الحوار المتمدن - موبايل


ثورة 14 تموز دروس وعبر في الذكرى السابعة والخمسون

فارس عبد الوهاب امين

2015 / 7 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


في مثل هذه الأيام وقبل سبع وخمسون عاماً كانت التحضيرات الأخيرة من قبل الضباط الأحرار للثورة العراقية الشعبية الكبرى بقيادة الزعيم الخالد عبدالكريم قاسم تجري بتخطيط عالٍ وحسب المهام المناطة لكل عضو في التنظيم وكان جميع اعضاء التنظيم يعملون بقدر كبير من السرية والحرص لانجاح الثورة لاسيما وانها ثورة عراقية خالصة ولم يكن لاي دولة عربية او اجنبية يد بانجاحها او دعمها بل كانت كما وصفها العديد من الكتاب عاصفة الشرق الاوسط لذلك فان معظم الدول الكبرى اندهشت من سرعة الثورة وقدرتها على التحول السريع من ثورة يقوم بها بعض العسكر الى ثورة يتبناه الشعب بعد خروج العراقيين جميعاً لدعمها وتأييدها وهو ما أكسبها الشرعية لانها كانت ضرورة حتمية عبرت عن رغبة الجماهيير في التخلص من النظام الملكي الفاسد وهو ما دعى العديد من الشخصيات الدبلوماسية الى وصفها بالثورة المفاجئة، فقد وصفها آلن دالاس رئيس مصلحة الاستخبارات الأمريكية بأنها فجاءت جميع الدوائر الغربية بالتوقيت الدقيق وسرعة الإنجاز والسيطرة على الموقف، اما المساعد والمستشار العسكري للرئيس الأميركي في حينها المقدم اندريو كدوباستر فأكد ان الثورة العراقية حصلت على نجاح باهر وان الشعب العراقي كله يؤيدها ويرى استحالة حصول ردود عسكري ضدها، وجاء في حديث السكرتير السوفيتي خروتشوف للرئيس المصري بان الثورة العراقية كانت مفاجأة سعيدة للقوى التقدمية الوطنية في منطقة الشرق الاوسط .
اما رئيس الوزراء البريطاني مكملان فقد امر بأرسال قوات بريطانية خاصة الى عمان لضرب الثورة وقد حصل على موافقة إسرائيل لاستخدام اجوائها لنقل القوات لمهاجمة العراق وإفشال الثورة ولكن عنصر المباغتة وخروج الثورة من نمطها العسكري الى نمط مدني جماهيري افشل هذه المحاولات العسكرية البريطانية.
وهو ما يدلل على نقاوة ووطنية هذه الثورة فنجاحها بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم لم يأتي من فراغ انما نتيجة مخاض عسير قام به الضباط الاحرار الذين قاموا بعدة محاولات سابقة لكن لم يحالفهم الحظ فيها بسبب وجود بعض اصحاب النفوس الضعيفة الذين اندسوا على الضباط الاحرار بتحريض مباشر من قبل الاجهزة الامنية والاستخبارية للنظام الملكي، وعلى سبيل المثال حادثة وشاية الكاظمية في عام 1956 التي قام بها احد الضباط الوشاة مما ادى الى تجميد العمل لفترة معينة، وقد قامت السلطات الملكية بمكافئة هؤلاء المندسين الخونة بمنحهم مناصب عسكرية مرموقة خارج العراق (تفاصيل الوشاية مع الادلة القاطعة ستطرح قريباً لكن خارج نطاق هذا المقال).
الا ان هذه الحاثة لم تثني الضباط الاحرار الوطنيين من اعادة تنظيم انفسهم من جديد ليشكلوا تنظيم الضباط الاحرار عام 1956 الذي تكون من اربعة عشر ضابطاً برئاسة الزعيم عبد الكريم قاسم والذي كان يمتلك من الحنكه والبراعة والحكمة ما يمكنه من اعادت بلورة مشروع التخلص من النظام الملكي الفاسد عبر هذا التنظيم الذي استبعد الضباط المندسين ليعمل وفق سري عالية حتى تحققت الثورة بنجاح باهر في يوم الرابع عشر من تموز.
لقد قدمت الثورة دروساً وعبر لا يمكن اخفائها في زوايا الزمن بل انها ومنذ قيامها كانت مرتكزاً مهما في الدروس الوطنية والعسكرية، فالدرس الاول الذي قدمته الثورة هو الكشف عن شخصية بعض ضباط الجيش ممن كان لديهم رغبة دموية جامحة والتي للاسف انعكست بشكل سلبي على الثورة بصورة عامة بالرغم من ان جميع الضباط الاحرار باستثناء العقيد عبد السلام عارف كانوا ضد هذه الرغبة الوحشية، وقد تجلى هذا الامر في مجزرة الرحاب التي قام بها عبد السلام عارف في يوم الثورة، فواحدة من ادبيات ثورة 14 تموز وكما اتفق عليه جميع الضباط الاحرار ان يتم التعامل مع النظام الملكي وفق القانون وان يتم تقديمهم للمحاكمة لينالوا جزائهم بالشكل العادل غير ان الطبيعة الانتقامية لعبد السلام عارف تفوقت على كل الادبيات وتخطت حدود الاتفاقيات، فالرجل معروف بنزعته العرقية والمذهبية والقبلية والتي كشفتها سياسته السوداء بعد انقلاب 8 شباط.
