الحوار المتمدن - موبايل


الانتحار العربي في سماء نيويورك

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2015 / 9 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


بعدما ضاقت الأرض بأحلامهم المستحيلة، وحشروا متوارين عن أنظار الاستخبارات وسط الأدغال وفي كهوف الجبال النائية، لا يستطيعون العيش عيشة طبيعية، طبيعتهم هم التي يحلمون بها وسط أحياء الحواضر العربية، أصابهم اليأس؛ تدريجياً تحول اليأس إلى غضب، غضب من كل شيء ليس منهم؛ ثم الغضب إلى كراهية، كراهية لكل ما ليس منهم؛ ثم تدريجياً أيضاً تحولت الكراهية إلى حقد، والحقد إلى عداء، عداء مضمر أحياناً ومعلن أحياناً ضد كل ما ليس منهم ومثلهم. وحيث كانت أحلامهم هي في الحقيقة لا شيء، مجرد وهم، صبوا عدوانهم ضد كل شيء حقيقي وملموس، حتى ضد أبدانهم أنفسهم. كانت النتيجة أن حولوا أنفسهم إلى قنابل فتاكة تستهدف التدمير، تدمير كل شيء حي وقائم وحقيقي ومحسوس.

فريق الانتحاريين التفجيريين العرب المتجه إلى سماء الولايات المتحدة في مثل هذا اليوم من عام 2001 كان بحق سفيراً موفداً من الثقافة العربية غير الرسمية إلى العالم القائم برسالة تدمير شامل. الثقافة العربية الحالية هي في الواقع ثقافتان، واحدة رسمية سائدة على مستوى الأنظمة الحاكمة والنخب الداعمة لها وأخرى غير رسمية تفترق مع الأولى في أكثر مما تلتقي معها. فمع عدم انتماء أي من أفراد هذا الفريق الانتحاري بصلة أو علاقة مباشرة بالأنظمة الحاكمة العربية ونخبها، إلا أنهم كانوا جميعاً في الوقت نفسه بمثابة الزعماء الأبطال والمخلصين لقواعد شعبية عربية عريضة من خارج دوائر الحكم والنخبة. هؤلاء في الحقيقة هم الزعماء الشعبيين غير الرسميين.

تعود جذور الفصام الثقافي العربي إلى حقبة تحرر شعوب المنطقة من الاستعمار الأجنبي بكافة صوره خلال النصف الأول من القرن الماضي. في ذلك الوقت لم تكن توجد مجتمعات عربية موحدة ومتجانسة بما يمكنها من إنتاج ثقافة عربية متوافقة وصحية، كما لم تكن توجد دول عربية مركزية قادرة على رسم حدودها السكانية وغرس وتنشئة ثقافة وطنية داخل حدودها الاقليمية. كل ما كان قائم طوال مئات السنين السابقة على تلك الحقبة كانت مجرد جزر سكانية تنمو حول وداخل حواضر منعزلة عن بعضها، كل منها لها أميرها ومنظومتها الثقافية المحلية المصغرة الخاصة بها من باطن منظومة الحكم والثقافة الاستعمارية الأكبر، كالتركية العثمانية مثلاً.

الثقافة من دون استقلالية الحكم مثل الجسد بلا رأس. هذا تقريباً كان مصير الثقافة العربية التي قد ظلت تنمو وتتراكم منذ مئات السنين على مستوى تجمعات سكانية مبعثرة ومن دون أي رأس سياسي عربي من نفس الثقافة، يلملم هذا الشتات الثقافي في كيان صحي وخلاق ومنتج يستطيع أن يحمي نفسه وأن يواكب عصره وينافس مع ثقافات غيره. هكذا قد بقيت الثقافة العربية طوال أكثر من ألف عام قبل التحرر من الاستعمار منزوعة الرأس السياسي العربي، الذي لم تسترده ثانية إلا قبل بضع عشرات السنين فقط. في غياب الاستقلال السياسي يمكن تسمية التنوعات والتشوهات الثقافية السائدة أي شيء، عدا أن تكون ثقافة صحية ناضحة قادرة على إشباع وجدان أبنائها وتوجيه طاقاتهم للعمل والإنتاج، والسعادة.

