الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


- السكتة القلبية - للاقتصاد المغربي في قاموس المركز المغربي للظرفية : نيوليبرالية مقنعة أم اقتصاد السوبيرماركيت والماكدونالز ؟ !

أحمد زوبدي

2015 / 7 / 28
العولمة وتطورات العالم المعاصر


" السكتة القلبية " للاقتصاد المغربي في قاموس المركز المغربي للظرفية
نيوليبرالية مقنعة أم اقتصاد السوبيرماركيت والماكدونالز ؟ !

د . أحمد زوبدي
مركز الدراسات والأبحاث عزيز بلال - الرباط

عقد المركز المغربي للظرفية لقاءه السنوي بالدار البيضاء في غضون شهر يوليوز2012 المنصرم، صرح خلاله الدكتور الحبيب المالكي، رئيس المركز، أن المغرب يوجد على حافة" السكتة القلبية "، على المستوى الاقتصادي، كما سبق للمغرب أن مر من ذلك في تسعينيات القرن العشرين . والسبب، يعتقد الدكتور المالكي، هو أن المغرب لم يسبق له أن عرف منذ خمسة عشر سنة العجز الموازناتي مصاحبا لعجز ميزان الأداءات ، وهو ما يطلق عليه بالعجز التوأم . وهذا يستدعي، حسب الدكتور المالكي، تغيير نموذج النمو الذي اختاره المغرب ، والذي لا يحقق معدل نمو كفيل بتوفير شروط الإقلاع الاقتصادي . فمعدل 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام ، يقول الأستاد المالكي ، لا يسمح للخروج من وضع الاقتصاد الهش إلى وضع الاقتصاد القوي، وبالتالي لا يمكن من التخفيف من التضخم والبطالة والفقر.وهو ما يتطلب، في رأي الدكتور المالكي، 7 في المائة على الأقل، كمعدل نمو. هذا باختصار شديد الأطروحة التي يدافع عنها الدكتور المالكي.
فيما يتعلق بالعجز بشقيه الذي وصل على التوالي إلى 6,1 في المائة من الناتج الداخلي الخام (بعد تعديله) و8,1 في المائة في 2012، حسب الأرقام الرسمية، يقول الواقع أن كثيرا من الدول المصنعة سجلت عجزا مرتفعا في الميزانية، وفي المقابل، سجل ميزان الأداءات وضعا إيجابيا ، لكن هذه الوضعية لم تعفي اقتصادياتها من أن تعرف مشاكل بنيوية و باستمرار ومنها الركود الاقتصادي الذي أصبح هو القاعدة منذ ثلاثة عقود . هكذا فقد وصل عجز الميزانية في المملكة المتحدة إلى 11,5 في المائة سنة 2009 و 8,2 في 2010 ، في حين أن عجز ميزان الأداءات لم يسجل إلا 0,9 في المائة . كما وصل هذا العجز في فرنسا إلى 7,5 في المائة من الناتج الداخلي الخام و 7,1 على التوالي في 2009 و 2010 ، لكن عجز ميزان الأداءات لم يتجاوز 1.7 و 1.5 في المائة خلال هاتين السنتين .وبلغ العجز الموازناتي في نفس الفترة في ايرلندا 31.2 و 14 في المائة، بينما سجل عجز ميزان الأدءات فقط 2 في المائة . مما يؤكد مرة أخرى أن العجز المزدوج يبقى فقط مؤشرا كغيره من المؤشرات . بمعنى أن مشكل المغرب بنيوي، وليس ظرفي ، كما يعتقد الدكتور المالكي.
وهو ما يؤكد، من جهة أخرى، أن الاقتصاد المغربي يعاني بشكل مستمر من العجز التوأم أو المزدوج، وأن هذا الوضع هو القاعدة وليس الاستثناء، وإن كان هذا العجز يظهر بألوان مختلفة، ثارة يثير القلق وثارة أخرى يتم الاكتفاء بملاحظة ما يجري. فالمغرب، منذ أن عرف الاستقلال وبعد أن تم إقبار نموذج التنمية المستقلة أو نموذج الطريق الثالث الذي دشنته حكومة عبدالله ابراهيم (1958-1960) ( وقد سبق أن دافع الدكتور المالكي بشراسة عن هذا الخيار ) ، فرض عليه نموذجا ليبراليا تابعا . ولم يقل صاحبنا أن "السكتة القلبية" التي كانت ستلم بالاقتصاد المغربي