الحوار المتمدن - موبايل


الدستور والواقع والآمال في العالم العربي !1 من 2

مهند البراك

2005 / 10 / 15
ملف 15-10- 2005 الديمقراطية والاصلاح السياسي في العالم العربي


بعد ان شكّلت الأساطير وحكايات الأولين ووصايا الأجداد والآباء، سواءاً المحفوظة منها في الصدور والعقول او المكتوبة على الواح الطين واوراق النبات، ثم تعاليم الأديان والمصلحين الذين نصروا الضعيف ودعوا الى اخوّة البشر والى تساويهم في اقوامهم، و الى تساوي البشر من كل الأٌقوام، والتي حددت الحقوق والواجبات للأفراد من جهة، ووضعت صيغاً لأساليب التثمين والمعالجة والردع، ومهرت انواع الأحكام بالقدسية والطهارة وبفعل القوى اللامرئية للخير والشر . . التي شكّلت الدساتير الأولى لمجاميع البشر .
ظهرالدستور الحديث على اختلاف تسمياته، سواء كان كقانون اساسي او كلائحة اساسية او بما دعي كقانون القوانين او القانون الأعلى، تلبية لحاجات وآفاق القوى المنتجة الداخلية من جهة، والحاجة الى بناء الدولة الحديثة ووضع حدود منظورة ملموسة للحقوق والواجبات، وتعبيراً عن الحاجة الى صياغة منجزات الفكر ونظرياته الحديثة وتفعيل تأثيرها في المجتمع القائم على الأرض، الذي اخذ يحتاجها ويتطلّبها، ويدعو اليها .
ان اساليب وضع الدساتير ومحتواها وما دعت وتدعو اليه، تنوّعت وتداخلت وتفاعلت على مرّ الزمان بين اساليب؛ المنحة من الحاكم (ملك، سلطان . . ) الذي ملك حق الأسترداد، العقد، أسلوب الجمعية التأسيسية، واخيراً أسلوب الاستفتاء الشعبي . كاساليب تعلّقت بدرجة كبيرة ليس فقط بمفاهيم الديمقراطية ودرجاتها وغيرها من الأمور النسبية، وانما تعلّقت وتتعلّق بالشعب المعني وتراثه وحضارته ودرجة ثقافاته وتطلعاته ومصالح اوسع اوساطه وفئاته وطبقاته، اضافة الى شكل احلامه وسايكولوجيته، وفقاً للمراحل التاريخية الوطنية والأقليمية والدولية التي مرّت وتمر بها الشعوب والبلدان .
ويصف عدد من المتخصصين والقانونيين هذه الأساليب بكونها، تكاد تتدرج في مدى ديمقراطيتها فتبدأ بأسلوب لاشك في عدم ديمقراطيته وهو أسلوب المنحة ثم تأخذ بأسلوب نصف ديمقراطي هو أسلوب العقد وتنتقل بعد ذلك الى أسلوب من أساليب الديمقراطية غير المباشرة وهو أسلوب الجمعية التأسيسية. لتنتهي أخيراً بأسلوب الديمقراطية المباشرة وهو أسلوب الاستفتاء الشعبي .
ويرى البعض إن الأمر يتعلق بتطور تأريخي مرت به نشأة الدساتيرذاتها، ويتعلّق بشكل ومفهوم وتطوّر الديمقراطية ومداه، الأمر الذي لايتناسب بالضرورة تناسباً طردياً مع التطور التأريخي للبلد المعني وفي كل اجزائه . فبعض الأنظمة السياسية السابقة كانت أكثر ديمقراطية من أنظمة لاحقة حكمت نفس البلاد، كما في فرنسا مثلاً فقد تولت الجمعية التأسيسية كتابة دستور 1791 التقدمي في حين ان دستور لويس الثامن عشر سنة 1814 كان عن طريق المنحة.
