الحوار المتمدن - موبايل


فيوز القلب محروقة ... براسي ضربني ماس

عدنان عاكف

2015 / 7 / 29
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


" فيوز القلب محروقة . . براسي ضربني ماس " !
عدنان عاكف
أذكر نُكتة قديمة بايخة، سأرويها حصريا لمجموعة من أصدقائي وزملائي العواجيز، الذين ما زالوا، وبالرغم من الظلام الدامس والحر القارص، يرددون سرا ( رأيت اثنين منهم في شارع السعدون ليحيوا الذكرى السابعة والخمسين لثورة 14 تموز) مع طيب الذكر الفنان محمد قنديل كلمات تلك الأغنية الجميلة:
" ولسه بحلم بيوم ... شمسه ما تعرف غيوم
وأطير كطير البراري... وأعدي بحر الهموم
صحيح ان بحر الهموم أصبح في زمننا أوسع بعشرات المرات من بحر محمد قنديل، لا بل أوسع من بحر الظلمات، الذي يُقال ان أسلافنا كانوا أول من ركبوا أمواجه وعبروه سباحة على ظهورهم، وهم يحملون بأيديهم أول بطارية كهربائية تصنع في مجرة درب التبانة، لينشروا نورها في عموم المعمورة.. هؤلاء ما زالوا متشبثين بالأمل، وكل أملي أن يعينني الله ويلهمني الصبر والقوة لأخرج معهم الى شارع السعدون لنحيي الذكرى المئوية لتلك الثورة العظيمة..
تقول الحدوته ان احد النواب في العهد الملكي كان فلتة زمانه من حيث الفطنة والذكاء، والقدرة على التحليل والتركيب. وقد أثار انتباهه منذ اللحظة الأولى لدخوله قاعة المجلس، الطاولة الكبيرة التي تتوسط قاعة الاجتماعات. ويُقال انه أمضى دورته ، النيابية الأولى صامتا هادئا ولم يتفوه بكلمة واحدة. لقد انشغل في البحث عن جواب لسؤال كان يقض مضاجعه. وقف نائبنا في الجلسة الوداعية ونطق لأول مرة:
_ _ لدي يا سيدي الرئيس سؤال أتمنى ان احصل على اجابة مقنعة له قبل ان أودع مجلسكم الموقر!! وهو:
_هل يمكن ادخال البعير من خرم الأبرة " ؟ كلا بالتأكيد! كيف استطاعت حكومتنا الرشيدة ادخال هذه المنضدة الطويلة العريضة الى هذه القاعة عبر هذه الباب الصغيرة ؟؟ المنضدة أكبر من عشرة بعران، والباب أضيق من خرم الأبرة !
مات ذاك النائب رحمة الله عليه وفي بلعومه غُصَّةُ تسببت بها تلك الطاولة البيضاوية اللعينة . ويُقال، والعهدة على من قال، انه كان من بين النواب الذين أولاهم الباشا نوري السعيد ثقته الكبيرة، فاختاره ليكون ضمن مجموعة النواب الـ121 الذين اختارهم الشعب بشفافية عالمية ليفوزوا بالتزكية ( العدد الكلي للمجلس كان 135 ) في انتخابات 1954، التي قاطعتها الأحزاب الشمولية الحاقدة ( جميع الأحزاب باستثناء حزبي نوري السعيد وصالح جبر..)
وجدير بالذكر ان هذه الانتخابات قد تلت انتخابات بلغت فيها الديمقراطية السعيدية ذروتها، حين اعتمدت أعلى درجات الشفافية بحيث ان نتائجها قد نـُشِرَتْ في الصحافة قبل يوم واحد من إجرائها.
صحيح انا لست نائبا في البرلمان، والمرة الوحيدة التي شطح فيها خيالي وانزلق عن مساره الطبيعي المسالم، وخطر على بالي الترشيح، كانت في ليلة ظلماء لا ماء فيها ولا كهرباء، ونفذ فيها حتى الهواء. كانت مجرد نزوة شيطانية، واتضح انها راودتني في المنام ..ومع ان أصحاب الحل والربط تأكدوا ان كل شيء قد تم في الحلم إلا ان جميع الكتل السياسية المتنفذة بادرت للاعلان بصوت واحد مجلجل ( وهذا حدث لم يعرفه العراق منذ طوفان اوتنابيشتم) انها سوف تقاطع الانتخابات فيما لو أقدمتُ على الترشيح، فتراجعتُ عن نيتي حفاظا على نجاح العملية السياسية وتحقيق المصالحة الوطنية، التي يعرف الجميع، وفي مقدمتهم الأستاذ رائد فهمي، نائب سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، انها لم ولن تتحقق ما دام القادة، الذين غالبا ما يتوجه اليهم بالرجاء بأن يتصالحوا، ويفترض ان تتم المصالحة بينهم، ما زالوا على قيد الحياة!!
ودع هذه الدنيا العشرات من رفاقي وأصدقائي القدامى والجدد، وفي بلعوم كل واحد منهم غصة تسببت بها أزمة الكهرباء العصية على الحل.سؤال تردد خلال الاسبوع الماضي مئات المرات من قبل العراقيين من مختلف الفئات والمحافظات، وأدى الى خلافات ومناوشات واتهامات حادة وغير حادة بين مختلف المسؤولين والمحافظين وغيرهم من غير المحافظين. وكان المشهد الاحتجاجي الأكثر إثارة في نفوس العراقيين التي كانت تلهث من ضراوة الحر، المشهد الذي أنار العراق من شماله الى جنوبه بالأضواء الساطعة ، بالرغم من انقطاع الكهرباء، هو مدفع فخامة نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة المتجددة والميتة، الأستاذ بهاء الأعرجي. ولمن فاته المشهد أذكره ان السيد الأعرجي خلال زيارته التاريخية لخط الجبهة المشتعلة باغته مصور متطفل فصوره وهو يطلق قذيفة مدفع أجبرت الدواعش على الاختفاء في جحورهم. أنا كما تعرفون أعاني من ارتفاع ضغط الدم والسكر والكوليسترول ، لذلك أُصِبتُ بصدمة كهربائية شديدة، وجدت نفسي على اثرها اردد كلمات الشاعر:
كل حلو ينباس بس انته الوحيد... دخنه بيك وعدنه صارت هوسه
خدك يكهرب والي يبوسك يطيح... كمنه من بعيد ناخذ بوسه

