الحوار المتمدن - موبايل


مهمّات ثوريّة أمام اللبنانيين

خليل عيسى

2015 / 8 / 30
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي



في الوقت الذي تلتهب فيه المنطقة العربية بحرائق ومشاريع استعمارية تقسيميّة، إيرانية أم غربيّة، وفي الوقت الذي يقع فيه لبنان في قلب هذه المشاريع، حيث لا ينبغي ولا يمكن أن ننسى أنّ حزب الله اللبناني هو أداة استعماريّة إيرانية، تعمل في قلب هذه الديناميكيّة الهائلة من سورية حتى اليمن، باتت النخب النيوليبرالية-المافياوية الحاكمة، ومن ضمنها حزب الله، كما تيار المستقبل وتيار ميشال عون، والبقية التي تنقسم كلها ظاهرًا إلى "8 و14 آذار" في كثير من عناوينها المُعلنة، ولكن التي تتفق فيما بينها، عمليًّا وواقعياً، على استدامة الوضع الكارثي الذي يعطّل عمل القانون والدستور والمحاسبة، حيث تزدهر مشاريع النهب وتجنيد المليشيات الاستعماريّة والسرقة والسطو على أملاك الدولة والمواطنين قائمة على قدم وساق، والتي باتت كلها تحكم البلاد، تحت أعذار مختلفة من خلال سلطة انقلابيّة، من دون مجلس نواب دستوري، ولا حكومة دستورية.
بكلمة أخرى، إن نخب "14و8 آذار" الحاكمة متواطئة الآن، وستتواطأ جميعها ضد أيّ عمليّة خرق سياسيّة، تواجه مشروع ديكتاتوريتها الأوليغارشية-المافيويّة، بخيارٍ ثالثٍ متكاملٍ، ألا وهو الخيار الديمقراطي الوحيد الحقيقي في لبنان، بالمعنى الأصلي للديمقراطية الاجتماعية: خيار أن تكون ضدّ تحالف "14و8 آذار" السلطوي الذي يؤّدي إمّا إلى تهجير الناس، بحثًا عن العمل والحياة الكريمة، أو إلى إرسالهم إلى سورية غزاة لشعبها، ويحرّروه من نفسه في الزبداني، كمليشيات طائفية. إنّ التحرّك الشعبي الذي يجري الآن في لبنان، والذي أشعلته فضائح التحاصص المتبادل حول مسألة النفايات، وأدى إلى ابتزاز اللبنانيين، الذي عليهم أن يقبلوا بالسطو على أموالهم العامة أو أن يرتضوا العيش بين أكوام النفايات، بعد أن مُنعوا من حقهم في الانتخابات، وفي مشاريع الموازنة، وفي تحقيق الأمن وفي المحاسبة، أي إنّه لم يعد أمام اللبنانيين سوى خيار وحيد أوحد، هو العمل السريع على تجميع وبلورة خط ثوري خارج "14و8 آذار"، وضد هذه الثنائية، في الوقت نفسه.
لكن، هناك عنصر أساسي، يفتقر إليه الحراك المذكور، وهو فائق الأهميّة، وهو الوقت، ولا ينبغي أن نغفل فهم ذلك أبدًا: موضوعيًّا الأخطار الخارجيّة والداخليّة الأمنية حقيقيّة. وهنا، لا أعني الإشكالات التي لا تتورّع هذه السلطة عن إشعالها، عمدًا هنا وهناك، وهذه أيضا ممكنة. الأخطار الحقيقيّة مرجّح أن تزداد بسرعة (اقتراب تنظيم الدولة الإسلامية من الحدود في جوسيّة، المعارك العسكريّة في مخيّم عين الحلوة، نيات إسرائيل العدوانيّة تجاه لبنان)، خصوصا مع تخبط السلطة وعدم قدرتها على فهم كيف يتحرّك العالم من حولها، بالإضافة إلى حس اللامسؤولية "الميكونوسي" الصفيق، لدى وزرائها ونوابها، والذي يصل إلى الصفة الجُرميّة. ذلك كلّه يجعل لزامًا على الديمقراطيين اللبنانيين أن يعملوا بإحساس بالمسؤولية أعلى بكثير من السلطة التي يصارعونها، والتي يجب أن نجعلها تنصاع للقوانين والدساتير، وأن تمتثل لقوانين اللعبة الديمقراطية للدولة البرجوازية الرأسمالية "العاديّة"، والتي بذل مناضلون لبنانيون كثيرون سابقًا من أجل محاولة ترسيخها، وذلك في الوقت القصير الذي نملكه.
