الحوار المتمدن - موبايل


الديمقراطية في العالم العربي..

نور الدين بازين

2005 / 10 / 15
ملف 15-10- 2005 الديمقراطية والاصلاح السياسي في العالم العربي


الديمقراطية في العالم العربي..
أي حكام.. لأي إصلاحات سياسية..؟
تعد الديمقراطية اللبنة الأساسية في صنع أي مجتمع حداثي، يتوق للتقدم والتطور المؤسساتي، كما أن الديمقراطية بتعريفها اليوم الحاصل في اللغة السياسية هي جوهر الانفتاح والتصالح والحكم بين مكونات مفهوم الدولة.. وهي السبيل الأوحد لتقنين أدوات العمل للحكومات، باعتبارها جهازا يخدم الشعب، وبالتالي فالحكومات تعد في لغة الديمقراطية والحداثيين موظف يتقاضى أجرا مقابل تقديم خدمات للشعب.
لكن، هل استطاع العالم العربي أن يكون فكرة تامة عن مفهوم الديمقراطية، حتى يتسنى له تفعيل إصلاحات تمس عمق الحكم..؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال، دعونا نعود إلى قراءة تاريخ الدول الغربية، والتي تعد المرجع الأساسي والمصدر الوحيد الذي يقتضي به ذوو الخطاب الحداثي في الدول العربية، فيما يخص إشكالية الديمقراطية.. فالغرب رغم ما قيل عنه في تفعيل هذه الكلمة اليونانية، ورغم التاريخ الطويل في التجربة المؤسساتية المتقدمة، يبقى هو الأخر لا يفعل الديمقراطية بكامل أدواته، وبما أن هذا الغرب الذي يعد مرجعا للدول العربية في موضوع الديمقراطية، فهو لا زال لم ينتج مفهوم ديمقراطي يرضى عنه الجميع في مجتمعاته، بالتالي فإن الغرب وخصوصا أمريكا استغل سقوط المعسكر الشرقي وسقوط الاتحاد السوفيتي سنة 1989 لتعلن في نفس السنة وبالضبط في مؤتمر يالطا عن النظام العالمي الجديد، وهكذا نادت بدمقرطة العالم العربي، محدثة فوضى كبيرة وسيبة لم يعشها العالم من قبل، على إثر القرارات التي اتخذتها بعد هذا الإعلان، ليجد العالم بأسره أنه أمام قوة شريرة ووحيدة يدبرها لوبي صهيوني في العمق.
فكيف نفسر ما يحدث الآن في العراق الذي يعيش مصيبة كبيرة..؟ وكيف لا تحاسب إسرائيل على جرائمها في حق الشعب الفلسطيني العربي.؟ وكيف يعقل أن تحاسب دول عربية وإسلامية على امتلاكها لسلاح النووي ويحلل على الدول العربية وإسرائيل وأمريكا..؟
وهل الدول العربية الإسلامية أمام نظام أحادي الجانب، فيه الدول الصناعية( الثمانية الكبار) تحدد الخطوط الحمراء للدول الضعيفة الغير المصنعة، المستهلكة والتي تمثلها الدول العربية، رغم أنها تملك سلاح النفط..؟ وهل نتحدث عن ديمقراطية الدول العربية، أم دمقرطة الدول العربي..؟
بعد سقوط الاستعمار، واستقلال الدول العربية، نادت قوى حية بعد ذلك، بتأسيس مؤسسات الدولة الحديثة، و إقامة إصلاحات سياسية جوهرية للدولة، لكن هذه النداءات جوبهت بردة فعل عنيفة من طرف لوبيات كانت محسوبة على القوى التحررية في العالم العربي..
