الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التهديدات التركية بين الديماغوجية والبراغماتية

محمود جديد

2015 / 7 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


التهديدات التركية بين الديماغوجية والبراغماتية
محمود جديد
إنّ ماسمعناه من تصريحات رسمية تركية ،وشاهدناه من حشود عسكرية على الحدود السورية ،وقرأناه من تسريبات صحفية حول تحضيرات تركية، لإقامة منطقة عازلة في الأراضي السورية على امتداد 110 كم وبعمق 30 كم ، مع حظر جوي فوقها تستهدف حسب تقديرنا مايلي :
1 - احتواء وعرقلة الطموحات الكردية في إقامة حكم ذاتي مستقل يمكن أن تنتقل عدواه إلى المناطق الكردية في تركيا، وعرقلة تقدّم وحدات حماية الشعب غرباً باتجاه عفرين وخاصة بعد نجاحها مع حلفائها من السوريين والدعم الجوي الأمريكي للتصدي لداعش ودحرها من مناطق عديدة .
2 - منع وحدات حماية الشعب من احتلال المعابر التي تسيطر عليها (كوكتيل) من الفصائل المسلّحة المتطرّفة ممّا يهدّد تجارتها مع تركيا ومصادر دعمها متعدّد الأشكال ، ويهدد تواجدها في محافظة إدلب وريف حلب ..
3 - حفظ ماء وجه أوردغان تجاه بعض أطراف المعارضة السورية بعد وعده قيادة الإئتلاف أثناء لقاء مباشر معهم قبل الانتخابات البرلمانية التركية بأنّه سينفّذ هذه الخطوة بعد الانتهاء من تلك الانتخابات ..
4 - استخدام هذه الورقة كجزء من الحرب النفسية والإعلامية وتوظيفها لرفع معنويات الفصائل المسلّحة ممّا يؤجج الحرب المجنونة أكثر فأكثر داخل سورية من جهة ، ولإرباك النظام السوري ووضعه تحت الضغط المستمر من جهة ثانية ، وخاصة في هذه الأوقات التي تحتدم فيها المعارك داخل سورية ، وتنتعش فيها قليلاً أسهم بورصة الحل السياسي على الساحة الدولية ..
5 - إنعاش الأطماع التركية القديمة والجديدة باقتطاع مساحات واسعة من الأراضي السورية وخاصة حلب ، وضمّها إلى تركيا ، ودغدغة أحلام بعض الأتراك بذلك ، وتوظيفه في الانتخابات البرلمانية المقبلة لتحسين موقع حزب العدالة والتنمية في حال فشل جهود أوردغان في إقامة حكومة إئتلافية جديدة بحيث تصبح العودة إلى صناديق الانتخابات خياراً أوردغانيّاً لا مفرّ منه ...
- وعلى كلّ حال ، فإنّ احتمال تنفيذ تلك التهديدات ضعيف جداً ، وفيما يلي العوامل والأسباب التي استندت عليها :
1 - يعتمد أوردغان نهجاً سياسياً يرتكز على الديماغوجيّة والبراغماتية في وقت واحد ممّا يجعله ممثّلاً ناجحا ، والموقف من القضية الفلسطينية نموذج على ذلك ، ففي الوقت الذي يبدي فيه حماساً لها وينفعل ضدّ الممارسات الإجرامية الإسرائيلية ، يقيم مع الكيان الصهيوني علاقات عسكرية واقتصادية وسياسية متينة ، وهذا الاسلوب اتّبعه مع العراق و إيران والاتحاد الروسي ، ومع إدارة الحكم الذاتي الكردي في العراق ، ومع القضية الكردية داخل تركيا ... ولذلك لا يستطيع المتابع السياسي الموضوعي أن يصرف كلامه في بنك الحقيقة ..
2 - إنّ تركيا عضو في حلف الناتو ، وأي عمل عسكري خارج حدودها يحتاج إلى موافقة من قيادة هذا الحلف الذي تهيمن عليه أمريكا ، وإلّا سيكون هذا الحلف في حلّ من التزاماته تجاه تركيا ، أي ستكون ملزمة بنزع شوكها بيديها .. مع العلم أن قيادة الناتو لم توافق حتى الآن على إقامة منطقة آمنة وحظر جوي داخل سورية وقد عُرض هذا الموضوع على جدول أعمالها أكثر من مرّة .. كما أنّ الإدارة الأمريكية لأسباب عسكرية وسياسية رفضت أيضاً هذا الأمر في السابق لأغراض حمّالة أوجه نلمسها عند تفسير تفاصيلها ...