فبعد نجاح الثورة وبعد سيطرت عبد السلام على كافة مفاصل الدولة تناسى كافة الاتفاقات والتعليمات التي صدرت من اللجنة العليا للضباط الأحرار والتي تتعلق بتقديم كافة رجالات العهد الملكي للمحاكمة العلنية القانونية الدستورية بعد اصدر الأوامر للضباط وضابط الصف في السرية المكلفة باحتلال قصر الرحاب باغتيال كافة افراد العائلة الملكية والتي ستبقى وصمه عار في جبينه طول الزمن مثلما ستبقى جريمته الكبرى التي ارتكبها بحق الزعيم عبد الكريم قاسم وعدد من الضباط وصمت عار ايضاً بعد ان قام باعدامهم في مقر الاذاعة والتلفزيون من خلال محاكمة صورية لم تستغرق عشرون دقيقة وبتحريض مباشر من اجهزة المخابرات الاجنبي والعربية في التاسع من شباط عام 1963.
غير ان الثورة سرعان ما تجاوزت هذا الدرس القاسي بعد ان قام الزعيم باستبعاد عبد السلام عارف وبدأت مرحلة جديدة من الدروس الوطنية التي مازالت تتحاكى فيها الاجيال لان الثورة في جوهرها ومضمونها جاءت كمحصلة حتمية لارادة الشعب بالتخلص من الظلم والاضطهاد والاستغلال والتسلط الذي كان تمارسه الفئة الفاسدة الحاكمة ضد الطبقات والقوميات المتعدده في العراق.
فالدرس الاول الذي قدمته الثورة بعد خروجها من صدمة مجزرة الرحاب هو درس النهوض بواقع الفلاح العراقي والذي كان يمثل انموذجاً لاكبر شريحه في المجتمع تجرعت الظلم والاستبداد على يد رجال النظام الملكي من الاقطاعيين الذين سلبوا الفلاح كافه حقوقه المدنية والاقتصادية والاجتماعية وحتى وصلت الى درجة انتهاك الأعراض مما ادى الى الهجرة الجماعية من الريف الى المدينة من اجل حفظ الكرامة ولقمة العيش، فقامت الثورة بأصدار قانون الاصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 والذي يعد من افضل القوانين والذي اعاد صيرورة الريف الى وضعها الطبيعي وحافظ على تماكس المجتمع الريفي بعد ازالة قيود الاقطاع ومنح الفلاحيين الاراضي ورفع الظلم عنهم.
اما الدرس الثاني فكان العامل العراقي الذي كان مستغل بشكل كبير من قبل النظام الملكي الذي حرمه من ابسط حقوقه وحتى عند مطالبته بحقوقه المشروعة فان النظام كان يمارس ابشع الاساليب القمعية للرد على تلك المطالب ومازالت ذاكرة الزمن تحتفظ بمجزرة كاور باغي التي استخدم بها النظام الدبابات ضد عمال النفط في كركوك فقد ساهمت القوانين التي اصدرتها الثورة بشأن تنظيم العمل والمشاركة في عقد الاتفاقيات الدولية للعمل في منح العامل العراقي حقوقه الاجتماعية والمادية.
الدرس الثالث الذي قدمته ثورة 14 تموز يتعلق بتعاملها الايجابي مع الحركات التحررية الكردية والمسيحية التي عانت كثيراً من ممارسات النظام الملكي فقد تعرض الاكراد الى القصف لاكثر من مرة من قبل الجيش وبأوامر مباشرة من رئيس الوزراء نوري سعيد والوصي عبد الاله وقد تم مطاردة الزعيم الكردي ملا مصطفى البرزاني الذي اضطر الى مغادرة العراق منذ عام 1945 بسبب وحشية النظام لكن الزعيم عبد الكريم قاسم وبعد الثورة اعاد البرزاني الى العراق بطائرة خاصة وعاد بعدها كافة القيادات الكردية واخذت الثورة تتعامل بشكلٍ ايجابي مع مطالب الاكراد.
اما المسيحيين الاثوريين فان مجرد مطالبتهم لبعض حقوقهم الدينيه والحضارية تم ابادتهم بأوامر من الملك غازي مما ادى الى مقتل الالف من هؤلاء السكان الاصليين للعراق وبلاد الرافدين وايضاً هروب الكثير منهم الى خارج البلاد، الان ان ثورة تموز تعاملت مع المسيحيين على انهم ابناء العراق الاصليين وحصلوا على جميع حقوقهم الدينية والحضارية كجزء لا يتجزء من نسيج المجتمع العراقي.