فمثلا عندما نال المغرب استقلاله، نادت مجموعة من الوطنيين، بإصلاحات سياسية وتأسيس الدولة الحديثة، وكان من أبرزهم الشهيد المهدي بن بركة والمرحوم عبد الرحيم بوعبيد والمرحوم عبد الله إبراهيم والمرحوم الفقيه محمد البصري، لكن اطروحاتهم الحداثية لقت معارضة كبيرة من طرف التيار المحافظ في حزب الاستقلال حتى تبقى الامتيازات في يدها، واتهمت القوى الحداثية بالخيانة وحبك المؤامرات ضد الشرعية، ليبقى لهم الميدان فارغا..ونتائجه هو ما نلامسه الآن في مؤسسات الدولة ، بحيث نجد أن الكراسي الحساسة ، في يد مجموعة من أبناء اللوبي المحافظ الذي واجه الديمقراطيون بعد الاستعمار ونيل الاستقلال الغير التام.
ورغم أن الضغوطات الخارجية قادرة على إقامة أنظمة ( ديمقراطية) في العالم العربي، فإنها تبقى ناقصة، أو بنسبية تخدم مصالحها ومن يخدمها، مثل اللوبي المحافظ في الدولة المغربية المتمسك في اقتصاد البلد، وكذلك النظام المصري الحالي، بحيث دعمت أمريكا حسني مبارك بصورة مفضوحة جعلته على كرسي الرئاسة ضدا في القوى الحية التي ناضلت من اجل عدم إعادة انتخابه رئيسا مرة سادسة، وبالتالي فالضغوط الخارجية قادرة على إقامة أنظمة عميلة في العالم العربي تناسب مخططاتها الاستعمارية، ويتجلى كذلك في النظام الأفغنستاني.
ولايمكن بأي حال من الأحوال أن نصف ما فعلته أمريكا في العراق، واخص بالذكر يدها الماثلة في كتابة دستور يؤسس لإقامة دولة دينية وحكم رجال الدين، فهذا المعطى هو بمثابة حركة انفلاتية ومخرجا للقوات الاستعمارية ( أمريكا وبريطانيا) من ورطة ومصيبة العراق، كما أن المسمى بالدستور العراقي، هو دستور صوري وشكلي ومنزل من طرف أمريكا وبريطانيا، وهذا ما رفضته التيارات المكونة للنسيج السياسي بالعراق، اعتبارا أن هذا الدستور، لا يخدم العراق، وهذا معطى آخر يؤدي إلى أن أمريكا لها نية مبيتة في تنزيل هذا الدستور، بمعرفتها المسبقة أن هناك تيارات سياسية سترفضه وبالتالي ستكون هناك حربا أهلية في العراق، وهذا سيكون المبرر الوحيد الذي سيشفع لأمريكا ويعطيها الشرعية للخروج من العراق، ولتحقيق صياغة دستور جديد للعراق، كان لابد لها أن تستعمل فيه تيارات دينية لكي تجمل صورتها أمام العالم العربي والإسلامي.
أما قوى اليسار والتحرر فهي تنظر إلى هذه الادعاءات التي تبشر بها الدول الغربية، بأنها إصلاحات سياسية مشبوهة، تحدد سياسة القطب الوحيد الذي تتزعمه أمريكا.. وهناك قوى يسار أخرى تحبذ تدخل هذه الدول الخارجية لفرض نظام ديمقراطي داخل الأول العربية، لكن يبقى الإشكال المطروح من الناحية الثالثة، هو أن القوى اليسارية التي تناضل من اجل العدالة والمساواة والديمقراطية، برامجها عقيمة، بحيث تٌنظر وتطرح أفكارا بعيدة كل البعد عن خصائص الشعوب العربية، وهذا ما يجعل هذه الأخيرة لا تتجاوب مع الأطروحات والنداءات التي تحركها هذه القوى اليسارية مثل ما حصل في مصر أخيرا.
إذن من هذا المنطلق الذي تكتنفه لبسات، فإن كل القوى اليسارية والتحررية، وفي ظل التفتت والتفكك الحاصل لديها، داخل كل الدول العربية، فإن مردوديتها تبقى ضعيفة نتيجة الصراعات بين القوى اليسارية نفسها، والصراعات بين التيارات المكونة للفصيل الوحيد داخل أجهزته، فالمطلوب الآن هو إعادة الإصلاح الداخلي لكل القوى اليسارية، وأولها التشبيب والديمقراطية الداخلية للتنظيم.
