الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عن التفريعة و التبعية و أشياء أخري (1)

راجي مهدي

2015 / 8 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


اليوم تم افتتاح التفريعة الجديدة لقناة السويس ، المشروع الذي ثار حوله جدل واسع زاد من صخبه تلك الجلبة التي يُحدِثها اليمين المصري بجناحيه المدني والديني . المدنيون اليمينيون رأوا أن المشروع معجزة بكل المقاييس ، فمن يتابع إعلامهم - بارعون في صناعة الوهم- قد يصيبه الغثيان ، الدعاية فجة ، يفوح منها الكذب و النفاق ، خاصة حين تدرك أن هؤلاء الذين حملوا لواء الزيف هم أنفسهم من كانوا يدعون لإطلاق الموت في صفوف من خرجوا كي يسحقوا مبارك و عصابته . أما اليمين الديني - الفاشي بصرف النظر عن رغبات التروتسك - فقد رأي أن المشروع برمته وهم ، كذبة صنعها ما يسمونه "إنقلابا " . إن إنكار الواقع هو دينهم الحقيقي ، فقد أطلقوا الرصاص علي عبد الناصر في المنشية ، ثم أنكروا ، . يحرقون مصر منذ عامين ثم يتبرأون . لا جديد في الأمر ، و لن يكون هناك جديد ، الفاشية و الكذب وجهان لعملة واحدة .