منذ خمسة عشرة سنة قد تم إخمادها مؤقتا بضخ أموال الخوصصة في الميزانية . وباستنزاف هذه الموارد وجد المغرب نفسه اليوم في وضع كارثي، دفع بالحكومة الحالية إلى الزيادة في ثمن المحروقات و الرفع من الاستدانة إزاء الخارج كما تم مؤخرا مع صندوق النقد الدولي، عوض أن تبحث عن موارد تمويلية مع خلال تحصيل الضرائب بشكل يخضع للقانون للحد من السيبة المالية ( وهو موضوع آخر سنعود له لاحقا). من جهة أخرى أن عجز الميزانية لا يطرح مشكلا بنيويا إن وظف في تمويل الاقتصاد بشكل محكم . وهو ماكان يتبناه صاحبنا أي تمويل الاقتصاد من خلال آلية عجز الخزينة كما توصي بذلك السياسات الكينزية، حين كان "غريمه" فتح الله ولعلو وزيرا للمالية يدافع عن الصرامة أو الانضباط الموازناتي .
فضلا عما سبق قوله وحسب مجموعة من الدراسات الإمبريقية التي لا يسمح المجال هنا لمناقشتها ، فإنه لا توجد علاقة بين العجز الموازناتي وعجز ميزان الأداءات ينتج بموجبه وضع غير محمود أو ما ينعث له ب "السكتة القلبية ". كل ما هناك أن "السكتة القلبية " إياها لها جدور عميقة .
فيما يخص معدل النمو الذي يدعو صاحبنا إلى الرفع منه، أذكر الدكتور المالكي أن كثيرا من الدول النامية حققت معدلات نمو مرتفعة لكنها لم تحقق الاقلاع الاقتصادي المنشود وهي حالة أفغانستان الذي حقق مابين 2006 و 2011 معدل نمو راوح 10 في المائة من الناتج الداخلي الخام ( بمعدل 20٫-;-9 في سنة 2009) ، والأمر كذ لك بالنسبة لرواندا التي حققت معدل نمو في نفس الفترة وصل إلى 5،7 في المائة (بمعدل 11٫-;-2 في المائة في 2008 ) . أكثر من ذلك فقد وصل معدل النمو في قطر في نفس الفترة إلى 16٫-;-3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، ورغم ذلك، فهذا البلد يصنف من الدول النامية . في حين أن العديد من الدول المصنعة لا تحقق إلا معدلات نمو متواضعة بل أحيانا سالبة، ورغم ذلك تعرف اقتصادياتها دينامية .و هو الوضع الذي تعرفه فرنسا التي سجلت معدل نمو سالب في سنة 2009 (-2٫-;-5 في المائة ). نفس الوضعية تطبق على بلجيكا التي عرفت معدل نمو سالب في سنة 2009 (أي -2٫-;-7 ) . هي الاخرى
يمكن الاستنتاج مماسبق أن رئيس المركز المغربي للظرفية وفريقه لا يفرقون بين المؤشرات الكمية والمحاسبية أي المؤشرات النقدية والمؤشرات الكيفية لتشخيص وتقييم الاقتصاديات وبالتالي طرح البدائل لبناء اقتصاد وطني مستقل . فالمشكل ليس في العجز المزدوج، لكن في هشاشة الاقتصاد المتخلف، كاقتصاد مشلول تابع وغير ممركز على الذات قياسا مع صلابة الاقتصاد المصنع الممركز على الذات . وعليه كان حريا بالدكتور المالكي أن يناقش المواضيع والأفكار الكبرى وليس الاكتفاء بالبحث عن حلول الأزمة من خلال تدبير الأزمة إياها .فالاقتصاد المغربي غير مهدد لا ب "سكتة قلبية " ولا ب "سكتة دماغية "، بل هو ، بكل بساطة، اقتصاد مشلول مريض ومنهك بسبب تبعيته للشركات العابرة للقارات أواحتكارات القلة . وهو ما يستدعي هدم البنية السائدة من خلال إصلاحات راديكالية وبناء اقتصاد وطني مستقل .