ومن الجدير بالذكر ان أسلوب العقد في نشأة الدساتير، مثّل مرحلة متطورة قياساً باسلوب المنحة. إذ يُعُد الدستور في هذه الحالة، عقد واتفاق بين إرادتين، إرادة الحاكم من جهة وإرادة الشعب من جهة أخرى، الذي ظهر في مراحل التوازن بين قوتين؛ قوة الحاكم التي دب فيها االوهن ولكنها لم تستسلم او تضمحل، وقوة الشعب التي تعاظمت ولكنها لم تسيطر تماماً. ومن تلك الدساتير، " العهد الأعظم " (Magna Charta) في إنكلترا سنة 1215 الذي قيّد حقوق الملك جون وسلطاته، وثيقة الحقوق في انكلترا ايضاً سنة 1688 (Bill of Rights) بعد الثورة التي قام بها الشعب ضد الملك جيمس الثاني، ودعوته الملك وليم أورنغ لتولي العرش على أساس التزامه بالشروط التي فرضها البرلمان الانكليزي في تلك الوثيقة.
ويعتبر الدستور الفرنسي لعام 1830 مثالاً نموذجياً لأسلوب العقد، فبعد ثورة 1830 تم اجبار الملك شارل العاشر على التنازل عن العرش وأجتمع ممثلو الشعب الفرنسي ووضعوا دستور 14 آب 1830 ودعي الامير لوي فيليب وتُليت عليه نصوص الدستور، فأقسم على الحفاظ عليه. وبموجب ذلك أصبح ملكاً على فرنسا.
من جهة اخرى، فان أسلوب الجمعية التأسيسية، الذي يتمثل في أن ينتخب الشعب جمعية نيابية تنوب عنه ويعهد اليها بوضع الدستور وكتابته . . وحيث يصدر بواسطة ممثلي الشعب المنتخبين، ويعدّه كثيرون من الاساليب الديمقراطية في نشأة الدساتير . . يشير مؤرخون الى انه أميركي الأصل فهو الذي تم اتباعه في وضع الدستور الفيدرالي للولايات المتحدة الامريكية عام 1787 ـ الذي عدل 27 مرة بشكل قانوني منذ تأريخ صدوره وحتى العام الجاري ـ . وقد لجأت اليه فرنسا في اعداد دستور 1848 و1875 ، ثم شاع ذلك الأسلوب بعد الحرب العالمية الاولى. ويصف كثيرون أسلوب الاستفتاء الدستوري، بكونه تطبيقاً لفكرة الديمقراطية شبه المباشرة، لأن الشعب سيساهم في كتابة الدستور بشكل غير مباشر عن طريق موافقته على مسودته المطروحة للأستفتاء .
وعلى ذلك الأساس يرى المؤرخون، ان ظهور الدستور الحديث يشكّل ثمرة وحصيلة صراعات من اجل حاجات قامت من اجلها ودعت لها، الثورات البورجوازية على الأقطاعية، والثورة الصناعية، وكل الحركات التنويرية والأصلاحية والثورية التي رمت الى رفاه وازدهار الأوساط الواسعة للمجتمعات ، والى الحقوق الأجتماعية وتعميقها.
ويرى آخرون انه وليد طبيعي، لأنتصار الأنتفاضات الشعبية في انكلترة، وللثورة الفرنسية العظمى عام 1789 والثورة الأميركية عام 1776 ، من اجل وضع اسس مكتوبة لحقوق وتساوي البشر وواجباتهم . . استمرت فيها محاولات التجديد والتغيير والأضافة، وفق المراحل والظروف المتجددة والحاجات، لصياغة آليات للحكم وبناء مؤسساته، في غمار السعي لأقامة الدولة التي تساعد على تحقيق الأمن والرفاه والسلام لعموم المجتمع بمكوناته، باطلاق طاقاته الأقتصادية والأجتماعية والفكرية والثقافية والروحية الى آفاق اعلى وارحب نحو خير ورفاه، على اساس وثيقة ملموسة يجري التصويت عليها، لتصبح ملزمة لجميع المواطنين، وبعبارة اوضح ملزمة للحاكم والمحكوم .