يجعلنا ذلك كله في سباق حقيقي مع كل ما يحصل من حولنا، ويجعل مهمتنا التي تصل إلى المصاف الثوري التالية: إجبار السلطة على العودة إلى العجلة القانونية والدستوريّة، والدفع لجعل النظام الدستوري يعمل بوقت قياسي، وليس الكلام الشعبوي عن "إسقاط النظام"، والذي لا يؤدي إلى شيء عملاني. والطريقة الوحيدة التي أراها هي الدفع بالمطالبة بالانتخابات النيابيّة، بأسرع طريقة ممكنة، ولو بقانون أعوج كالقانون الانتخابي الحالي، من دون الدخول في ترّهات الجدل حول القانون الانتخابي، لأنّ ذلك سيؤخّرنا كثيراً، ونحن الآن لا نملك هذا الترف، خصوصًا أنّ هذه السلطة تلعب لعبة التسويف ببراعة كبيرة: إذا حصلت الانتخابات، مهما كان القانون، نستطيع، حينها، أن نكوّن لوائح تمثّل الحراك الشعبي الحاصل في كلّ لبنان، واستغلال هذه الفرصة التاريخية السانحة التي وصل فيها تعبير الناس عن غضبهم ضد السلطة إلى مستويات تاريخيّة من تحقيق خرق نيابي. وبالتالي، إكمال العمل الثوري بعدها مع حظ كبير في الحصول على "حزب ثوري" (أو أحزاب) في المجلس النيابي خارج "8 و14 آذار".
من أجل أن يكون للحراك تأثيره الحقيقي، يجب أن يكون كلّ ما يحصل فوق "8 و14 آذار" معًا، جهرًا بكل قوة وكلّ ثقة: أي أن لا تكون هناك أي مغمغة من المنظمين، من أجل منع دفع الحراك في أحضان "8 آذار" (أقلام اليسار "النبوخذ نصّري" تجنّ، وهي تريد تحويل الحراك مطيّة بيد حزب الله وأقرانه للتصويب الكلامي على "14 آذار"، أو يصبح الأمر كله "مؤامرة أميركية")، أو محاولة بعضهم في "14 آذار" تلزيم الحراك برنامج عملهم (أي انتخاب رئيس جمهورية من مجلس نيابي فاقد دستوريته)، وإلا لتحوّل الحراك إلى "مؤامرة على وسط بيروت والسوليدير"، في تناغم مثير للسخرية مع أبواق "8 آذار"، و لا ننسى حزب "العونيين" الذي تباكى كالأطفال بأنّ الديمقراطيين "سرقوا شعاراته" الديمقراطيّة، بينما كان ميشال عون يعيّن زوج ابنته رئيساً للتيار بالتزكية، والذي كان يقول عن عمّه هو الآخر بأنه "الرئيس الأبدي للتيار"!
لذلك، تكتسب هنا تحديدًا لاطائفية الحراك المعلنة أهمية قصوى. وبالتالي، الواجب الأول هنا هو الحفاظ على النقاء الثوري للحراك، وهو القوة الوحيدة الحقيقية التي بيديك في وجه نظام نهب وتهجير عمره أكثر من 70عاماً، سيستميت في الدفاع عن نفسه. وهذا يعني، تحديداً، إيجاد خيار سياسي آخر، جاد، غير مهادن، غير "14 و8 آذار" معًا، وعلى كلّ الملفات بلا أيّ استثناء، ولو بقيَ الأمر، في هذه اللحظة، على مستوى النيّة السياسية التي هي حكماً قاصرة عن التحول إلى فعل سياسي بين ليلة وضحاها. بهذا المعنى، يشكّل التحرّك منصّة لاستثمار فرصة تاريخيّة كهذه، إذا ما تحلّى المنظمون بنفس سياسي طويل، لا يقتصر على وهم تحقيق كل ما يريده الناس من بضع مظاهرات: وبهذا المعنى، الهدف هنا من مقولة الانتخابات، بأي قانون مهما كان، هو رمي كرة النار، البرلمان غير الدستوري، إلى يدي السلطة، وجعلها تقرّر ما عليها أن تفعل، فمهمتك، كديمقراطي ثوري، ليست أن تجد وتتبرع للسلطة بالحلول، بل بالعكس، عليك أن تضعها أمام مأزقها لتقدم التنازلات إثر التنازلات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أزمة لبنان.. انهيار يهدد بانفجار -الأمن غذائي- | #غرفة_الأخب


.. بايدن يشكل لجنة خبراء لإصلاح المحكمة العليا | #غرفة_الأخبار


.. نشرة الصباح | التحالف: تدمير مسيّرة مفخخة أطلقتها الميليشيات




.. فيديو: هكذا كشفت مصر النقاب عن مدينة الحرفيين التي يفوق عمره


.. السيد فليفل: إثيوبيا فشلت في جميع الجولات السابقة ولا يوجد م