أما عن نموذج التنمية الذي يمكن أن يدفع بالمغرب لتخطي مشاكله وبالتالي فتح أوراش في أفق الاقلاع الاقتصادي ، فلم يقترح صاحبنا نموذجا جديدا بل اكتفى بالقول أن النموذج الذي اختاره المغرب (بل فرض على المغرب ، التشديد مني ) منذ 15 سنة، أي نموذج ينبني على ثلاثة عناصر هي الانفتاح التجاري والقطاع الخاص ولبرلة الأسواق ، قد تجوز، و أن الرفع من معدل النمو إلى 7 في المائة، هو العصا السحرية لتوفير شروط انتقال المغرب إلى صف الدول" الناشئة " وبالتالي تجاوز "السكتة القلبية " . والأنكى من ذلك أن الدكتور المالكي اختصر التنمية في النمو بدعوته لأن يغير المغرب نموذج النمو ليصل إلى 7 في المائة محل 3 في المائة حاليا .
لن أخشى القول أن الدكتور المالكي وفريقه في المركز المغربي للظرفية يدافعون عن نيوليبرالية مقنعة- وليست رأسمالية شعبية ومتضامنة على غرار دولة الرفاه في الغرب كما يتوهمون ذلك – أو نيوليبرالية انتقائية التي تأخذ " من كل فن طرف" أو "من كل بستان زهرة" ، كما يقول الشاعر. بمعنى أنها مزيج بين كل الثياراث المتواجدة في الساحة الفكرية مع هيمنة الثيار المهيمن . ولن أتردد للقول أن هذا الشكل من التحليل لا يختلف عن النيوليبرالية المتشددة والأصولية، بل أنه اخطر منها لأن الانتقائية انتهازية ومتذبذبة، ناهيك أنها لا تتبنى موقفا واضحا. وهو ما يدفعنا للقول أن صاحبنا يدافع دون تردد عن أصحاب الياقات البيضاء في محاولة يائسة لإخفاء دور المثقف الملتزم . كل هذا يترجم بجلاء هشاشة وضبابية التفكير الاقتصادي لدى المركز إياه . بمعنى أن أصحاب المركز المغربي للظرفية يتجنبون الخطابات الكبرى وفضلوا التفكير السطحي، أي لغة الأرقام ، علما أن الأستاذ المالكي سبق له في"عصره الذهبي"، أن ألف كتابا بعنوان "ماوراء الأرقام، أية تنمية " ! . وهاهو اليوم يدافع عن اقتصاد السوبيرماركيت والماكدونالز من خلال توصية المركز بمنح المقاولات الصغرى والمتوسطة عفوا ضريبيا . وهي هدية بامتياز للكنفدرالية العامة لمقاولات المغرب التي تمول المركز المغربي للظرفية . وقد نسي الدكتور المالكي الأضرار الكبيرة التي خلفها الإ عفاء من الضريبة الفلاحية منذ 1984، وأن أصحاب الضيعات الكبرى والشركات الفلاحية مرتبطون بأكبر شركات الفلاحة التجارية العابرة للقارات (أو لاغروبيزنيس) ، ناهيك التهرب الضريبي باستعمال أشكال محاسبية ملتوية . كما أن الدكتور المالكي تناسى أن المقاولات الصغرى والمتوسطة مرتبطة ارتباطا عضويا باحتكارات القلة المعولمة، وأن وظيفتها تقتصر على الأجندة التي تفرضها عليها هذه الاحتكارات التي تكون البناء الأساس لنظام عالمي امبريالي . فضلا عن ذلك ، فالدكتور المالكي لم يقل شيئا عن مؤسسات بروتون وودز التي تتحكم في دواليب الاقتصاد المغربي حتى النخاع. ولن أبالغ القول أن المركز المغربي للظرفية يتبنى ، على طريقته، برامج هذه المؤسسات أي النيوليبرالية المقنعة، كما سلف الذكر.
لم لم يدافع رئيس المركز المذكور- إن كان منطقيا مع الأفكار والقيم التي يزعم انه يتبناها - عن إحداث ضريبة على الثروة وغيرها من الآليات التي تؤسس فعلا لاقتصاد متضامن، وإن كان هذا المفهوم نفسه غامضا ، لأن المشكل في الرأسمالية برمتها التي وصلت أوج تشددها مع السياسات النيوليبرالية التي أتت على اليابس والأخضر من خلال تفكيك المرافق العمومية وخوصصتها . و هو ما اكدته الأزمة الاقتصادية البنيوية والنظمية المتعددة الجوانب التي تعصف بالرأسمالية القائمة بالفعل . وما جاءت به كذلك الاحتجاجات المكثفة للحركات الاجتماعية المناهضة لكل أشكال الاستعمار الجديد الذي خلفته السياسات النيوليبرالية . وهو ما كشفته، من جهة أخرى، الهزات الاجتماعية للربيع العربي ، التي أسست لامحالة لخريف الرأسمالية و لأممية الشعوب .