3 - إنّ معظم دول الجوار التركي ترفض التهديدات التركية وخاصة إيران وروسيا اللتان لن تقفا متفرّجتين على التمادي التركي في هذا المجال ، وفي الوقت نفسه توجد لهما علاقات اقتصادية متينة مع تركيّا( حجم التبادل التجاري بين تركيا وإيران بلغ 30 مليار دولار ، وحجم التبادل التجاري بين روسيا وتركيا حوالي 60 مليار ، وتطمحان لإيصاله إلى 90 مليار العام القادم) .. وهناك عروض سخيّة و مجزية منهما على أوردغان بخصوص تمرير أنابيب الغاز الروسي والإيراني ومن دول آسيا الوسطى عبر تركيا إلى أوربا .. ولذلك كلّه ، ستنتعش براغماتية الرئيس التركي عند تقييم الأضرار التي قد تلحق بتركيا نتيجة ورطة داخل سورية محفوفة بالمخاطر ، وعواقبها مفتوحة عل كلّ الاحتمالات ....
4 - إنّ تبريد الأزمة الكردية داخل تركيا وإيقاف الصراع المسلّح مع حزب العمّال الكردي يعتبرها أوردغان من منجزات حكومته ، وفي حال تعرّض الأكراد السوريين لمخاطر تركية جديدة فإنّ أكراد تركيا سيعيدون تسخين ذلك الصراع المبرّد .. وعند التدخّل التركي المباشر في سورية قد تعبّر قوى وأحزاب تركية معارضة عن رفضها بغضب لهذه المغامرة وتنزل إلى الشارع .. وهذا كلّه ، سيلحق أفدح الأضرار بالسياحة التركية بشكل خاص، وبالاقتصاد التركي بشكل عام ، وبالوضع السياسي والأمني الداخلي برمته ....
5 - إنّ جنرالات تركيّا غير متحمّسين على الأقلّ لمغامرات أوردغانية في سورية ، وقد عبّروا عن عدم ارتياحهم لها ، ونفوا وجود مبرّر أمني يستوجب مثل تلك المغامرات .. وهم يقدّرون الموقف بعقلانية بعيداً عن المكاسب السياسية الانتهازية .. وخاصة ، إنّ ما جرى في المؤسسة العسكرية من ممارسات و قرارات أوردغانية سابقة جعلت الجيش التركي محتقناً وباب الانقلابات العسكرية غير موصد أمامه بشكل جيد ...
6 - إنّ الأحزاب التركية التي وصلت إلى البرلمان التركي ترفض جميعها أي تدخّل في الشؤون الداخلية السورية ، وبما أنّ حزب العدالة والتنمية بحاجة إلى أحد هذه الأحزاب لتشكيل حكومة تركية جديدة ، فهذا يعني أنّه سيكون غير قادر على تأمين توافق حكومي على اتخاذ قرار التدخّل ..كما أنّ قادة الجيش التركي لن ينفّذوا قرار التدخل إن صدر في المرحلة الانتقالية الراهنة ، أي قبل تشكيل الحكومة الجديدة كما أفادت بعض الوسائل الإعلامية التركية ..
7 - لقد تكرّرت التهديدات التركية خلال السنوات الأربع المنصرمة ولم تصل إلى مرحلة التنفيذ ، وقرار إقامة منطقة عازلة وحظر جوي سيكون خارج إطار الشرعية الدولية ، ولذلك فالجوانب البراغماتية في شخصية أوردغان وخبرته السياسية ستملي عليه عدم الوقوع في هذا المطبّ ، وتحمّل مسؤولية تبعاته الخطيرة .. وبالتالي ستبقي هذه التهديدات في إطار التضليل والحرب النفسية وحفظ ماء الوجه أمام بعض فصائل المعارضة السورية التي تطالب بذلك ، والتي تعتبر نفسها حليفة لتركيا أو العكس ..
وأخيراً ، إذا كانت كلّ العوامل التي أشرت إليها سابقاً لا تردع أوردغان فسيكون محكوماً بغرائز الثأر والانتقام وأخطاء حساباته السياسية تجاه الساحة السورية ، وتصبح غلطة الشاطر بمليار ، وعندئذ سيحطّم كلّ الأسس المنطقية التي تُعتمد عند تقدير الموقف السياسي وإتخاذ القرار ، وما أحسبه سيصل إلى هذا المدى ، والمستقبل القريب سينبئنا الخبر اليقين ..
في 14/ 7 / 2015








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الصين تحذّر واشنطن من تزايد وتراكم العوامل السلبية في العلاق


.. شيعة البحرين.. أغلبية في العدد وأقلية في الحقوق؟




.. طلبنا الحوار فأرسلوا لنا الشرطة.. طالب جامعي داعم للقضية الف


.. غزة: تحركات الجامعات الأميركية تحدٍ انتخابي لبايدن وتذكير بح




.. مفاوضات التهدئة.. وفد مصري في تل أبيب وحديث عن مرونة إسرائيل