الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بؤس الاقتصاد المغربي وبؤس الاقتصاديين المغاربة

أحمد زوبدي

2015 / 7 / 23
العولمة وتطورات العالم المعاصر




ترمي هذه الورقة إلى نقد الخطاب الاقتصادي السائد في المغرب . سنركز هنا على الأزمة المالية بالخصوص وأزمة الاقتصاد المغربي على العموم.
في البداية لا بد من الإشارة إلى أن جل الكتابات عن الأزمة المالية في المغرب لا تروم الصواب ، أو قل بعبارة أخرى أن الخطاب المهيمن حول الأزمة ( المالية ) في المغرب ، بما في ذلك خطاب اليسار ، يبقى خطابا يكتنفه كثيرا من الغموض لأنه لا يفصح عن الحقيقة أو يفصح عنها بطريقة جد محتشمة ، لأن مصالح أصحاب هذا الخطاب مرتبطة بوضع الاقتصاد المغربي . فالخطاب إياه لا يتجاوز الخطابات الاستهلاكية ، مما يجعله خطابا مرتبكا ومتذبذبا ، لأن الانتقاد الجدري والصريح سيدفع بصاحبه لأن يفقد مصالحه وبالتالي وضعه الاجتماعي ، وهذا ما يمارسه جل الاقتصاديين اليوم الذين تحولوا مع الأسف إلى " خبراء " يقدمون الخبرة والاستشارة محل النقد وإنتاج المعرفة والإبداع ، وهذا شيء يؤسف له . نفس الملاحظة تنطبق على الجامعة التي أصبحت تنتج اقتصاديين مختصين في السبير ماركيت والماكدونالدز . من ناحية أخرى ، يفتقد الخطاب المهيمن حول الأزمة في المغرب والاقتصاد المغربي إلى الجهد النظري والفكري والتحليل الميكانيزماتي العميق والدقيق . فهو خطاب عديم الجدوى ولا يفتح الشهية للنقاش لأنه بصراحة خطاب يختار الأفكار السهلة ولا يتجاوز البديهيات ، ناهيك أن كثيرا من كتابات هذا الخطاب هي كتابات مستنسخة بما فيها بحوث الدكتوراه بتواطؤ الأساتذة الذين هم أنفسهم يقومون بالسرقة الفكرية ، وهو ما أدى إلى إفلاس البحث الجامعي والجامعة برمتها . وسنعمل على فضح هذه الخبايا مع الإشارة إلى اللجن المشرفة على الأبحاث وأسماء المتدكترين ...
على مستوى المرجعية لا تتجاوز هذه الكتابات التحليل الكينزي ـ الليبرالي أو خطاب البنك الدولي كما هو الحال بالنسبة لمنشورات المركز المغربي للظرفية ، الذي يعتبر في اعتقادي دكانا للتجارة والسمسرة وليس مركزا لإنتاج الأفكار وتقديم الاقتراحات والبرامج والبدائل ، والأمر كذلك ينطبق على منشورات مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد التي لا تتجاوز استنساخ خطاب البنك الدولي ومنظريه ؛ معنى ذلك أن هذه المنشورات وغيرها لا تتجاوز الأفكار التي يسوقها منظرو اقتصاد السوق بالمعنى الضيق للعبارة ، لأن منظري اقتصاد السوق الحقيقيين ينتقدون هذه المؤسسة وهذا النظام الاجتماعي ، سواء لتغيير مجراه ليخدم الإنسان أو يطرحون أفكارا أو مشاريع لتجاوزه ، أي لتجاوز ثقافة السوق .