إن نظرة قوى اليسار والتحرر إلى ادعاءات الديمقراطية والإصلاح السياسي هي نظرة تحكمها الظروف الآنية والمصلحاتية، وأن كل ندءاتها تبقى غير مؤثرة وصورتها غير واضحة المعالم، وهذا ما يجعل الأنظمة الاستبدادية في الوطن العربي، تعرف بعمق خصمها جيدا، ومدى فعاليته وقوته بين الشعب، وتحاوره بالاحتواء مرة، ومرة أخرى بالقمع.
فوجود نظام ديمقراطي في الوطن العربي، لابد له أن يزيح غطاء التخلف على جميع المستويات، وهو كذلك يعني وجود حرية التعبير وحرية الصحافة، وكرامة العيش، وهذا لا يتأتى إلى بالتحرر الاقتصادي، وهو ما تحتاجه الدول العربية..
فالتحرر الاقتصادي يعني التحرر من قبضة الغرب الاستعماري، لأن وجود اكتفاء ذاتي للعرب سيمنح توجهات أخرى ومصادر قوة أخرى.. وهذا لا يفسره إلى غياب الدول العربية عن تمثيلية في مجلس الأمن، وكذلك غياب القرار العربي في الشؤون الدولية.
إذن وجود نظام ديمقراطي في الدول العربية، يعني تحرير الاقتصاد العربي من سياسة الغرب، وهذا ما لاتبغيه الدول الغربية ولا تريده مطلقا.. وإذا وجد نظام ديمقراطي، سيؤدي بنا لا محالة إلى الارتقاء بحقوق الإنسان، وإلى عيش كريم، يحقق العدالة الاجتماعية والتنمية البشرية الحقيقية.
ببساطة كلامية، مادام أن الدول العربية، تخضع رقبتها إلى الدول الغربية، فإن أي مطمح تحرري اقتصادي، سيكون مآله الفشل، ولن يكون هناك تقدم في مجال حقوق الإنسان، ولا عيش كريم سينعم به الإنسان العربي.. وهذا الحلقة التي رسمتها الدول الغربية للعرب، هي منبع ما يعيشونه من تخلف وفقر وأمية، وكراهية بين الشعوب العربية.
للغرب سياسته التي ينتهجها عند كل حالة دولة عربية، وأمريكا هي الأخرى لها سياستها في تكريس أي وضع يراد له أن يكون مساهما في تأخير الدول العربية، حتى تأمم قبضتها جيدا على سياسة هذه الدول، وهي لا تعرف معنى الصديق أو الحليف، فكل العرب لديها سواء، ومن الصلح لها أن تبقي أي وضع مترد ترسمه، فمرة تبشر بتدخل باسم الديمقراطية، مرة من اجل الإنسانية، مرة من اجل الحرية.. وكيف يكون ذلك معكوسا، وهي التي صنعت الأنظمة العربية الديكتاتورية وصبغتها بحماية مثل ما فعلت مع النظام المصري، وكذلك حلق تنظيمات إسلامية، كمليشيات تحتاجها عند الحاجة، وهذا ما فعلته مع تنظيم القاعدة..
لايمكن لأي تيار إسلامي أن يصل إلى الحكم، من خلال صناديق الاقتراع، حتى وإن أراد له الشعب ذلك، وفي هذا الصدد نعيد لتذكير تجربة جبهة الانقاد في الجزائر.. ويمكن له الوصول في حالة وحيدة، هي الانقلاب العسكري، أو بما يسمى الثورة الإسلامية( ايران)، ولا يتأتى ذلك إلا بمباركة أمريكا( ايران نموذجا).. ولكن الملاحظ في هذا الصدد هو التيارات الإسلامية لا تحتوي على مشروع ديمقراطي، وحتى أن وجد فدعائمه تكون غير مبنية أو هشة..