الدولة العثمانية والدستور :
وفي الدولة العثمانية التي ترك سلوكها وتناسب وعلاقات طبقاتها وفئاتها الأجتماعية، بصمات تركت تأثيراً لايزال مؤثراً سواءاً في التشريع والسلوك او في طبيعة البدائل التي تطرحها الفئات الحاكمة، او في تحديد وكبح درجات الوعي الأجتماعي . . بعد ان تركت بأفولها، اوضاعاً وصراعات من نوع كان يبدو وكأنه جديداً ومن نوع اعلى مما مضى، الاّ ان وقائعه كانت في الواقع مشابهة له في الجوهر في كثير من الأمور والمفاصل الأجتماعية العقدية، حيث ابقت المنطقة في النتيجة النهائية في وضعها التابع السابق . . الأمر الذي اخذ يزداد ثقلاً بتزايد اكتشاف النفط وتزايد عمليات التنقيب عنه وتسويقه فيها، وبتزايد صراعات القوى الكبرى حدة وعنفاً على ساحتها .
ظهر الدستورفي الدولة العثمانية، بعد ان شهدت مشاريع اصلاحية متنوعة، عرفت بأسم التنظيمات الخيرية، التي كانت نتيجة جهود عدد من رجال الدولة البارزين، كالمصلحين مصطفى رشيد باشا ومدحت باشا وآخرين ممن شغلوا منصب الصدر الأعظم ( رئيس مجلس الدولة)، اضافة الى صدور مراسيم سلطانية تناولت مبادئ واجراءات اصلاح في شؤون الحكم والأدارة، خاصة بعد ان تولى السلطان عبد الحميد الثاني الحكم خلفاً لأخيه السلطان مراد الخامس اثر مرض الأخير، وصدور قرار مجلس الوزراء بقيادة الصدر الأعظم، بعزله بناءً على فتوى شرعية، في آب 1876 .
وقد امر السلطان عبد الحميد بتشكيل لجنة لوضع مسودة لمشروع الدستور، برئاسة مدحت باشا بصفته الصدر الأعظم، وكان اعضاؤها من كبار موظفي الدولة وعلماء الدين والعسكريين وعدد من الشخصيات العامة. وانتهت اللجنة إلى وضع هيكل لنظام برلماني على اساس تشكيل مجلسين، هما: مجلس للشيوخ اطلق عليه " مجلس الأعيان"، ومجلس للنواب اطلق عليه " مجلس المبعوثان".
وبانتهاء اللجنة من مهمتها، عُين رئيسها مدحت باشا صدرًا أعظماً للمرة الثانية في كانون اول 1876 ، وقام باعلان الدستور في الوقت الذي تزامن مع افتتاح مؤتمر إستانبول الدولي الذي قررت الدول الأوروبية الكبرى عقده، للنظر في وضع شروط الصلح بين الدولة العثمانية والصرب، وللنظر في شروط أوضاع سكان الولايات المسيحية الخاضعة للدولة العثمانية الواقعة في أوروبا، ولأدخال الإصلاحات المنشودة تحت إشراف الدول الأوروبية الكبرى . . الأمر الذي كان سببًا في التعجيل بإصدار الدستور!
لقد شكّل ذلك فرصة استغلها مدحت باشا للضغط على السلطان العثماني لتبرير سرعة إصدار الدستور، على اساس أن صدوره كان سيجعل الدول الأوروبية الكبرى تكف عن تدخلها في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية، تحت ستار المطالبة بإدخال الإصلاحات في ولاياتها المسيحية في أوروبا، في ذلك الوقت.
وقد تناول الدستور الذي اطلق عليه اسم " المشروطية الأولى " و " القانون الأساسي" ، الذي تأثّر واضعوه بالدستور البلجيكي والروسي في ذلك الوقت . . تناول وضع السلطان وامتيازاته وطرق توارث الحكم، وحدد حقوق السلطان وواجباته، ونصَّ على الحقوق العامة لرعايا الدولة، وعلى التأكيد على مساواتهم أمام القانون بغض النظر عن ديانتهم، ونص على ان لهم كل الحقوق وعليهم جميع الواجبات، وقرر أن الحرية الشخصية مصانة ولا تُنتهك، وكفل حرية العبادة لغير المسلمين .