ولذلك فواقع من هذا القبيل يكرس لا شك لمشهد ثقافي بئيس بكل المقاييس ، إلى حد أن هذا الحقل المعرفي المتميز ، أي الاقتصاد أصبح ضحية غير المختصين وبالتالي أصبح من دب وهب ، يكتب في هذا المجال ويتناول مواضيع تستعصي حتى على الخبراء الكبار وعلماء الاقتصاد . فما معنى أن نقرأ كتابات في التوازنات الاقتصادية الكبرى أو متعلقة بالنمو والائتمان والقروض والسيولة تنشر بقلم كاتب لا يعرف معنى التوازنات الماكرو اقتصادية أو الائتمان أو غيرها إلا ما سمع على لسان وزير الاقتصاد والمالية الذي هو بدوره يتلاعب بمفاهيم لا يتقنها ولا يعرف مغزاها ويوظف أفكارا لا تخدم إلا الطبقة التي ينتمي إليها . نحن إذن مدعوون لأن نتجاوز المجاملة وأن نؤسس لثقافة الصراحة إن نحن نريد بناء مغرب الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان ، وإلا فثقافة الكذب والنفاق والمصالح ، ستؤدي لا محالة إلى ما لا تحمد عقباه .
1 ـ في جذور الأزمة المالية : مصالح الأوليغارشيات ومعضلة التبعية
إن الأزمة الاقتصادية ( ومنها المالية على حد سواء ) في المغرب لا يمكن أن تكون نفس الأزمة بالدول الصناعية ، وإن كانت هذه الأخيرة تصدر مشاكلها إلى الدول المتخلفة التي تدور في فلكها ، بحكم عاملي التبعية والاستقطاب . معنى ذلك أن الأزمة في الغرب ناتجة عن مشاكل مرتبطة بآليات ضبط النظام الرأسمالي ، أو قل ناتجة عن تراجع في مستوى التراكم المرتبط بدوره بأشكال السياسة الاقتصادية المتداولة وبالصراعات السياسية التي دشنت الديمقراطية والحداثة ولو في زيهما الليبرالي . أما الأزمة في الدول المتخلفة فلها طعم آخر ووضع خاص كما سنرى في حالة المغرب التي سنركز فيها على الأفكار النابعة من جدلية الواقع ، لأن في اعتقادنا إن كانت لغة الأرقام تعطي نظرة عن واقع الحال ، فإنها لا توفر أداة التحليل لمعرفة ترابط هذا الشكل من الآليات بالشكل الآخر . وحده البحث النظري والمعرفي هو الذي يمكن من الكشف عن هذه الأدوات وما تخفيه الصراعات الاجتماعية.
لقد سبق أن كتبت في موضوع الأزمة المالية والاقتصادية من خلال قراءة نقدية لكتاب فتح الله ولعلو ( نحن والأزمة الاقتصادية العالمية - 2010) . في هذه الورقة سنعمل على مراجعة هذا الموضوع بحكم راهنيته وبحكم أن الأزمة المالية التي اندلعت في الغرب لا زالت سارية . وهذا ما أكدنا عليه لصاحب الكتاب المشار إليه أعلاه ، الذي نفى أن يكون المغرب قد عرف الأزمة ، وصرح أن الأزمة في الدول المصنعة ستنطفأ ، وهذا ما يكذب أقوال السيد فتح الله والعلو ، لأن الأزمة مازالت قائمة وتضرب في العمق الاقتصاد العالمي ، لأنها تحولت إلى الاقتصاد الحقيقي عندما