ما يكفي .
لقد أمسى واضحا الآن أن استيفان يقوده بمهاراته في الجدال السوفسطائي الى حيث يريده فانفعل عله يحفظ ماء وجهه
- تبدوا مجنونا صدقني ! ألم تسمعها من أحد آخر غيري ؟
- ليس بقدر ما سمعوها هم مني
- سأنصحك بطبيب نفسي، أنت مثقف و تدري أنه ليس عيبا .
- ان كان الجنون يعني تمرد الفرد على كل القوانين الموروثة و العادات و المجتَرَّات فَنِعْمَهُ من جنون .. و صدقني كل الأطباء النفسيين الذين حاولوا مجالستي تأكدوا أنهم محض كراكيز تكرر نفس تساؤلات "فرويد" حين بلل فراشه و هو نائم مع والديه
- سيد استيفان لم آتي سوى لألقي السلام عليك (حاول التلطف كالقط حين يطوي أذنيه رجاءا)
- السلام ؟ الحرب عليك يا هذا أي سلام و أي غلام
- فل تسامحك الآلهة و لتبارك والدتك الميمونة التي صبرت على تربيتك رجلا جبلا (مخفتا صوته في مغامرته لذكر والدة استيفان عله يوقف هذا الجدال)
نظر الثلاثة الى الشاشة القريبة و التي أشعلت من مكان لا يدرونه فيما يبدوا أنها تتحضر لنقل مباراة ما
- والدتي صبرت على تربيتي و على كونها امرأة في مجتمع رجولي، لا تملك مصيرها لأنها لا تملك أجرةً أو أرضاً أو ما يغنيها عن استعبادها باسم المَحْرَمْ و المَأتَمْ..
- لم أفهمك صدقني ، لكنك عزيزعلى قلبي استيفان (بدأ جبينه بالتعرق)
- و أنت أيضا لكن كضحية لهذه البنية الاجتماعية .
- يا ويلي ها ها .. ربما كبر سني عنك جعل جيلينا لا يتفاهمان في مثل هكذا مجلس ها ها (مصطنعا ضحكة أغمضت معظم عينيه)
- ذلك راجع الى أنه من قد نتفاهم و اياهم من جيلكم قد استشهد بمعضم الانتفاضات و لم يبقى سواكم : قصاصي البطولات، صحفيي الاشاعات، نخب السيارات و الفيلات و الاستقرار قبل الفوات
- يبدوا أنه علي الذهاب (خلا وجهه من أي تعبير)
- لا بأس سررنا بمعرفتك أنا و صديقي رامون (مشيرا الى رامون بأصابعه الخمس) و هو فلسطيني عبر الي هنا منذ صغره، كان برفقة عائلته حين اجتازوا حقل ألغام بمعبر "جنين" لكن ماتوا جميعا قبل بلوغ الباب الآخر من الحقل الملغم فرسموا لصديقي رامون دربا بجثثهم يعبر عليه باكيا سواد حظه و يصل الينا رغم ذلك هادئا غير متجهم من تجاهلك السلام أو الحرب عليه فألقي عليه التحية و انصرف و اياك أن تناديني باسمي مرة ثانية
لم يجد ما يفعل سوى أن ينسحب دون أن يولي لهم ظهره مرتبكا لم يتذكر من قصة النزوح الخاصة برامون شيءا و قد حاول في نزوله درج المقهى أن ينزل دقات قلبه للمعدل العادي عله يفهم من الموقف ولو أمرا بسيطا ..
(...)