ونص ايضاً على تساوي المواطنين في التعيين في المناصب الحكومية، بشرط توفر الكفاءة والمقدرة وإجادة اللغة التركية باعتبارها اللغة الرسمية للدولة، واكّد على تجريم انتهاك حرمة المساكن، فلا يُسمح لرجال الحكومة باقتحامها إلا في الأحوال التي يحددها القانون، واكّد على عدم السماح بجمع أموال او ضرائب تحت أية تسمية كانت إلا وفقا لما قرره القانون .
واقرّ الفصل بين السلطات الثلاث؛ فالصدر الأعظم يتولى السلطة التنفيذية، وهو رئيس مجلس الوزراء ويرأس اجتماعاته. أما السلطة التشريعية فينهض بها البرلمان الذي كان يتكون من مجلسين؛ مجلس الأعيان ( مجلس الشيوخ)، يعين السلطان اعضائه، تعييناً مدى الحياة، على ان لايقل سن العضو عن 40 عامًا، وان يكون ممن أدىّ خدمات جليلة للدولة من قبل، وعلى ان لا يتجاوز عدد أعضائه ثُلث عدد أعضاء مجلس المبعوثان. وان يتم اختيار اعضاء مجلس المبعوثان، عن طريق إجراء انتخابات عامة في أنحاء الدولة، على ان يمثل كل نائب 50 ألف فرد من رعايا الدولة (من الذكور)، بمدة عضوية لاتزيد عن 4 سنوات. من ناحية اخرى فأنه كفل حصانة برلمانية لأعضاء مجلس المبعوثان، فلا يجوز القبض عليهم أو محاكمتهم، إلا إذا قرر المجلس بأغلبية الأصوات رفع الحصانة عن العضو.
وان تمارس السلطة القضائية من خلال المحاكم الشرعية المختصة، النظر في قضايا الأحوال الشخصية بالنسبة لرعايا الدولة المسلمين، أما غير المسلمين فتنظر قضاياهم محاكم تعود للملل المعيّنة، الخاصة بالمتنازعين. الى جانبها تختص المحاكم المدنية بالقوانين الوضعية، وقد كفل الدستورصيانة القضاء من أي نوع من أنواع التدخل في شؤونه، واحتفظ الدستور باختصاصات مجلس الدولة المتعلقة باعتباره محكمة استئناف عليها ان تنظر في الطعون المقدمة ضد القرارات الإدارية.
وقد أجريت انتخابات عامة لأول مرة في التاريخ العثماني، أسفرت عن تمثيل المسلمين في مجلس المبعوثان بـ71 مقعدًا، والمسيحيين بـ44 مقعدًا، و4 مقاعد لليهود. وتألف مجلس الأعيان والشيوخ من 26 عضوًا، واجتمع البرلمان رسميًا في آذار 1877 ، بعد حفل افتتاح كبير في قصر " ضولمة باشي" . وقد ناقش مجلس المبعوثان بعض المشروعات، مثل: قانون الصحافة، قانون الانتخابات، قانون لا مركزية الحكم، اضافة الى اقرار الموازنة العامة للحكومة.
. . الاّ ان تلك الحياة النيابية الموعودة لم تستمر طويلاً، حيث أصدر السلطان عبد الحميد قرارا بتعطيل مجلس الأعيان والمبعوثان في شباط 1878، اي بعد 11 شهرًا فقط من تاريخ بدء انعقاده، واستمر ذلك التعطيل بحدود ثلاثين عامًا ! ! الى ان أصدر السلطان عبد الحميد قرارًا بإعادة العمل بالدستور في تموز 1908. (1)
ويرى كثير من الأخصائيين والمؤرخين ان الحجج التي تذرع بها السلطان، من ان الدولة كانت
تتعرض لأطماع الدول الأجنبية، كتحرّق روسيا القيصرية إلى احتلال إستانبول مركز الآرثوذوكسية والى اعادة الصليب على مسجد محمد الفاتح، وان البرلمان كان يتأخر كثيرًا في إعداد المشروعات، وان اعضائه لم يكونوا موحدي الآراء، ليصل الى ان الدولة العثمانية في الظروف التي كانت تمر بها ليست في حاجة إلى النظام النيابي !