أتت على اليابس والأخضر فيما يتعلق بالاقتصاد المالي . ومما يؤكد طرحنا كذلك اعتراف المسؤولين اليوم بوجود الأزمة ولو أن هذا الاعتراف لا يتأسس على أفكار جدية لأنها تعزيها لأسباب واهية . يزعم المسؤولون في المغرب أن الأزمة ناتجة عن ارتفاع في كتلة الأجور أو قل ارتفاع معدل كتلة الأجور / الناتج الإجمالي الخام الذي يتجاوز النسبة المسموح بها عالميا . والغريب أن أصحاب الحال لا يتحدثون عن أجورهم الرسمية وغير الرسمية ( أو كما يقال باللغة العالمة الأجور المرئية وغير المرئية ) لكن ينتقدون ارتفاع أجور الموظفين الذين يفوق عدد فقرائهم النصف ( باعتراف هؤلاء المسؤولين أنفسهم : أنظر منشورات المندوبية السامية للتخطيط ) أي الموظفون الذين يقل أجرهم عن 3000.00 درهم ، والمصنفون خطأ ضمن الطبقة الوسطى ( الوهم ) . أما الأجور السمينة ، بما فيها أجور المسؤولين التي تملأ أرصدتهم البنكية ، فهي معفاة من أن تكون سبب الأزمة المالية في المغرب ، بحكم أن فئة الموظفين " المحظوظين " تبقى ضئيلة مقارنة مع فئة الموظفين " غير المحظوظين " . معنى ذلك أن السياسة الموازناتية التي تعتبر السياسة الأجرية جزءا منها لا تتوفر على المناخ السليم لسن برنامج موازناتي يؤشر على مكامن الضعف ( والقوة ) للاقتصاد المغربي . فمثلا إذا كان صحيحا أن إيرادات الميزانية هي مجموع الضرائب التي تحصل عليها الدولة لتمويل النفقات بالإضافة إلى القروض ، فهذه القاعدة يتعذر تطبيقها في المغرب بشكل يؤدي إلى وضع صحي لأن السياسة الجبائية ( أو الضريبة ، وهي جزء آخر من السياسة الموازناتية ) لا توفر الشروط لتحصيل الإيرادات بشكل يجعل الميزانية ، تعرف نوعا من اليسر المالي . فالسياسة الجبائية في المغرب تعاني من مشاكل عديدة ، كغياب العدالة الضريبية والتهرب الضريبي . فالأجور التي اتهمتها الحكومة على أنها سبب الأزمة المالية ، فإن أصحابها يؤدون القسط الوافر من الضريبة على الدخل في حين أن الشركات تحت ضغط الباطرونا تكون المستفيد الأكبر عن طريق الإعفاءات المتعددة دون الحديث عن التملص الضريبي ، من خلال النفخ في النفقات ، كما يمكن قراءة ذلك في الجداول المحاسباتية التي تطلعنا عن وجود نفقات وهمية ، كالفواتير وأجور المستخدمين والاهتلاك . نفس المشكل بالنسبة للنفقات كغياب المراقبة ووجود ثغرات كبيرة في القانون التنظيمي للمالية ، الذي لا يدقق بشكل واضح مضمون ومحتوى النفقات الجارية ونفقات الاستثمار ، وهو ما يجعل بعض النفقات لا تخضع للمراقبة الشفافة ( أنظر هنا دراسة ع. القادر برادة حول القانون التنظيمي للمالية ، الصادرة بالمجلة المغربية للتدقيق والتنمية ، عدد 28 - 2009) .