اما الدرس الرابع وهو اهم الدروس فيتعلق بمحاربة الفساد الاداري والمالي الذي كان متفشي في كافة مفاصل الدولة وعلى مختلف الاصعدة والذي كان ابطاله رجال البلاط الملكي ووزراء الحكومات التي كان يشكلها البرلمان الصوري التابع الى الارادة الملكية والذي انعكس بشكل سلبي على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمواطن وضياع حقوقه، فقد قامت الثورة باصدار القوانين الفاعلة لاستأصال آفة الفساد وقلعها من جذورها واصبح عهد ثورة تموز الذي استمر خمس سنوات افضل عهد في تاريخ العراق الحديث من حيث النزاهة ومحاربة الفساد والمحسوبية.
الدرس الخامس يتعلق باعادة النظر بالانتاج القومي فكما هو معروف فان العراق كان يعتمد على تصدير النفط في تحقيق الموارد المالية وقد وضع النظام الملكي الثروة النفطية تحت سيطرة الشركات الاحتكارية التي كانت تسرق الجزء الاكبر من مبيعات النفط واعطاء العراق الجزء الصغير والذي كان يذهب لحساب العائلة الملكية دون ان يستفاد الشعب من تلك الموارد وعند قيام الثورة قام الزعيم ومن اجل رفع الدخل القومي للعراق ومن ثم الفرد العراقي بأصدار قانون رقم (80) لتحديد اراضي الانتاج النفط من الشركات الكبرى وانشاء منظمه اوبك لتوحيد السياسات السعرية والانتاجية للدول المنتجة للنفط والذي انعكس بشكل كبير على قطاع الزراعة والصناعة والموارد البشرية من خلال ارسال الاف البعثات الدراسية وبكافة الاختصاصات وكذلك انعكس بشكل ايجابي على حركة البناء والاعمار من خلال تبنى خطط خمسية لبناء المناطق السكنية والانجاز الفعلي لمشاريع البنى التحتية من محطات الماء الصافي والمجاري وشبكاتها وايصال الطاقة الكهربائية الى القرى والارياف لعموم مناطق البلاد وكذلك النهوض بمشاريع الخدمات الاقتصادية العامة مثل المطارات والمواني والجسور والسكك والطرق العامة، وتوزيع الاراضي والمساكن والمساعدات المالية لذوي الدخل المحدود مثل مدينة الثورة والشعلة والحرية وكذلك لذوي الاختصاص مثل دور الضباط والاطباء والصيادلة والمعلمين وبناء دور العجزه والايتام والخدمات الاجتماعية للمحتاجين.
هذه الانجازات الجباره التي قامت بها ثورة 14 تموز والتي قال عنها الكاتب حسن العلوي "ان الزعيم قام بأنجاز خمسه وثمانون بالمائه من وعوده للمواطن العراقي" تمثل دروساً تاريخية وعبر واقعية تعكس بالدليل القاطع مدة شعبية وعفوية الثورة وهو ما دفع كافة القوى العدوانية من حزب البعث المقبور والفاشية الاقليمية المتمثلة بالقياده المصرية انذاك والطائفي عبدالسلام عارف وزمرته من الطائفيين وفضلات الاقطاع والعهد الملكي وباشراف مباشر من اجهزة المخابرات الاجنبية للقيام بعدة محاولات لعرقلة عمل الثورة وتشويه سمعت انجازاتها وقاموا من خلال محاولات انقلابية فاشلة وصلت الى محاولة اغتيال الزعيم نفسه عام 1959، غير ان الصفة الانسانية التي اتسم بها الزعيم وحرصه على تكريس مبدأ التسامح بين ابناء الشعب العراقي واطلاق سراح معظم المتورطين في محاولات اغتياله كبعد السلام عارف وحزب البعث تحت شعار(عفا الله عما سلف) فسحت المجال امام هؤلاء القتلة لاعادة تنظيم خططهم الانقلابية وبدعم مباشر من الطيران الاجنبي فقاموا بقصف وزارة الدفاع يوم الثامن من شباط عام 1963 والذي ادى الى سفك الدماء البريئه لخيرة الضباط وعلى رأسهم الزعيم عبد الكريم قاسم لتبدأ مرحلة جديدة تزداد بوحشيتها وقساوتها عن النظام الملكي بعد ان اصبح الحكم بيد عبد السلام عارف وحزب البعث.
لقد قدمت ثورة تموز العديد من الدروس والعبر لكن يبقى الدرس الكبير الذي قدمته هو عدم اعطاء الامان للبعثية والقتلة مرة اخرى وان لا تكرر اي حكومة الخطأ ذاته، واذا كان الزعيم يؤمن بمبدأ (عفا الله عما سلف) والذي كلفه حياته وحياه ملايين من الشعب العراقي الذين نالتهم الايادي السوداء البعثية الغادرة فيجب ان لا تؤمن اي حكومة عراقية بهذا المبدأ مع البعثيين والقتلة حتى لا يتكرر سيناريو الدم.