ان كلا المعسكرين و كما ندرك ، لا خلاف جوهري بينهما ، ان الخلاف هو خلاف علي إدارة عملية نهب مصر ، عملية سحق الفقراء الجارية منذ سنين في هذا الوطن . فلنترك إذن الحديث عنهما، ولنتحدث من هذا الموقع الذي أنحاز إليه ، من وجهة نظر الماركسية الثورية . أن ننظر للأمور بشكل جذري ، ننظر للأشياء من موقع الحالمين بمستقبل متناقض تماما مع هذا الروث الذي نحيا فيه . الروث الذي هو بالضبط التشكيلة الرأسمالية .
ولنبدأ من التفريعة الجديدة ، يبدو حقا أننا بصدد إضافة هامة لطاقة القناة ، لإمكانياتها كمصدر هام للعملة الصعبة ، القناة بإعتبارها تساهم بجزء هام في الميزانية العامة للدولة . مشروع أنجزته الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بكفاءة معتادة منها . إنها آخر ما يعمل بكفاءة في هذا الوطن - لا نتوقع إستمرار تلك الكفاءة طويلا . التفريعة اذا إنجاز تم تناوله من زاوية حجمه ، للتغطية علي جوهر القضية ، جوهر الوضع في مصر . إن السؤال الذي يجب أن يثار حقا ليس عن حجم الإنجاز ، بل إلي جيوب من ستتوجه عائدات الإنجاز ؟ ألم أقل أن البرجوازيون صناع جيدون للوهم ؟ إن الرخاء المنشود وهم ، كوهم توشكي و أوهام أخري كثيرة . إن مشروع التفريعة و ألف مشروع آخر أكثر ضخامة تنفذه الرأسمالية المصرية لا يمكنه أن يغير حقيقة نعيشها ليل نهار ، هذا ليس وطن الفقراء ، إنه وطن الأغنياء ، وطن من خانوا أحلامنا . إن المشروع لن يغير حجرا في البنية الإجتماعية في مصر . المجتمع الطبقي المنحط باقي .
إن هؤلاء الذين يتشدقون ليل نهار بالوطن عليهم أن يكونوا واضحين ، وطن من أيها السادة الحاكمين ، أي شعب أيها السادة ؟ نحن90 مليونا ، منا من يموتون في المستشفيات التي كفت عن أن تقدم خدمات صحية لمن يدخلونها ، منا من لا يجد قوت يومه ، منا من يحيا في العشش الصفيح ، منا من يموت علي الحدود مقاتلا . هذا هو الشعب الذي أعرفه ، و هو لا يمكن أن يتساوي مع من تصالح مع اليهود وباع القطاع العام ، وخرب تعليمنا وصحتنا و تاجر بأوجاعنا ،وبكي كالنساء في إتفاقية فض الإشتباك الأولي دون أن يحرك ساكنا لإنقاذ النصر الذي يضيع بل و قبض الثمن ، لا يجوز أن نتحدث عن الشعب و الوطن بهذا الإبهام .
ان التفريعة ليست لنا كما هي القناة الأم ، كما هو كل شئ في هذا الوطن . و لا نظن أن اليمين الديني الذي خسر أعز ما ملك في صيف 2013 يقاتل من أجل إعادة أملاكنا إلينا ، لا بل إنهم يقاتلون من أجل أن يفوزوا بنصيبهم في الكعكة ، إنهم يشككون في ذات المشروع الذي يرون أنهم أحق بأرباحه . فخراج هذه الأرض كان يجب أن يؤول إلي الحاكم بأمر الله ، خليفته ف الأرض ، و ها نحن شعب العصاة قد أسقطنا دولة الخلافة ، لا بأس ، نحن سعداء اننا أسقطناها . إن الأمر الأهم أن الفقراء سوف يستولون علي القناة بتفريعاتها بعائداتها في يوم من الأيام . و لكن هل القناة بتفريعتها بعائداتها ، بكل المشاريع من نفس النوعية هي ما ستخلق مستقبل هذا الوطن البائس ؟ الطفيليين سوف يجاوبون بنعم ، نعم و ألف ، فالكمبرادوري يسعي إلي ربح سريع . أما لا فخليقة بهؤلاء الذين يمتلكون وجهة نظر لبنية تحتية مختلفة ، ليست مختلفة فقط عن الإقتصادات الطفيلية في بلدان العالم الثالث التابعة ، بل مختلفة أيضا عن الرأسماليات الغربية الأكثر تطورا .
إنني من هؤلاءالمؤمنون بالقطاع العام و تدخل الدولة في الإقتصاد بالتخطيط وضبط الأسواق و تحديد أسعار الصرف ، تلك وجهة نظر قد تصيب السيدة كريستين لاجارد و بقية مسؤولي صندوق النقد والبنك الدوليين بالسعار ، عذرا ، لقد نسيت أنهم مسعورين بطبعهم . لقد كان في العالم طريقين .. ذاك الذي أؤمن به ذكرت ملامحه العامة ، أما الطريق الآخر ، فإن الواقع كفيل بأن يذكر معالمه و يذكر محصلته النهائية . طريق الصندوق و البنك ، روشتة الليبراليين .