يرون انها لم تكن اكثر من ادعات لتبرير تلك الأجراءات القسرية، للحفاظ على عرش لحكم اقطاعي مستبد، منع واعاق كل تطوّر حضاري، وكبح تطلّع الشعوب الرازحة تحت نيره الى الحرية والتقدم والتفاعل مع شعوب ودول العالم آنذاك، ولم تكن الاّ تبريراً لمخاوفه على عرشه من رياح التغيير التي كانت تهب. وان اعلانه عن الدستور لم يكن الاّ لأمتصاص نزوع تقدمي نحو الحرية في الداخل، وللوقوف امام ضغوط خارجية في محاولة لأمتصاصها. اي ان اعلانه لم يكن وليداً لتلبية حاجات داخلية ذاتية كانت تسعى الى التطور، ولا نتيجة لسعي السلطان من جانبه الى بناء دولة حديثة .
حيث لم تكن خلف الدستور قوى اقتصادية واجتماعية فاعلة تستطيع فرضه عليه، كما كان الحال عليه آنذاك في دول اوروبا الصاعدة نحو التصنيع والبحث عن مشاريع جديدة في كل العالم، التي كانت تشهد ظهور وتطور طبقات برجوازية فاعلة، حاربت الأقطاع وسعت الى زيادة الأنتاج والتعليم، والى شق الطرق وبناء الموانئ والسفن، فتح الأسواق، والنشاط والسعي لتحقيق ارباح . . وغيرها من الأعمال والأمور التي كانت تؤدي الى توفر العمل وتحسين الدخل وتأمين زيادة الصرف على العلوم والأبحاث، واوجدت فرصا واسعة جديدة للعمل لأوساط واسعة من مواطنيها، محققة لهم درجات اعلى من الرفاه والوعي والسعادة . . في نفس ذلك الزمان .
ولم يكن السلطان (السلطة الحاكمة) يبغي من الدستور، وضع اسس لبناء دولة حديثة، لخوفه من انفراط حكمه الفردي المطلق من جهة، ولفهمه وفهم حاشيته بانهم هم مالكو البلاد، وان البلاد ليست اكثر من اقطاعية او ارض زراعية عادت ملكيتها لهم، وفق حق الهي مقدّس. الأمر الذي ادىّ بهم الى قمع نزعات التحرر والأستقلال والأنتفاضات التي اندلعت، بالحديد والنار والى اغراقهم ايّاها بالدموع والدماء بلارحمة .
في الوقت الذي كانت فيه الانظمة السياسية في اوروبا المجاورة وغيرها وبعد نضالات متنوعة . . . وخاصة انكلترة، فرنسا بلجيكا، الولايات المتحدة . . تعتبر الدستور هو التعبير القانوني عن شكل نظام الحكم وتوجهاته، الذي تستمد السلطة الحاكمة منه قوتها وشرعيتها، وقد نجحت كل منها عندما اتسمت في مراحل تطورها، باستجابتها لحاجات المجتمع المعني في تجديد النظام السياسي، وتقبلت التعديل ضمن شروط جرى الأتفاق على تحديدها، بناء على توازن القوى المتواجدة او المتصارعة على الساحة السياسية، بما عاد بالنفع لعموم المجتمع. وعلى اساس ان المبادئ النظرية تخدم تلك الحاجات المذكورة لا العكس، وعلى اساس ان تلك المبادئ لا يجري فرضها، وبالتالي تزوير حاجات المجتمع وقمع تطلعاته . . الأمر الذي ادىّ بتكوّنها وتراكمها الى ترسيخ وتطوير مبادئ الديمقراطية عبر الممارسة .