فحين تتمسك ثقافة ما تمسكاً أعمى بأن إلاهها واحد أحد لا قبله ولا بعده؛ لغتها محفوظة في لوح مقدس قد خصها خالق الكون لساناً وحيداً له؛ نبيها سيد الخلق أجمعين؛ أنعم الله عليهم بالجنة وحدهم بينما بقية البشر إلى الجحيم مهما كانت أعمالهم وفضائلهم على البشرية؛ سخر لهم الكون بكل ما فيه لينعموا بترف كسول وأحمق بخيراته ومبتكراته التي لم يسهموا فيها بمعرفة أو جهد يذكر؛ وسوف يكافئون على قتلهم الآخرين بوحشية بالخلود في أحضان حور عين، عذارى لم يسبق لهن ممارسة الجنس مع أي من الإنس أو حتى الجان! مثل هذه المعتقدات المشوهة لا يمكن أن تكون أبداً منتجات ثقافة حقيقية وصحية؛ فلأنها قد نشأت وتراكمت تحت الاستعمار وفي غياب أنظمة حكم ونخب عربية مستقلة، هي في الحقيقة هلوسات ثقافية. هي عرض لمرض فقدان الاستقلال السياسي العربي وحرمان المجتمعات العربية من النخب المحلية الرديفة لأنظمة الحكم طوال أكثر من ألف عام متصلة.

بهذه الهلوسات الثقافية طار فريق الانتحاريين العرب من كهوف أفغانستان إلى سماء نيويورك. الهدف كان محدد سلفاً: أكبر قدر ممكن من القتل والتدمير، ثم التوضؤ تمهيداً لمضاجعة عذارى حور العين المتمددات على الأرائك في انتظارهم!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - misconception
كامل حرب ( 2015 / 9 / 11 - 16:24 )
كون الاسلام مرض اجتماعى ابتلى به العالم منذ اكثر من الف عام كارثه بدون شك , هذا هو تاريخ الاسلام الدموى فى كل الدول المنكوبه والتى ابتلت به , يوجد اعتقاد خاطئ يقع فيه جميع المثقفين العرب والميديا العربيه المتخلفه القاصره الا وهو ان ضرب مبنى التجاره العالمى تم بواسطه الارهابيين المسلمين واستخدام الطائرات اداه لذلك لهو خطأ فادح ,هذه العمليه كانت غايه فى التعقيد والحرفيه والمهاره لاتتواجد ابدا مع مثل هؤلاء الارهابيين الجهله القاصرين عقليا وخبره وتقنيه واداره بدائيه ,فى تقديرى الشخصى ان اميركا هى من قامت بهذا العمل الاجرامى واستخدمت هؤلاء الارهابيين ووضعتهم فى فم المدفع بينما المخطط الرئيسى بدون جدال هو اداره بوش الارهابيه ,كان المجرم بوش يريد اى ذريعه للانقضاض على العراق واحتلالها ونصحه مستشاريه بهذه العمليه المعقده لكى يحتل العراق ويسرق بتروله, اكيد يوجد فى اليوتوب فيديوهات عديده جدا من امريكان وبعض العاملين فى وكاله المخابرات المركزيه نفسها ,كلهم اجمعوا ان العقل المدبر لهذه العمليه هى اميركا نفسها ,تأكيدا لهذا فأن المدعو محمد عطا كان على علاقه وثيقه بوكاله المخابرات المركزيه


2 - الإنتحار
ناس حدهوم أحمد ( 2015 / 9 / 12 - 14:31 )
الناس تفكر بعقولها والعرب يفكرون بمؤخراتهم . إذن هذا التفكير لن ينتج إلا الوسخ والهمجية والهلوسات المرضية والظلام والجهل والفوضى والسيبة وهو ما يحدث الآن بالفعل فقد إنفضح هذا الفكر الظلامي المشوه كما قال الكاتب . وأصبحت هذه الأمة موزعة بين الضياع والتشرد والقتل والهمجية واللصوصية والظلم وهلم خراءا . ومع ذلك لا زال بيننا من يتغنى بالجنة وحور العين والغلمان والخمور إنها أفكار الصعالكة . والعرب ليسوا غير هؤلاء الصعاليك الذين يعيثون فسادا في الأرض . وعندما يتحدثون سواء المثقفون منهم أو البسطاء . فعليك أن تسد أذنيك تجنبا للقرف والغثيان .

اخر الافلام

.. نشرة خاصة على فرانس24 حول تقرير مقتل الصحافي السعودي جمال خا


.. تغطية خاصة: ما الذي تضمنه التقرير الأمريكي حول مقتل خاشقجي و


.. ناصر جابي: -الجزائريون مصرون على تحقيق مطالبهم التي لم تتحقق




.. اليمن: حصيلة ثقيلة لعدد ضحايا المعارك بين الحوثيين وقوات الح


.. ليبيا: عقيلة صالح يزور المغرب ويعلق على منح الثقة لحكومة دبي