مراجع المقال
1. العراق حنا بطاحو ترجمة عفيف الرزاز . مؤسسه الابحاث العربية , بيرون 1992 .
2. عبدالكريم قاسم قراءه اولية . د عقيل الناصري , دار الحصاد , السوريا 2003 .
3. استعاده الزعيم , حوارات مع الباحث عقيل الناصري , اعداد نوري صبيح , دار البصائر , لبنان 2013 ,ط2 .
4. الحياة النيابية في العراق , حسين جميل , مكتبه المثنى , بغداد 1983 .
5. مذكراتي احمد حديد , دار الساقي , لبنان 2006 .
6. عبدالكريم قاسم , رؤيا بعد العشرين , حسن العلوي , دار الزوراء , لندن 1983 .
7. جريدة الوفاق , فارس امين (النفط واسرائيل وسايكس بيكو القرن الواحد والعشرين) عدد 398م الخميس 3 مايس 2001 لندن .
8. اغتيال الحقيقه , طالب الحسن , مكتبه اليقظة العربيه , بغداد , 2004 .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أنالينا بيربوك تطمح في دخول التاريخ كأول مستشارة ألمانية من


.. فرنسا تعلن تنظيم مؤتمر دولي حول ليبيا في باريس في 12 تشرين ا


.. في خطابه أمام الجمعية العامة بايدن يقول إن -الولايات المتحدة




.. السودان: بعد فشل الانقلاب ماذا على الأبواب؟ • فرانس 24


.. طالبان تعلن تعيينات وزارية جديدة وسط غياب لأسماء نسائية | #ر