الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


على هامش جائزة نوبل للاقتصاد 2014 : قوة الأسواق في ضبط الاقتصاد أو عند ما تحجب لغة الرياضيات عشوائية الأسواق !

أحمد زوبدي

2015 / 7 / 23
العولمة وتطورات العالم المعاصر


على هامش جائزة نوبل للاقتصاد 2014

قوة الأسواق في ضبط الاقتصاد
أو عند ما تحجب لغة الرياضيات عشوائية الأسواق !

بقلم: د. أحمد زوبدي
باحث في الاقتصاد السياسي من المغرب

حاز الاقتصادي الفرنسي جان تيرول Jean Tirole (61 سنة) على جائزة نوبل للاقتصاد لهذه السنة(2014) عن أعماله حول " قوة الأسواق في ضبط الاقتصاد"، كما جاء على لسان لجنة جائزة نوبل. جان تيرول ،خريج البوليتكنيك (باريس) وحاصل على الدكتوراه في الرياضيات من جامعة باريس- دوفين ، قام بتوظيف الرياضيات في المجال الاقتصادي توجه بحصوله على الدكتوراه في علم الاقتصاد بمعهد الماسشوسيت للتكنولوجيا بالولايات المتحدة الأمريكية على يد إيريك ماسكين Eric Maskin ،الحائز بدوره على جائزة نوبل للاقتصاد سنة 2007. ويكون بذلك هذا الاقتصادي المهندس على أنه منتوج خالص للجامعة الأمريكية التي تسعى لاستقطاب التخصصات العلمية الصرفة كما حصل مؤخرا مع الاقتصادي(الفرنسي) توماس بيكوتي Thomas Piketty الذي خلق مؤخرا مؤلفه "رأس المال في القرن 21" ضجة إعلامية تنوه بأعماله. توماس بيكوتي، هذا السوسيال ديمقراطي القريب من الحزب الاشتراكي، يتبنى بامتياز المنهج النيوليبرالي، فهو إن كان ينتقض الرأسمالية على أنها أدت إلى تفاقم اللامساواة بين المداخيل، فإنه لا يرى في أن رأس المال هو المسؤول المباشر عن هذا الوضع، فعكس ذلك يرى بيكوتي أن شروط انتعاش رأس المال غير متوفرة بما يكفي إن لم تكن غائبة. أكثر من ذلك، فبيكوتي يخلط بين رأس المال والثروة داعيا إلى فرض الضرائب على ملاك الثروات وليس على أصحاب رؤوس الأموال.
يسيطر إذن في هذا الميدان، فيما يتعلق بهذه المكافأة، الاقتصاديون ذوو التوجه النيوليبرالي الذين يقفون وراء السياسات النيوليبرالية التي تنهجها الدول الامبريالية بمعية أكبر المؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ...
كل سنة يحصد هذه الجائزة اقتصادي رياضي ينتمي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى التيار المهيمن أي التيار النيوليبرالي. جان تيرول يدير مدرسة تولوز للاقتصاد، التي تمولها أكبر المؤسسات المصرفية الفرنسية كأكسا وبي إن بي باري- با بحصة تصل سنويا إلى 33 مليون أورو وتنزل بثقلها على المجلس الإداري لهذه المدرسة. إذا كان جان تيرول لا ينفي حضور الدولة في ضبط الاقتصاد إلا أن هذا الحضور يبقى ملتبس لأنه يوكل الحضور إياه إلى وكالات، صحيح عمومية، لكن تستمد قوتها من منظومة السوق، وهو ما يدفعه للقول بأن للسوق القوة (الخارقة) في ضبط الاقتصاد. وهنا يخلط الفائز بجائزة نوبل للاقتصاد بين التنظيم والضبط (réglementation et régulation) حيث يوظف الأول ليس للمراقبة وضبط السوق لكن ليخدم القطاع الخاص بمعني تعبئة الدولة لصالح هذا القطاع وليس لأجل ضبط القطاع العام وتنظيمه ومراقبته . فمفهوم الحكامة الذي يروج له إيديولوجيو النظام المسيطر يعني (مرة أخرى) توظيف جهاز الدولة لمصلحة القطاع الخاص وليس لأجل إصلاح المرافق العمومية لتكون أكثر استجابة على المستوى الاجتماعي .