فيما يتعلق بالسياسة النقدية نشير بداية إلى أن الاقتصاديين المغاربة يتحاشون هذا الفرع من الاقتصاد السياسي لأنه موضوع شائك وصعب ، ويتطلب جهدا مضنيا على مستوى البحث والتحليل والإنتاج المعرفي . وإن كان البعض يتناوله كما هو الحال بالنسبة لفريق البحث في النقود والمال والأبناك التابع لكلية الحقوق للرباط / أكدال ، فإن أصحاب هذه الأبحاث يكتفون بالجانب التقني للسياسة النقدية والمالية والبنكية كالحديث عن بنية النقود وتداولها ، أو عن بنية الكتلة النقدية لدى الأبناك التجارية أو عن انفتاح أو تقلص السيولة لدى هذه المؤسسات ، حيث تطغى على هذه الدراسات الجداول والنماذج الرياضية . فما معنى أن يشحن نموذجا رياضيا، مثقلا بالمعادلات والمتغيرات ، بالمعطيات لتنجز عمليات جبرية للحصول في الأخير على معطيات أو نتائج مجردة وغريبة عن الواقع . فما معنى أن أقول أن معدل السيولة في المغرب في المرحلة كذا وصل إلى كذا ، وأنه إذا حصل على المعدل كذا في السيولة ، فإن الاستثمار سيصل إلى كذا . من جهة أن هذه الأبحاث تسيطر عليها الفرضيات ، ومن جهة أخرى فهي تلغي القوى المتحكمة مثلا في حركة الأموال ، بين الأبناك والمستثمرين . فالتحاليل إياها لاتشير إلى أن هناك احتكارا أو أن هناك غياب مراقبة صارمة لحركة الأموال وأن القانون البنكي الجاري به العمل يستدعي الإصلاح ... أكثر من ذلك أن أصحاب هذا المركز لن يبدوا رأيهم حول الأزمة المالية . وهذا ليس بغريب لأنهم لم يسبق لهم أن اختاروا إبداء رأيهم في مشاكل البلاد . بكل بساطة لأن أفقهم ضيق ومرتبط بمصالحهم الشخصية والفئوية .
أما عن السياسة النقدية في المغرب ، فيمكن القول باختصار أن شروط أدائها غير متاحة بحكم أن الآليات المعبئة لتدبير عرض النقود ، وهو هدف السياسة النقدية في كل بلد ، لا تتحكم فيها السلطات النقدية وحدها بل تتقاسمها وإن لم نقل تفرضها المؤسسات النقدية الدولية وبالخصوص صندوق النقد الدولي . معنى ذلك أنه يفرض على الاقتصاديات المتخلفة نموذجا اقتصاديا معروف بنموذج التصدير ، تقوم من خلاله بتعبئة كل طاقاتها لتصدير مواردها لجلب وسائل التمويل . وهو ما يستعصي على هذه الدول ويدفعها إلى الاستدانة إلى درجة الحلقة المفرغة ، الشيء الذي يؤثر على ميزان الأداءات الذي يعاني باستمرار من عجز بنيوي وليس ظرفي كما تتوهم السلطات النقدية . وهذا يدفعنا للقول أن ما أقدمت عليه حكومة بنكيران فيما يخص خط الائتمان و السيولة الذي منحه صندوق النقد الدولي للمغرب في 2012 صاحبته إجراءات أقل ما يمكن نعتها على أنها هجمة طبقية على الفئات الشعبية منها الزيادة في أسعار المواد النفطية مرتين في ظرف أقل من سنة و تطبيق نظام المقايسة الذي يفرض على دول الجنوب الانصياع لحقيقة الأسعار الدولية .وهي إجراءات تقشفية تترجم بجلاء تدبير الأزمة ليس إلا وتتنافى مع منظومة مقاصة في خدمة سياسة اجتماعية شعبية. الغريب أن صندوق النقد الدولي الذي " تفضل" بمنح المغرب هذه الإمكانية على أساس أنه تلميذ نجيب أي يطبق برامج مؤسسة بروتون وودز بحذافيرها نشر تقريرا في يوليو2013 أكد فيه أن الإصلاحات في المغرب لم تكن في الموعد . و هو ما يتعين على المغرب حسب التقرير المذكور أن يقوم بتخفيض العجز الموازاناتي من خلال تخفيض الأجور و نفقات التجهيز. هذه الوصفات تترجم مرة أخرى أن المغرب لا يتوفر على استراتيجية فيما يتعلق بتدبير الديون بالخصوص والسياسة الاقتصادية عموما. فعلاقة المغرب بصندوق النقد الدولي علاقة تبعية وليست علاقة تعاون وشراكة. فهذه الحلقة المفرغة للمديونية التي يوجد فيها المغرب منذ نهاية السبعينيات والتي انتهت بتطبيق برنامج التقويم الهيكلي الذي أدى إلى تفكيك المرافق العمومية والقضاء على المكاسب الاجتماعية ، تستدعي تجاوز المنطق الذي يعتمد على الموارد الخارجية (قروض ، هبات ...) والتأسيس لسياسة موازناتية تستمد قوتها من التمويل الداخلي .