إذا كان الدكتور المالكي يوجه خطابا سياسيا للحكومة الحالية، فان هذا الشكل من التحليل لايسعفه ليتبؤ مكانا لائقا به في المشهد السياسي المغربي البئيس والميؤوس منه، لأن الشعب المغربي يتطلع لأفق آخر غير الأحزاب اليسارية الرسمية، لأ ن دورها في التغيير تقادم، ولأن الحزب الذي ينتمي له رئيس المركز المغربي للظرفية قد فوت على المغرب فرصة كانت ستدشن مرحلة جديدة في تاريخ المغرب . فالشعب المغربي يتطلع اليوم إلى تغيير جدري، من خلال حركة 20 فبراير، لأجل إصلاح راديكالي ( في انتظارأن أعود لموضوع الحركات الاجتماعية، أقول بعجالة أن التاريخ أكد دور هذه الحركات في التغيير الجدري للمجتمعات في أفق تسييس السياسة بمعنى سيادة الثقافة محل سيادة الاقتصاد في الرأسمالية).
في الختام ،أزعم أن موضوع "السكتة القلبية "، الذي تحدث عنها الدكتور المالكي قد وظفه سياسيا وليس على المستوى الاقتصادي .صحيح أن الاقتصاد يمارس سياسيا وإلا سنكون أمام الاقتصاد الخالص كما قام بذلك المركز المغربي للظرفية ، حين وظف معدل النمو ومعدل العجز بشكل سطحي، كما سبق الحديث عن ذلك. وهنا أشير إلى أن النماذج الرياضية التي يوظفها اقتصاديو المركز المغربي للظرفية قد تمت صياغتها في الاقتصاديات المتطورة التي توفر شروط التنمية المستقلة وغير التابعة، وإن كانت توجد اليوم في أزمة نظمية، وهذا موضوع آخر . وأن اسقاطها على الاقتصاديات المتخلفة أمر يخالف شروط البحث العلمي ، بحكم أن المؤشرات والمتغيرات والآليات تختلف بين هذين الشكلين من الاقتصاديات. بل أكثر من ذلك ، فالنماذج الرياضية فيها جدل كبير حتى في الغرب، فيما يخص إخضاع الاقتصاد إلى النمذ جة بشكل مفرط لأن هذه النماذج لا تتعامل إلا مع الأ رقام ولا يمكن لها أن تأخد في الاعتبار المعطيات غير الكمية أي النوعية .
فالاقتصاد السياسي كما يتداول ، يفرض النقد البنيوي للوضع القائم. وهذا الشكل من النقد لم يقم به فقط كارل ماركس بل حتى أكبر المفكرين الاقتصاديين الليبرالين (المتنورين) وفي مقدمتهم آدام سميث ودافيد ريكاردو وستيوارت ميل وليون فالراس وجون مانيير كينز وآخرين. كان على الدكتور المالكي أن يطرح للنقاش منظومة اقتصاد السوق برمتها التي فرضت ديكتاتورية القيمة والبضاعة والنقود ٬-;- عوض الأ فكار السهلة المتداولة، التي أصبحت لا أقل ولا أكثر شكلا من البريكولاج الذهني الذي يسوق له بمعية صحافيي السوق الذين يهرولون وراء الأرباح المركنتيلية الزائفة مقابل دعاية ملوثة . وهذا يدل على أن الأستاذ المالكي وفريقه لايتوفرون على مرجعية فكرية، بل يتسابقون لجمع المال بأي وسيلة ليس إلا. وبهذا يكون الدكتور المالكي وحواريوه في المركز المذكور قد تجنبوا المواضيع الشاقة والصعبة، لأنها تتطلب النزاهة والشجاعة الفكرية اللتين لا تتوفران فيهم، بحكم انتمائهم الطبقي الارستقراطي وليس انتمائهم للقوات الشعبية، كما يتوهمون .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل سيشارك العاهل المغربي في القمة العربية في الجزائر؟ | المس


.. ما هي التبعات البيئية لتسرب الغاز في بحر البلطيق؟


.. تصعيد جديد.. عملية عسكرية إسرائيلية في جنين، ما التفاصيل؟




.. بعد 13 عاما.. بدء محاكمة المتهمين في -أحداث 28 سبتمبر- في غي


.. دول غربية عدة تؤكد عدم اعترافها باستفتاءات ضمّ مناطق أوكراني