لقد حكمت منطقتنا بعد افول الدولة العثمانية، مراحل جديدة تدرّجت من احتلال واستعمار مباشر وانتداب، الى بناء دول ارتبطت بمعاهدات فرضتها دول عظمى، ثم مراحل جلاء القوات الأجنبية واندلاع انتفاضات وثورات من اجل التحرر والتقدم الأجتماعي، في مناخ الحرب الباردة التي سادت العالم آنذاك، والتي شكّلت منطقتنا فيها احدى ساحاتها الأكثراحتداماً. في وضع تحوّل الصراع فيه، من كفاح وصراع مع (الآخر) الأقطاعي المسلم المستبد الذي استفزّ المشاعر القومية بانواعها ـ اضافة لمشاعر الأقوام غير المسلمة ـ، الى صراع مع (آخر متطوّر) غير عربي ولا مسلم . . استفزّ المشاعر القومية والدينية معاً لتكوينات غالبية شعوب المنطقة، بواقعها الذي ورثته من حكم آل عثمان وبنتائج حكمه التي استمرت طيلة اربعمئة عام .
وعلى ذلك، لايمكن النظر الى اوضاع المنطقة والى فعالياتها وصراعاتها الآن بمعزل عن موروث حكم سلاطين آل عثمان الأوتوقراطي، ولا عمّا تلاه مما يقارب قرناً من السيطرة الغربية المتنوعة الأشكال التي انفرضت ولم يجرِ اختيارها، اضافة الى وجود وتزايد جهود متنوعة لاتكلّ لنزعات تحرر واستقلال وانجازات من جانب آخر في مواجهتها، واحتدام الصراع العنيف للقوى العظمى في المنطقة والشرق الأوسط . . اضافة الى الواقع الشبه الأقطاعي الأبوي، الشبه الرأسمالي، التجاري، الذي استمر تكريسه، والذي لم يُشجّع فيه التطوّر الأقتصادي، بل أُعيق ووضعت العصي في طريق تطوّر البرجوازية الوطنية، التي كانت ولاتزال تشقّ طريقها بمشقة كبيرة متزايدة.
اضافة الى وجود نزعة دعت الى محاولة تكريس ومحاكات مفاهيم تدعو الى قيام دولة عربية اسلامية عظمى وتحديد ورثة لها، الذي كرّسته الدوائر الغربية في مواجهتها للدوائر الشرقية، وترك آثارا ضارة على القوميات والطوائف غير العربية وغير الأسلامية، بدرجات متفاوتة تفاوت واقع الصعيد المحليّ (المناطقي). اضافة الى النشاطات الضّارة التي اتّبعتها الدول المستعمرة الكبرى المهيمنة وتشجيعها لتفريق الصف الوطني بدفع وتشجيع الروح القومية الضيّقة والطائفية المريرة ـ او بأعتمادها على فئة او طائفة ما في مواجهة الأخرى ـ للتغطية على حقيقة الصراعات . . اضافة الى زيادة تكريسها لمفاهيم (البلاد التابعة والتفكير التابع)، وقمعها محاولات الأستقلال الوطني وتحرر الفكر ومحاولات السعي الى التعامل المتكافئ على اساس الفوائد المتبادلة . . الأمر الذي ترك بالتالي آثاره وبصماته على دولنا وبنائها وموقف المواطنين منها، اضافة الى آثاره واضراره على عموم الوعي الأجتماعي ـ السياسي بدرجات متنوعة .
وفيما جلب المحتل والمهيمن معه مفاهيم جديدة وحديثة للأدارة، ومؤسسات لتنظيم الحكم والدولة . . . من برلمان وانتخابات ومفاهيم اخرى جديدة، ودستور ذي نصوص ديمقراطية المظهر والتنظيم ونصوص اكّدت على مبادئ وأسس دستورية متعارف عليها في دول العالم المتحضّر، وحرّكت المجتمع وايقضته من سبات وليل طويل واوجدت حياة برلمانية ولو شكلية جرت في النصف الأول من القرن الماضي . . التي رغم انها استوعبت ونظّمت الواقع القائم آنذاك، وساعدت على تكوين اجهزة ودوائر حكم على طرازاحدث من السابق، استمر في عدد من دول المنطقة الى اليوم، الاّ انها ابقت على مضمون لم يكن يعبّر عن تطلعات اكثرية شعوب ودول المنطقة ومكوناتها الاساسية، في وقت كانت المطالبة فيه بالديمقراطية وتشريع دستور يقره الشعب ويلبي حاجات اوسع الفئات والشرائح الكادحة، تزاد يوماً بعد يوم تبعاً لتنامي الوعي الوطني،القومي، الأجتماعي والطبقي.