كل هذا يؤكد أن الدول الفقيرة ، ومنها المغرب ، تعرف الأزمة باستمرار لأن اقتصادياتها تابعة . وهو ما لم يستوعبه غالبية الأكاديميين الذين يتحدثون عبثا عن الاقتصاديات الناشئة والتي يمكن اعتبارها دون تردد هلوسة ذهنية ليس إلا. فكلمة اقتصاد ناشئ أو بازغ تهدف إلى طمس المآسي التي ترتبت عن تطبيق السياسة النيوليبرالية التي أدت إلى تفكيك وخوصصة المرافق العمومية ...
هذه باختصار بعض الأفكار عن الأزمة المالية في المغرب ، أما عن معاناة ومأساة الاقتصاد المغربي فيمكن إيجازها في الفقرة الموالية .
2 ـ مشاريع ومخططات لا تروم متطلبات الإصلاح الفعلي للاقتصاد الوطني
يعاني الاقتصاد المغربي منذ الاستقلال الشكلي من مشاكل بنيوية وليست ظرفية كما يحلو للكثير قولها ومنهم المركز المغربي للظرفية ؛ وليست مبالغة في القول أن الاقتصاد المغربي عبارة عن فريسة يتقاسم فيها المفسدون واللوبيات ثروات البلاد . بل أكثر من ذلك أن المغرب يعرف اليوم قبل الأمس فوضى وسيبة في توزيع الثروات المتمركزة في أيدي كمشة من المفسدين على حساب الأغلبية الساحقة من السكان . ومن أجل تأكيد هذا الحكم سنوجز الحديث بخصوص بعض الإشارات عن السياسة الصناعية والفلاحية والسياحية من خلال ثلاثة مخططات :
ـ في مخطط إميرجونس
هذا المخطط يتعلق بالقطاع الصناعي ويهدف إلى التأسيس لسياسة صناعية مغربية ، تلبي حاجيات السوق الداخلية وتطوير تنافسية الاقتصاد المغربي . صحيح أن هناك شركات مهمة تقوم بأنشطة في هذا المجال ، لكن المشكل الكبير هو أن هذه الشركات المغربية أو الأجنبية لا تخضع لضوابط تسمح للاقتصاد المغربي ليتجاوز مشاكله وينتقل من اقتصاد غير متمفصل إلى اقتصاد يتوفر على قطاعات متكاملة ومتداخلة . وهو ما يكذب فلسفة هذا المخطط الهادف عبثا إلى وضع الاقتصاد المغربي على سكة الإقلاع التنموي على غرار البلدان المسماة خطأ بالبلدان الناشئة كما تحيل إلى ذلك كلمة " اميرجانس " ( أي نشوء ) .
ميدانيا ، ما معنى أن تقوم الدولة بإعفاء هذه الشركات من ضرائب تسمح بضخ أموال هائلة في ميزانية الدولة ؟ ما معنى أن نرى الباطرونا غاضبة في كل نقاش لقانون المالية ؟ من جهة أخرى ما معنى أن يقوم المغرب بتشجيع صناعة الاليكترونيك لتلبية حاجيات السوق الداخلي في حين أن المداخيل لأغلبية السكان ضعيفة ؟ هذه أسئلة جوهرية وأخرى لا يسع المجال لذكرها .
من ناحية أخرى لا يتوفر المغرب على بنية صناعية ثقيلة تسمح بإقلاع اقتصادي وبالتالي توفر شروط اللحاق بالدول المتطورة. فشروط الإقلاع غائبة بسبب هيمنة الشركات الأجنبية التي تحتكر كل القطاعات الاقتصادية عموديا وأفقيا في ارتباطها مع الهولدينغ أونا ، وكذلك بسبب النظام السياسي الاستبدادي القائم الذي تتستر وراءه بنية اقتصادية ريعية وفاسدة.