مثلا فيما يخص سوق العمل يعتبر صاحب جائزة نوبل للاقتصاد لهذه السنة من المدافعين عن عقدة العمل المحدودة الأجل مبررا ذلك بنماذج رياضية وفرضيات تفند الخطاب النيوليبرالي. بل أكثر من ذلك فقد قام جان تيرول بتوظيف علم النفس (الاقتصادي) السلوكي لإضفاء الشرعية على أطروحة الإنسان الاقتصادي العقلاني الذي يستمد قوته من روبنسون كروزو كما سنرى لاحقا.
إذن ليس هناك فرق بين هذا الاقتصادي والاقتصاديين المتشددين أمثال فون هايك Von Hayek وميلتون فريدمان Milton Friedmanالذين يرون في تدخل الدولة إساءة للسير العادي لميكانيزمات السوق. فجان تيرول ينتمي لنفس الطينة لهؤلاء و تؤطره نفس الإيديولوجية . فهذا الاقتصادي الفرنسي هو نسخة مطابقة لاقتصاديي هارفار و الماشاسوسيت ...
من ناحية أخرى، ما يعاب، وكما سبقت الإشارة لذلك، على جان تيرول وباقي الاقتصاديين الذين ينتمون إلى التيار المهيمن هو الاستعمال المفرط للنماذج الرياضية التي تتأسس على فرضيات من قبيل أن السوق تسود فيه المنافسة ، وهو ما يتنافى جملة وتفصيلا مع الواقع إذ أن السوق تهيمن عليه الاحتكارات أو قل احتكارات القلة المعولمة. وللدقة هناك من يعتقد أن جان تيرول ركز على دراسة ضبط الأسواق في مناخ اقتصادي تسود فيه احتكارات القلة هذه من خلال إبرام العقود سواء تعلق الأمر بين المستهلك أو الممون أو المستخدم . الفضل يعود علميا في نظر هؤلاء إلى توظيف نظرية الألعاب(Théorie des jeux) التي تسمح لاحتكارات القلة بالحصول على استراتيجيات؛ وهو ما يؤدي حسب هؤلاء إلى توفير شروط فضاء اقتصادي تسود فيه المنافسة الشريفة ! المشكل الكبير كما يبين بعض المحللين المتنورين والنقاد الكبار يكمن في صعوبة الحصول على المعلومة حتى يتسنى لكل طرف إبرام العقدة بشكل يرضي الجميع. فضلا عن ذلك، فالنماذج الرياضية المشحونة بالمعادلات، صحيح أنها تمكن صاحبها من الوصول إلى النتائج المتوخاة من خلال الفرضيات أي إثبات أن السوق يؤدي حتما إلى التوازن أي يقوم بضبط الحياة الاقتصادية ،لكن على أرض الواقع فقوة السوق إياه تؤدي عكس ذلك إلى العشوائية واحتكار القلة وإلى هيمنة نظام اجتماعي سلعي .
فرضيات المناهج الرياضية في هذا المجال تستمد روحها من سلوك روبنسون كروزو- الاقتصادي العقلاني/ الفرداني- إذ يتم اختزال الملايير من البشر في شخص هذا الأخير وتصبح إذن المعادلات قابلة للحل دون عناء . وإذا استعصي الحل تتم إضافة فرضيات أخرى وهكذا دواليك . المهم هو الحصول على توازن الأسواق من خلال توازن العرض والطلب. وهو ما يعني أن الرأسمالية على أحسن ما يرام وبالتالي فالمشكل لا يكمن في هذا النظام بل في توفير الشروط لكي تقوم السوق بضبط الاقتصاد في مناخ تسود فيه المنافسة . نحن إذن أمام منظومة تؤسس أفكارها على الاقتصاد الخالص أو الصرف الذي يفسر الحقل الاقتصادي انطلاقا من قوانين الفيزياء والطبيعة . فيقوم بذلك منظرو اقتصاد السوق بنفي العوامل الاجتماعية في الحركية الاقتصادية على اعتبار أن المنافسة تؤذي بالسوق كقانون طبيعي لتحقيق التوازن العام وبالتالي إلى تحقيق الصيغة الأمثل اجتماعيا بفضل اليد الخفية .