حيث لم يستطع الدستور والنظام البرلماني الناشئ آنذاك، ان يعبّر عن صحة التمثيل الشعبي من جهة، وان يضع حلولاً لمشاكل الفقر والبطالة والجهل والمرض وحلّ المعضلات الكبيرة التي واجهتها بلدان وشعوب المنطقة، من جهة اخرى. حتى صارالدستور وثيقة لايدرك معناها وتأثيرها وفعلها، لأنه لم يكن شيئاً ( او وسيلة) يمكن به او من خلاله تغيير شئ . . ولم تستطع الدولة من خلاله التقرّب من المواطن ومساعدته وتقديم العون له، بل استمرت بلعب دور الشرطي المتسلط عليه، ممارسة (ثقافة القهر)، مستسهلة التلاعب بالقوانين، وباستمرارية تركت انطباعات عنها بكونها تلعب دور الخصم للمواطن . . التي تمّ توارثها من الدولة العثمانية، ثم من الأحتلال.
اضافة الى ان المرحلة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية والأنتصار على الفاشية، التي اصطلح عليها بمرحلة انتصارات قوى التحرر الوطني في المنطقة، كانت مرحلة تطور قلق كثير التذبذب، عكست دور ودرجة توازن القوى الدولية آنذاك سواءاً في العالم او في المنطقة ذاتها، وعكست ظروف ودورالحرب الباردة التي اتسمت بالترابط مع وبتغذية صراعات القوى الوطنية الداخلية وتصعيدها . . وادّت الى ظهور وضع لم يسمح المجال فيه للتطور الطبيعي ولتشكيل الشخصية الوطنية المستقلة الحديثة ولم يسمح بظهورها، اقتصاديا وفكريا وثقافيا ونفسيا . .
بعد ان بقيت تتقاذفها القوى الرهيبة العظمى لرأس المال والنفط والعسكرتاريا، مؤدية الى حصول القوى المحافظة التي كانت تنشط تحت واجهات القومية المحافظة والدين والطائفية على دعم خارجي شبه علني، ومؤدية الى زيادة بروز مفاهيم العنف والتعصب وتحقيق الأهداف بالقوة، اضافة الى سيادة احكام الطوارئ تحت واجهات (ثورية) متنوعة، اسفرت عن صدور عديد من الدساتير المؤقتة والمعدّلة، او عن عدم مسّ الدستور الذي تكوّن مع نشوء دول المنطقة وتحديد الحدود كما مر، او وضعه بعيداً على الرفّ كي (لايثير الأمر مشاكل لاداع لها ويحرّك ساكناً) . . اضافة الى تزايد الخوف الذي اشاعه (زوار الفجر) وقسوة الجزمات العسكرية التي قامت بسلسلة الأنقلابات العسكرية ضد ما نشأ من انظمة تحررية او لتشديد القبضة على القوى التحررية ان اقتربت من السلطة . . وبنت اقسى السجون واكثرها رعباً للناشطين السياسيين ودعاة التقدم والتحضّر والحداثة . (يتبع)

10 / 10 / 2005 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) راجع بحث لنفس الكاتب " المجتمعات العربية . . قرن ونصف من الدساتير" المنشور في مجلة
" الديمقراطية " المصرية، العدد 19 ، 2005 . بالعربية والأنكليزية .

1. " تاريخ الدولة العلية العثمانية "/ محمد فريد، بيروت 1983 . " تاريخ الدولة العثمانية " / يلماز أزتونا، إستانبول 1988 - ترجمة محمود الأنصاري .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الخنفساء- من السيارات الأشهر عالمياً| عالم السرعة


.. ليه لا؟ - الحلقة الثالثة والعشرون | وصفة الشيزكيك المالح وال


.. ليه لا؟ - الحلقة الرابعة والعشرون | وصفة -المغربية- مع الشيف




.. انتهاء مهلة سكان حي الشيخ جراح لإجلاء منازلهم


.. انتخابات مصيرية في إسكتلندا وسط مخاوف عن انفصالها عن التاج ا