لقد تمكن الظلام من كل الأزقة الآن و كان على استيفان و رامون التحرك قبل بداية صخب المقاهي بمبارياتها، و كان من باب الاطمئنان الاتصال بــ"جُبَــيْر" لأن لا يتأخر كعاداته من أجل حزم الأمتعة و السفر حيث تم التخطيط لشهور طوال ... كان جبير في مشوار لابد منه فرغم النسيم المثلج الذي تعود زيارة البلدة بعد الغروب الى أنه شق الطريق الى حبيبته "ثَازِيرِي" ليودعها، و قد استأذن من أبيها المتفهم فلحفت ما تمكنت منه تاركة خصلة من الشعر تتدلى على عينها اليمنى متظاهرة بقرص البرد علها تحضى بحضنه الدافئ و كلامه الآسر، و ما من شيء أكثر أسراً حين يقول لها "أنتِ و الوطن شيء" فلم تجد بدا مذ اعتمدا بحثا واحدا لنيل اجازة في مسلك التاريخ سوى أن تغرق نفسها بالكتب و أفلاك الفكر لأن لا يقال حبيبة "جبير" لا تدري الفرق بين "حدثٌ في التاريخ و حدثٌ تاريخِي" فأرادت في عشوائية لقائهما الأول المترامي في التاريخ أن يكون بداية مراكمات و صيرورات تحدث في تاريخهما ما يعيد الألق لزوجين متفاهمين جمعتهما الكتب و مشروع المجتمع البديل .
- مرحبا كيف حالك ( قالت ثازيري متظاهرة بأنها لا تبالي)
- اشتقتك ! ( ممسكا رؤوس أصابع يديها بأسلوب نبيل)
- تبدوا نحيفا مُقاتلي ، أ أنت بخير ؟
احتضنها دون أن ينتظر الفرصة المناسبة و دون التهييء للأمر كان فوضويا مستسلما لاشتياقها مسابقا عقارب الساعة لأن لا يتأخر على شلة الرفاق، و قد استدرك و شفتاه تلامسان أذنها
- نحن منسجمين متكاملين و متيمين ببعضينا و العهد بيننا أقوى من عهود الدولة نفسها لكن القوم يحتاجون ليرحمونا بكلامهم و عيونهم أن نعقد عقد اجار أو كراء أو بيع أو لا أدري من العدول، عقد قران أقصد ، أدري أني أتأخر أكثر و أكثر و أرجوا أن تتفهميني صغيرتي
- (كانت تحرك يديها جيئة و ذهابا على وسط ظهره لتعطيه الراحة في تعانقهما) لا عليك حبيبي
- ثزيري .. سأسافر الليلة و قد يطول غيابي
يدري أنه الخطأ عينه أن يخبرها بسفره هذا اذ أنها مهمة مصيرية و غاية في السرية لكن ما لا يدريه أنه سيكون الخطأ القاتل الذي سيهدد الخلية بأكملها وقد انتظر ردا من ثزيري لكن ساد صمت رهيب حتى يديها توقفتا عن تدليك أعلى ظهره.. ببطأ ماثل بطأ القمر المنسلت من على الجبل تحرر قليلا من احتضانها، كان الظلام يحول دون رؤية عينيها و لأنه يحفظ ملامح وجهها كما يحفظ راحة يده فقد أبحر في العتمة بشفتيه ليقبلها ، كان الأمر سريعا حتى لو طال لأجيال أخذ ما استطاعه من نبيذ الشفاه ذاك و ودعها باصتبار ...
التفت دون أن يعاود النظر اليها كان يدير لسانه على شفتيه ليلقف ما تبقى من سحرية الأمر و قد لقف بعض الملوحة مما بدى أنها دموعها التي استترت تحت جنح الظلام، قد لا يعود و ربما بذكائها أحست بذلك، و عليه الآن أن يرى ان كان ذكاؤها ذاك كافيا لأن لا تردد مسألة أن الرفاق سيسافرون و اليوم حتى و هي تنظر بالمرآة تناجي نفسها .















التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أنتظروا أجرأ حوار للفنانة الكبيرة ميمى جمال..أسباب ابتعادها


.. وفاة الشاعر العراقي سعدي يوسف في لندن عن عمر يناهز 87 عاما


.. موسيقى الخشبة.. تراث الموسيقى العراقية منذ الأربعينيات




.. ممثل بريطاني يطلق حملة لتحسين صورة المسلمين في الأفلام |#منص


.. كيف تؤثر مشاهدة الأطفال للتلفزيون أثناء تناول الطعام على مقد