ـ في مخطط المغرب الأخضر
يتعلق هذا المخطط بالقطاع الفلاحي ويرمي إلى الرفع من تنافسية المغرب في هذا المجال عن طريق الرفع من الجودة والخفض من التكاليف .
إن الخطاب الذي يؤسس لثقافة من نوع التنافسية والجودة والحكامة حتى الإفراط ، يبقى خطابا أجوفا . لنأخذ مثلا دولة غربية كفرنسا ، فهذه الأخيرة حين تضع خطة لتشجيع الفلاحة أو أي قطاع آخر، فإن الأمر لا يتعلق بإعطاء أهمية للعوامل الخارجية وإهمال الجوانب الأخرى ، بل تطوير هذا القطاع بشكل يؤدي إلى توظيف اندماجه الذاتي وفي محيطه الاقتصادي ليكون مؤثرا وليس متأثرا ولتكون كذلك السوق الداخلية هي المتحكمة في الحركية الاقتصادية . أما في المغرب الذي أصبح خطاب العولمة والانفتاح والتنافسية والحكامة يسيطر على عقول المسؤولين إلى درجة التبعية الفكرية والثقافية ، فإن إرادة تطوير الاقتصاد ، ومنها القطاع الفلاحي ، تبقى غائبة باستمرار .
فيما يخص مخطط المغرب الأخضر على المستوى العملي ، يبدو أن هذا المخطط ، وإن كان الخطاب الذي يؤسس له يشير إلى الرفع من مستوى الفلاحين الصغار والمتوسطين عن طريق مدهم بوسائل التمويل واللوجيستيك والتسويق ، .. ، فإن المستفيد الأول من هذه الخطة هم الفلاحون الكبار وكبار الملاكين وأصحاب الشركات الكبرى المرتبطة بالصناعة والتجارة الفلاحيتين . في هذا الباب تتعين الإشارة إلى مثالين أساسيين . الأول يتعلق بالإعفاء الضريبي ( سنة 1984 ) للقطاع الفلاحي ، والذي كان مبرمجا أن ينتهي سنة 2000 . في هذه النقطة تجدر الإشارة إلى أن وضعية الفلاحين الصغار هي التي استدعت إعفاءهم من الضريبة الفلاحية ، لكن ماهو مبرر استفادة الفلاحين والملاكين الكبار من هذا الإعفاء في الوقت الذي يطلعنا فيه التاريخ الاقتصادي أن المداخيل الضريبية لهذا القطاع تعتبر مصدر تمويل ذو أهمية كبيرة . للإشارة فقد تمت برمجة إلغاء هذا الإعفاء في قانون المالية لعام 2014 .
الأمر الثاني يهم التشغيل ، إذ أنه ليس هناك ضمانات في ظل الأوضاع القائمة ، ليساهم كبار الفلاحين والملاكين والشركات الفلاحية في امتصاص البطالة المتفشية في هذا القطاع . مما يعني أن المخطط الأخضر كباقي البرامج التنموية التي عرفها المغرب ، تبقى خطابات استهلاكية ليس إلا . وإذا كان المسؤولون يرغبون في أن يقوم المغرب بثورة خضراء حقيقية ـ وليس مخططا أخضرا ـ فما عليهم إلا أن ينصرفوا إلى حال سبيلهم بعد أن يسلموا الضيعات الفلاحية الكبيرة والشركات الفلاحية إلى الشعب .

ـ في مخطط أزور
يهم هذا المخطط القطاع السياحي حيث تعتقد السلطات العمومية أن القطاع السياحي في المغرب ـ بحكم الموقع الاستراتيجي ـ يعتبر خزانا للعملة الصعبة وبالتالي مصدرا للرفع من مداخيل الدولة . ولأجل هذا الهدف تم إعداد مخطط أزور لأجل صناعة سياحية تتعلق بتوفير البنيات العصرية المتعارف عليها عالميا ليكون القطاع السياحي من القطاعات الاستراتيجية المعول عليها في الحركية الاقتصادية .