وللتذكير فلقد سبق أن قامت مجموعة من الاقتصاديين بفرنسا بإحداث حركة تناهض الاستعمال المفرط للرياضيات في الحقل الاقتصادي .
هذه هي الأطروحات والوصفات التي يقدمها دركيو النظام الرأسمالي أمثال جان تيرول للدفاع عن تأبيد هذا النظام. فإن كان هؤلاء يعترفون بأن النظام إياه يعرف الأزمات الظرفية، فإنهم ينفون بأنه لا يمكن فهم الاقتصاد خارج الاختيارات السياسية والصراعات حول المصالح وأن هذه الصراعات هي التي تؤدي بالرأسمالية إلى الأزمات. أكثر من ذلك فالرأسمالية القائمة بالفعل قد أدت وظيفتها التاريخية وأصبحت متجاوزة بحكم هيمنة احتكارات القلة الامبريالية التي لا تنتج إلا الإقصاء والتهميش ،الأمر الذي يفرض بدائل وإجابات صحيحة تستجيب للأسئلة الكبرى التي يطرحها روح العصر. وهذا الذي لم يستوعبه جان تيرول واقتصاديو التيارالمهيمن. ليس هناك من صيغة لمواجهة هذه الإيديولوجية الفتاكة – كما نرى من خلال عسكرة الاقتصاد وتبريرها - سوى الصراع الفكري والإيديولوجي الذي يوظفونه على المستوى العملي أي في السياسات النيوليبرالية لدى الحكومات والأبناك المركزية للدول الإمبريالية والمؤسسات المالية والمصرفية والتجارية التي تمول الجامعات والمؤسسات التي يعمل بها هؤلاء الاقتصاديون . فانتقادهم الصريح وبشدة وتقديم الحجة والبرهان على أن الأفكار التي يروجون لها لا تخدم إلا رأس المال والطبقات والدول المهيمنة هو السبيل لأجل الدفع بالفكر النقدي إلى الأمام. إن التحرر من هذه الإيديولوجية التي لا تخدم إلا الطبقات المهيمنة بما فيها معظم النخب الثقافية و السياسية - بيمينها و يسارها - التي لا تدافع إلا عن مصالحها هو الصيغة المثلى للتحرر من الأنظمة القهرية ....
للتذكير لقد سبق لكارل ماركس أن عالج بشكل علمي أن البشرية ستنتج العلم والمعرفة بشكل يؤدي إلى تحرير الإنسان من الاستغلال و الظلم . وبالفعل نحن اليوم في وضع يسمح بتوظيف هذا الانجاز العظيم أي اقتصاد المعرفة والانتقال من تسليع العالم وإخضاع البشر إلى قانون القيمة المعولم إلى تحرير الإنسان من القيود التي تفرضها الدول المسيطرة والاستبدادية ووكلائها .
في النهاية، أختم هذه الورقة بموقف الاقتصاديين المغاربة من هذه الجائزة لأقول بعجالة أن جلهم معجبون بالحائزين على هذه المكافأة بل إنهم يشيدون بمن فاز بها لأن أفقهم محدود لأنهم يهرولون وراء كسب الأموال ولأن مصالحهم مرتبطة بالوضع القائم . ولا يوجد هناك اقتصادي مغربي واحد انتقد كتابة هذا التتويج الفلكلوري كما عبر عنه أحد الاقتصاديين الفرنسيين المرموقين أو كما صنفه اقتصادي عربي بارز، بحكم الإفراط في استعمال الرياضيات، على أن التتويج إياه يترجم شكلا من أشكال الانحراف والبلاهة الفكريين والشعوذة في العالم المعاصر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سوريا.. مروحيات عسكرية أميركية نفذت عملية إنزال جوي في القام


.. تعاون فضائي أميركي روسي رغم الخلافات على الأرض | #رادار


.. ضبط شحنة من مخدر فنتانيل مخبأة في صندوق ألعاب -ليغو- في نيوي




.. وزير الدفاع الإسرائيلي يصدر تعليمات للجيش بالاستعداد لتصعيد


.. العراق.. التيار الصدري يلوح باتخاذ إجراءات أخرى إذا لم يتم ك