ان القضية أكثر عمقا من تفريعة القناة ذاتها ، قضايا التنمية و التبعية و نمط الإنتاج لاتحسمها تفريعة قناة في وطن شبه مستعمر إمبرياليا . لقد ناضلت مصر في الخمسينيات و الستينيات لفك خيوط تبعيتها بالإستعمار ، تبعيتها الإقتصادية التي هي العامل الأساسي و الحاسم في التبعية السياسية . ناضلت مصر من خلال التصنيع الثقيل ، الذي لا تقوم به سوي الدولة ، 1200 مصنع بناهم عبدالناصر بالتعاون مع السوفييت ، مجانية التعليم ، قطاع صحي مجاني ومتطور . كل هذه كانت مجرد خطوات أولي في انتشال مصر من وحل التبعية الإقتصادية للغرب . لقد سعي عبدالناصر خلال مرحلة كاملة من التحول نحو تشريك الإقتصاد ، مرحلة كانت مليئة بالإنجازات والنكسات ، و لكنها في النهاية كانت ذات مضمون طبقي لا تكذبه عين . إن العداء للإستعمار لا يمكن أن تكون البرجوازية الكبيرة هي حامله الإجتماعي ، و من السخف الإدعاء أننا في مرحلة تحرر وطني في ظل دولة هي مرتع للبرجوازية البيروقراطية و إقتصاد طفيلي تتحكم البرجوازية الكبيرة فيه بالكامل ، اي أن علاقات الإنتاج و الملكية لا يمكنها إلا أن تؤدي إلي تبعية مطلقة ، إنبطاح تام ، لا تنهيه ألف تفريعة كالتي افتتحت اليوم .
و الحقيقة أن سلسلة التحولات التي قادها أنور السادات - عميل الغرب في مصر - أدت إلي أنه في 2015 تواجه مصر موقفا غاية في التعقيد ، جماعات فاشستية تقاتل من أجل تفتيت هذه الأرض و إسقاط الدولة ، بعد أن قادتهم أحداث يناير إلي حكم مصر ثم سقطوا في هبة يونيو . و قد كان وصولهم إلي الحكم أساسا نتيجة لهذه التحولات التي قادها الرئيس المؤمن ، حيث أدي صعود الطفيلية إلي حكم مصر بالتحالف مع بيروقراطية الدولة إلي سياسات الإنفتاح الإقتصادي و تدمير اقتصاد الدولة و الحد من دورها الإجتماعي والإقتصادي ، أدي كل هذا إلي خلق بيئة حاضنة للتطرف الديني المصنوع صنعا . فقد أدي الإنفتاح إلي الزج بملايين وملايين من المصريين إلي هوة الفقر السحيقة ، وتدنت الخدمات بما جعل الناس يفقدون كل أمل في الحياة ، و راجت المثالية الفلسفية و سيطرت الميتافيزيقا ، الي الحد الذي أصبحت دولة السادات ذاتها راعية للتطرف و تجنيد مرتزقة للقتال في أفغانستان ، كما تم تدشين التحالف مع السعودية برعاية الولايات المتحدة و أمرها . و لا يخفي علي أحد أن السادات أطلق أيدي الإخوان الفاشست في العمل لمواجهة الماركسيين و الناصريين ، لقد تهيأت كل الظروف كي تنمو تلك الجماعات نموا سرطانيا في الجسد المصري . و بعد اغتيال السادات و تولي مبارك ، تم تدشين مرحلة أكثر يمينية ، في ظل تراجع درامي لدور اليسار علي المستوي العالمي . وسيطرت في مصر الرأسمالية العقارية و توحشت عمليات خصخصة القطاع العام ، و توغلت أيدي المؤسسات الدولية في مصر لتطبيق أجندة الليبراليين الجدد ما فاقم الأوضاع الإجتماعية بشكل لا مثيل له . و تواكب مع ذلك ، تصحر للحياة السياسية في مصر نتيجة ما مارسته الأجهزة الأمنية من قمع غير مسبوق ، قمع ممنهج لضرب كل القوي الوطنية وتفكيكها و محاصرة قواعدها . و حين تفاقمت الأوضاع و خرج الناس إلي الشوارع في يناير 2011 لم يكن أمامهم سوي الإخوان أو الجيش كقوي منظمة ، بينما انعدمت الخيارات الشعبية الحقيقية نتيجة سنوات القمع و التجريف .
إن الرأسمالية لا تستطيع أن تحيا بدون الفاشية الدينية ، أولا لإبقاء ضحاياها تحت تهديد دائم كما فعل مبارك ، و ثانيا لأن رجال الدين المزيفين هم الوحيدين القادرين علي إقناع الفقراء بأن صبرهم علي هذا الظلم الفادح جزاؤه الجنة ، إقناعهم بأن عدم الحقد علي الأغنياء ، و العمل من أجل زيادة ثرواتهم و مراكمة أرباح لا تعد هو السبيل لدخول الجنة ، و هكذا فإن هذا التحالف الدنس بين الرأسمالية و الكهنوت هو أحد سبل الرأسمالية لإطالة عمرها ، لنجاتها من أزمتها الخانقة .
ان مصر غارقة في الوحل ، و قد كفت عن أن تكون دولة ذات سيادة منذ ان تخلت عن إرادتها في إنهاء تبعيتها وسلمت زمامها لطبقة خائنة بطبعها ، طفيلية بتكوينها ، تابعة بفطرتها . ها نحن نجد صدي تفاهتها كل يوم يتردد ، اقتصاد يعتمد بالأساس علي أنشطة غير حقيقية ، غير انتاجية ، و يكفي ان السياحة و دخل قناة السويس يشكلان أكبر بنود الميزانية . تلك الطبقة أثبتت و بما لا يدع مجال للشك أن دورها التاريخي قد انتهي ، ان لا مكان لها في مستقبل هذا الوطن . فحين حاول عبدالناصر ادماجهم في سنوات أواخر الخمسينيات ، من خلال مجموعة تشريعات محفزة ، رفضوا أي مشاركة فعالة في إنشاء قاعدة صناعية ثقيلة ، و توجهوا إلي الأنشطة ذات الربح السريع ، مقدمين درسا في الوضاعة لا يجب أن ينساه الشعب المصري . ضف علي ذلك أنهم جلبوا