يبدو أن هذه المقاربة خطأ استراتيجي فادح بحكم أنه لا يوجد في التاريخ الاقتصادي دول أسست إقلاعها على القطاع السياحي ، معنى ذلك أن مشكل الدول المتخلفة ليس مشكل التمويل لكن مشكل التراكم الذي يتأسس على التصنيع الذي يحتاج بدوره إلى سلطة ديمقراطية .
هناك من يرى ، ومنهم اقتصاديو مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد ( أنظر التقرير : هل للمغرب استراتيجية تنمية اقتصادية ؟ جوان 2010 ) ، أن ارتفاع عدد السياح الأجانب يؤدي إلى ارتفاع الأسعار كسومة الكراء والمواد العذائية والألبسة ... ويدعو اقتصاديو هذه المؤسسة إلى مراقبة صارمة لهذا القطاع من قبل السلطات العمومية .
الملاحظة الأولى في هذا الصدد ، هو أن اقتصاديي مؤسسة بوعبيد لا يرفضون أن يكون هذا القطاع مؤهلا للإقلاع الاقتصادي ، ثانيا ، أن ارتفاع الأسعار ليس ناتجا عن ارتفاع عدد السياح ؛ وإن كان هذا صحيحا ، فلماذا يدافع هؤلاء الاقتصاديون بشكل متحمس إلى حد الإفراط عن الطبقة الوسطى التي بحكم مداخيلها ـ حسب هذا التحليل ـ تؤدي إلى ارتفاع الأثمان ؟ إن الإقلاع الاقتصادي ينطلق بالفعل من قطاعات استراتيجية أكد التاريخ الاقتصادي جدواها وفعاليتها ، وهذه القطاعات تتمثل بالخصوص في القطاع الصناعي ( دون إهمال الفلاحة ). وعليه فالقطاع السياحي لا يمكن أن يكون له إلا دور الوسيط في الحركية أو الدورة الاقتصادية وليس دور المحرك . هذا ما لم يفطن به اقتصاديو مؤسسة بوعبيد الذين يؤسسون أفكارهم على أفكار اقتصاديي البنك الدولي وخطاباته كما سبقت الإشارة لذلك .
ينبغي التنبيه في هذا الصدد إلى أن هناك مخططا متعلقا بقطاع الصيد البحري وآخر بالإعلاميات . باختصار شديد جدا ، فيما يخص المخطط الأول ، فالاتحاد الأوروبي هو المستفيد الأكبر من هذا المخطط ومن القطاع نفسه ، إضافة إلى أصحاب شركات الصيد المغربية . أما المكتب الوطني للصيد فهو لا أقل ولا أكثر من وكالة تحت رعاية ورقابة الاتحاد الأوروبي ؛ نفس الشيء بالنسبة للمجلس الأعلى لحماية واستغلال الثروة السمكية بالمغرب والذي لا حول له ولا قوة له في كل هذا . أما عن المخطط الثاني ، فالبديهي أنه لا يمكن تطوير قطاع الإعلاميات دون ربطه بالقطاع الصناعي . فلا معنى من تعميم الإعلاميات دون اندماجها في القطاع التصنيعي ، الشيء الذي سيزيد من تكريس تبعية المغرب تكنولوجيا .

نستخلص مما سبق ، أنه على مستوى الممارسة ، ينبغي التذكير بأن مديرية الدراسات والتوقعات المالية التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية ، تصدر نشرة موسومة باسم " لوحة القيادة للمؤشرات الماكرو اقتصادية " ، ومما نقرأه في عدد ماي 2011 ما يلي :
" لقد مكنت أهمية الاصلاحات البنيوية في المغرب الاقتصاد من أن يتطور بشكل سريع نسبيا ، إذ وصل معدل النمو ما بين 2003 و 2009 إلى 5 في المائة في المعدل ، ويرجع أساسا هذا الأداء الجيد إلى الدور المتميز للقطاع غير الفلاحي وإلى الحصيلة الاستثنائية للموسمين الفلاحيين 2008 و2009 " ( ص. 2 ) .