أما الشاحنة المفخخة بأكثر من مئة طن من المتفجرات النووية والكيميائية فهي تلك التي فجرها معالي وزير الكهرباء خلال لقاءه عبر الفضائية البغدادية، والذي بث فيه البشرى للشعب العراقي، الذي كان ينتظر على أحر من حر تموز . فقد اعلن السيد قاسم الفهداوي ان وزارته أمرت بوقف توريد معمل البتروكيمياويات والأسمدة في البصرة بالكهرباء، وتوجيه ما يتوفر من طاقة للأستخدام المنزلي، لأن المواطنين، حسب رأيه، أولى من البتروكيميائيات والسماد وان الإنسان أثمن من المعامل والمصانع. ولو حاولنا ان نترجم كلماته هذه الى اللغة الماركسية، التي تخلى عنها الكثير من الذين كانوا يرطنون بها في الحلم واليقضة، سنجد ان السيد وزير الكهرباء ينادي، وبدون ان يدري، بشعار ماركس الكلاسيكي، والذي سرقه بدوره من التعاليم الدينية السماوية: " الإنسان أثمن رأسمال ". وربما لهذا السبب بالذات ( وليس بسبب نقص الكهرباء )، اجتمعت في بيروت مجموعة من الحيتان العراقية، التي وعد السيد العبادي باصطياها، وقررت اقالة الفهداوي واستبداله بشخصية مكهربة جيدا. ويقال ان ما دفع ثمن لرأس الفهداوي قد وصل الى 150 مليون دولار. وقد يكون هذا ما دفع بجريدة " طريق الشعب " الشيوعية ان تعلن اليوم وبالبند العريض نعي الفهداوي:
" النزاهة الربملانية ترجح اقالة الفهداوي وتعدها "حالة صحية" للحكومة "
كثيرة هي الأصوات التي ارتفعت في اليومين السابقين منددة بتصريح المالكي بشأن السعودية، وبينها صوت الناطق باسم مكتب رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية. وما قالوه كان عين الصواب. ألا يجدر بالناطق باسم مكتب رئيس الوزراء ان يعلن، ولو بحياء ان ما صرح به الفهداوي هي وجهة نظر شخصية ولا تمثل موقف الحكومة العراقية، وبناء عليه تقرر اقالته من منصبه، وتعيين السيد سامي الأعرجي بديلا عنه بالوكالة من أجل ان يُسَرِعَ في عملية انتاج الكهرباء الاستثمارية ؟ ان التوقف عن تزويد المعامل بالكهرباء ، ان صدق ذلك، هو الطامة الكبرى، ولا يقدم على خطوة كهذه إلا من قد عقد العزم على المضي في عملية تقويض آخر أمل في استعادة العراق لعافيته. منذ اللحظات الأولى التي اعلن فيها عن نقصان موارد العراق المالية تسابق المسؤولون للتأكيد على ضرورة تنويع الاقتصاد العراقي من خلال ايجاد موارد اخرى الى جانب النفط، وذلك من خلال تطوير الصناعة والزراعة. ماذا حل بهذا التوجه يا مكتب فخامة رئيس الوزراء ؟؟ لقد كان كل ما قيل مجرد أكذوبة. ليس لدي ما أقوله، لأن ما اريدك ان تسمعه قاله لك من قبلي ياس خضر :
جذاب دولبني الوكت ...
جذاب روحي تمرمرت ...
جذاب وتريد ارد ...
لا ما ارد ...
يبقى السؤال المحير والممل في نفس الوقت : لماذا فشلت جميع الجهود والموارد المبذولة طيلة هذه السنوات في توفير الكهرباء، مع ان العراق من أغنى دول العالم بموارد الطاقة، وهوالبلد الذي صنع أقدم بطارية كهربائية في التاريخ، إضافة الى انه البلد الوحيد في العالم الذي خضع للإحتلال المباشر في القرن الواحد والعشرين لأقوى دولة في العالم، وتعتبر المنتج الأول للكهرباء، وتنتج ما يزيد عن 20% مما تنتجه بلدان العالم مجتمعة من الطاقة الكهربائية ، وهي قادرة على تجهيز العراق بأحدث محطات توليد الطاقة، وبسرعة تفوق سرعة انطلاق قذيفة مدفع بهاء الأعرجي ؟؟ وانا في بلعومي غُصَصٌ وليس غُصَّةُّ واحدة، ولا أريد ان أودع وانا أجهل الجواب على سؤال نَغَصَ علي حياتي منذ أكثر من عشر سنوات. أعترف اني عجزت في النهاية واستسلمت. ولكن قبل ان أخلد الى النوم ومضت في رأسي. كان توماس أديسون ، مكتشف أول مصباح كهربائي قد عرض مصباحه الأول في مؤتمر صحفي، فقدمه منظم المؤتمر مشيرا الى انه توصل الى اكتشافه بعد ان قام بنحو 2000 تجربة فاشلة.. قبل نهاية المؤتمر سأل صحفي شاب مغرور :
- -أي اختراع هذا الذي تتحدث عنه؟ تتحمل فشل ألفين تجربة كي تصنع لنا هذا المصباح الصغير؟!
- : ابتسم أديسون وأجاب بهدوء الرجل المتواضع، والواثق من نفسه
- أنا يا بُني لم أخطئ 2000 مرة كما تقول. كل ما في الأمر ان الله ألهمني الصبر لأكتشف ألف وتسعمائة وتسع وتسعين طريقة لا نستطيع من خلالها الحصول على الكهرباء!!
منطق قد لا نتفق معه، ولكن من الصعب رفضه أيضا. منطق أديسون هذا جعلني أتأمل بهدوء في أزمة الكهرباء لدينا. تُرى هل هي أزمة حقيقية. ألا يجدر بنا ان نكف عن طرح السؤال الممل : لماذا فشلت الحكومات المتتالية في حل أزمة الكهرباء بالرغم من توفر أهم مقومات النجاح؟ ألا يمكن ان يكون في مثل هذا الطرح غبن كبير للسادة الوزراء وكبار المسؤولين المكهربين؟. ألا يجدر بنا ان نعيد طرح السؤال بصيغة مقلوبة، ونسأل:
كيف نجحت وأفلحت الحكومات العراقية المتعاقبة في ان تُبقي البلاد في أزمتها الكهربائية طيلة هذه الفترة التي تستحق ان تنتزع موقعها المشرف في موسوعة غينيس ؟؟
قد يكون الوقت مبكرا لتقديم جواب وافي، وقد يتطلب الأمر عقد جلسة خاصة لمجلس النواب، الذي يستعد الأربعاء لاستضافة السيد بهاء الأعرجي ودرزينة من الوزراء لمناقشة أسباب أزمة الكهرباء.. لدي اقتراح متواضع: في حالة تعذر التوصل الى جواب بشأن فشلنا في حل الأزمة، عندها يمكن ان يقف رئيس مجلس النواب على رأسه ليطرح السؤال المعكوس عن سر نجاحنا في ادامة الأزمة. هل تعتقدون ان هناك فرق جوهري بين الحالتين؟ ويمكن للسيد رئيس المجلس ان ينهي جلسة الاستجواب بالحدوته المصرية التالية :
يقف رجل كبير السن في طابور الجمعية أملا في شراء وجبة من البامية. الجو حار خانق. الرجل يعاني من صعوبة في التنفس، ثم يهوى على الأرض بلا نفس. تبرع الجيران على حمله الى بيته. احدى الجارات بعد ان مسحت دموعها تودع زوجة المتوفي وتسأل :
ماذا ستفعلين الآن يا عزيزتي ؟ فردت الزجة
وماذا عساي ان أفعل ؟ تجيب المرأة المفجوعة وهي تنتحب. أفكر ان أطبخ الملوخية بدل البامية!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وزير الدفاع الإسرائيلي يتعهد لنظيره الأمريكي بتعاون بلاده في


.. -مارغريت- و-مطر صيف- و-الناموس-.. الدراما الخليجية تروي قصصا


.. من هي أول رائدة فضاء في #الإمارات؟ تعرف على نورة المطروشي |




.. تظاهرات #الموكب_النسوي تناهض #التحرش وتتصدر مواقع #السودان |


.. الحظر_الكلي يتسبب بانقسام آراء الشارع السعودي | #منصات