لمصر -في عهد الردة الساداتي - خليطا ثقافيا غربيا و صحراويا في آن ، كرسوا التبعية الإقتصادية و السياسية بتبعية ثقافية . فقد كان شائعا انبهار السادات بنمط الحياة الأمريكي ، بالإضافة إلي ما فرضته الضرورة من حاجة الي نموذج رجعي شكلا و موضوعا ، كان حامله السياسي تنظيمات الفاشية الدينية بما حملته من أفكار تلائم فقط البدو و تخلفهم . و ساد النمط الإستهلاكي في الثقافة كما في الإقتصاد ، و ظهر ما سمي في تلك الفترة بأفلام المقاولات ، تشوهت كل معالم المشروع الذي بدأه عبدالناصر ، وبدلا من إحلال الواردات ، أصبحت مصر مستوردا لكل ما تحتاجه و مالا تحتاجه . فرضوا علينا فرضا تدمير ثقافتنا و صناعتنا ، بيع كرامتنا علي بلاط السيد الأمريكي لليهود . منذ ذلك الحين كفت مصر عن أن تكون دولة ، وساد فيها منطق العصابات . تحولت الدولة المصرية إلي نادورجي يحمي سادة النهب و يتقاسم معهم غنائمهم .تحولت إلي سوط يلهب ظهور الفقراء حين يجأرون بالشكوي .
و حين تبنت الإمبريالية خطة تفتيت المفتت ، إسالة المنطقة ، وجدت جنودها الذين تم إعدادهم سلفا و وجدت واقعا خصبا . دولة مشلولة مهزومة ، و تنظيمات معادية لكل ما هو وطني ، لصالح كل ما هو طائفي . الزيت و النار . و لا يمكنك إخماد النار بدون تجفيف الزيت .. هكذا هو المنطق . و لكن حين تسلم توافق ٣-;---;-----;---٠-;---;-----;--- يونيو السلطة ، ساد منطق آخر . منطق لا يخدم سوي الرأسمالية المصرية و سعيها للوصول إلي جيوب المصريين ، إلي العرق الذي تحت جلودهم .
فالذي حدث أنه تم تحييد من نافسوا القطاع المدني في البرجوازية المصرية ، تم تحييد تنظيمات الفاشية -مؤقتا طبعا ، فالمصالحة قادمة لا محالة - هؤلاء الذين حلموا بالأرض الخراجية و ماتدره من أموال ، هذا هو أصل الموضوع . قطاع الحزب الوطني يستمسك بالخراج كاملا ، يجني الجزية من دمائنا وحده . نفس ما كان يحدث من سنين ، و لم يكن ما حدث في يناير يحمل عظات كثيرة كي تخشي الرأسمالة المصرية بقطاعيها الإستمرار بذات السيناريو ، ان هذا غير وارد أساسا . فيناير كان اساسا نتاج صدع في الجناح البرجوازي المدني مكّن الجناح الديني - بترتيبات أمريكية طبعا - من الوثب علي السلطة بمساعدة البرجوازي طنطاوي و مجلسه الشهم . ان هذا غير وارد الآن ، لا هذا الصدع أصبح موجودا - تواري هؤلاء الذين أرادوا الإنتقام من عز و مبارك الصغير بعد وقاحة انتخابات 2010 و ما حدث فيها من فرز داخل صفوف الطبقة ، هؤلاء من أمثال رامي لكح ، الذين كان مغضوبا عليهم - ولا الفاشية قادرة علي التحرك في المستقبل القريب بعد الضربة الأمنية الموجعة منذ يونيو 2013 و هي ضربة تاريخية و مؤثرة قدر تأثير الضربة الجوية في حرب أكتوبر - هذا بالإضافة إلي ان القوات المسلحة بقيادتها الحالية ستظل متحفظة ضد أي تحرك يهدد الإستقرار الحالي ، الكاذب بطبيعة الحال . أما عن الجماهير فستظل فاعلا مفعول به طالما لم تنتج طلائعها الثورية .
و الحال ، ان السلطة الحالية ليست متجانسة ، عدم التجانس ليس مصدره اختلاف في الموقف الطبقي ، انه خلاف في التكتيك ليس الا . جماعة الحزب الوطني تضغط من أجل إستعادة صيغة ما قبل يناير 2011 ، مع اتخاذ احتياطات أمنية تضاهي قسوة الإجراءات الإجتماعية التي تذبح فقراء الوطن في هذه الآونة . أما جماعة المؤسسة ، فإنهم ليسوا ضد فكرة رفع فواتير الكهرباء علي المواطنين ، ولا في معدل الزيادة ، انهم فقط ضد أن يتم ذلك دفعة واحدة او علي دفعات متسارعة ، خوفا من انزلاق الموقف . و هم يسعون بإجراءات تشبه ما تقوم به الجمعيات الخيرية الي تلطيف أثر السعار الرأسمالي . و لا يبدو أن هناك صراعا حادا بين الجماعتين ، و ان كان جماعة المؤسسة أقل ميلا للمصالحة . بل يبدو أن جماعة المؤسسة هي من تعارض إبرام هذه المصالحة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التلفزيون السوري: عملية الإنزال الأميركية في القامشلي أسفرت


.. نواب بالمعارضة الجزائرية يلوحون بالسعي لطرح تصويت بسحب الثقة


.. الرئيس التركي يقول إنه قد يلتقي بنظيره السوري بشار الأسد عند




.. المجلس العسكري في بوركينا فاسو يعين إبراهيم تراوري رئيسا جدي


.. مدرسة تشيكية توزع الأغطية على طلابها بسبب أزمة الطاقة