وفي مكان آخر تقول النشرية : " تميزت بنية الاستثمار خلال الفترة 1998 ـ 2009 بتقوية حصة تكوين اجمالي رأس المال الثابث فيما يخص المنتوجات الصناعية ومنتوجات البناء والأشغال العمومية ... " ( ص. 3 ) .
أما في الصفحة 4 فنقرأ عكس ما سبق : " هناك تفاقم عجز الميزان التجاري ما بين 2003 و 2010 (...) والسبب يكمن في غلاء الفاتورة الطاقية(...). مما أدى إلى انخفاض نسبة تغطية الصادرات للواردات من 7 ، 61 في المائة إلى 8 ، 49 في المائة في نفس الفترة . "
إن السؤال الأساسي هنا هو كيف يقرأ أصحاب الحال أن الاقتصاد المغربي في وضع جيد من خلال نسبة معدل النمو وفي ذات الوقت يعترفون رغم أنفهم ، ـ لأن لغة الأرقام تفرض عليهم ذلك ولو أن هذه الأرقام غير شفافة ، إذ أن الأرقام الحقيقية كارثية ـ بوجود عجز تجاري مهم ( 8 ، 17 في المائة من الناتج الإجمالي الخام ) وتدهور معدل تغطية الصادرات للواردات ؟
من جهة أخرى ، إذا كان أداء القطاع غير الفلاحي جيدا ( إضافة إلى موسمين فلاحيين استثنائيين ) معنى ذلك أن الميزان التجاري سيكون على الأقل في وضع متواضع إن لم نقل بدوره جيد .
فيما يتعلق ببنية الاستثمار الذي عرف تقوية حصة تكوين اجمالي رأس المال الثابت للمنتوجات الصناعية ، يبدو وبدون تردد أن هذا التحليل مهزوز ، لأن المغرب لا يتوفر على نواة صناعية أو قل على نسيج صناعي متماسك ومهيكل ، كل ما يتوفر عليه المغرب هو بعض الوحدات الصناعية الخفيفة والتحويلية ( وليس الثقيلة ) ، المرتبطة عضويا بالشركات الأجنبية التي تبتلع حصة الأسد من الأرباح المرئية وغير المرئية . إن كان المغرب يتوفر على نسيج صناعي ولو في شكله الأولي لماذا لا يعرف الاقتصاد نقلات نوعية ولو بطيئة تجعله اليوم يؤسس لمقومات اقتصاد عصري متطور ، وذلك منذ أكثر من نصف قرن من الاستقلال . يعني ذلك أن البنية الصناعية في المغرب غير مندمجة ، بحكم غياب اندماج القطاعات التي تعرف اختلالات هيكلية منذ نشأتها في حضن الاستعمار القديم حتى الاستعمار الجديد في شكله المعولم ، وهذه هي المعضلة الكبرى التي لم يدركها أصحاب هذه النشرية ، وعلى رأسهم المسؤولين عن هذه المديرية المشار إليها أعلاه .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لبنان وإسرائيل.. اتفاق الترسيم وعقدة التعديلات | #غرفة_الأخب


.. تركيا.. أردوغان يصدر مرسوما بتعيين أوزكان تورونلار سفيرا جدي


.. إسرائيل ترفض الملاحظات والتحفظات اللبنانية على مسودة اتفاق ا




.. قتلى في قصف تركي على سنجار شمالي العراق


.. إسرائيل ترفض التعديلات اللبنانية على مسودة اتفاق ترسيم الحدو