ومادام أن هناك رؤساء دول عربية صاروا ملوكا، نتيجة طول الفترة التي دام فيها حكمهم، فإن الحديث عن الإصلاحات السياسية في العالم العربي هي إصلاحات منسباتية، وهي في بعض الحيان مطلبا غربيا، يعتبر في صميم اللغة دمقرطة تلبس لباس التهديد للزعماء العرب حول بقائهم في كراسي الحكم.
لدى نرى أن دخول أمريكا ومعها بريطانيا، إلى العراق، هو مسلكا لا ينتهج الدفاع عن الشعب العراقي، وإنما الدفاع عن مصالحها والتحكم في النفط وحماية إسرائيل، وهذا الأسلوب تنتهجه الآن مع سوريا بذريعة خرق حقوق الإنسان، وتعامل به هذه الأيام السودان، وفيما قبل عمل به الرئيس ريغن مع ليبيا، وأمريكا هي التي تخلق المشكل بين المغرب والجزائر، فهي مرة تسلح الجزائر ومرة تسلح المغرب، ومرة تخطب رفقة الجزائر ومرة أخرى تميل إلى المغرب، والحصيلة توتر يهدد المنطقة بكاملها، والهدف من ذلك هو الإبقاء على عدم التوازن والتوتر بين البلدان العربية لصالح مصالح الغرب.
ويبقى المسعى التي ترنو إليه الدول الغربية وأمريكا هو عدم الاستقرار لأي دولة عربية أو إسلامية، لأن هذا اللاستقرار هو الطعام الذي تقتات منه الدول الغربية وأمريكا وكذلك إسرائيل، ومعها عملائها في السلطة القائمة على الشعوب العربية.
وما دام أن هذه الأخيرة لا تملك السلطة في تقرير اقتصاديتها للتقدم، والخروج من التخلف والفقر، تبقى أي بادرة للإصلاح، هي بادرة غير سليمة ومشكوك في أمرها، وهي كذلك ضحك على الذقون.
إن الإصلاحات السياسية التي تعبر عنها الأنظمة العربية، إنما هي ( ردة) فعل متباينة، تعكس ولوج حكام العرب إلى لعبة أنتجتها سياسة أمريكا بتواطؤ مسبق معهم، وهي ملامسة لواقع عربي متدن ومتسلط، لا يخضع لضوابط الارتقاء المعيشي للشعوب العربية، وأن هذه الإصلاحات إنما هي وسيلة خداع يرتكبها الغرب على الأمة العربية، وهي مؤامرة واضحة المعالم حبكت بعناية لتجميل صورة الغرب وأمريكا لاحتواء غضب القوى الحية داخل الدول العربية، مع اتفاق مسبق وبشروط تخدم مصالحها.
كما أن هذه الإصلاحات هي عبارة عن ( موضة العصر السياسي الحالي) ولايمكن أن تنجح إلا بإنتاج شرعية شعبية، تنتخب مؤسساتها بمصداقية حقيقية ودون تزوير لإرادتها بنسبة عالية تصل إلى 99.99 % أو بالمقاطعة تصل نسبتها الخجولة والمحتشمة إلى 13% من المشاركة الشعبية من مجموع 70 مليون من الساكنة.
والإصلاحات السياسية العربية، تبتدئ خطواتها الأولى، بإزالة صورة الزعماء العرب المبجلين من شوارع وأزقة المدن العربية، وعند دخول وخروج المدينة، ومن هنا تبدأ الخطوة الأولى للإصلاحات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الانتخابات الليبية.. ومحاولات العرقلة | #غرفة_الأخبار


.. إثيوبيا عازمة على التعبئة الثانية لسد النهضة موسم الأمطار ال


.. أزمة الحكومة اللبنانية.. ومصير المبادرة الفرنسية | #غرفة_الأ




.. الهلال الأحمر الفلسطيني: ارتفاع إصابات مواجهات الأقصى إلى 20


.. شاهد.. مشاركة العسكريات الروسيات في استعدادات للعرض العسكري