الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


وعد بلفور والدور البريطانى

جمال ابو لاشين
(Jamal Ahmed Abo Lasheen)

2015 / 10 / 31
القضية الفلسطينية


وعد بلفور والدور البريطانى
دراسة موجزة
بقلم / جمال ابو لاشين


بدأت علاقة بريطانيا بالمسألة اليهودية في عصر الثورة على الملكية (1649 – 1660 ) وقد
كان الانفصال الكنيسي عن روما, والتحول الى البروتستاننتية في انجلترا قد مر عليها حوالي القرن, ولم يكن الصراع الديني قد حسم بعد, وأخيرا وبعد أن استقرت الكنيسة البروتستانتية في بريطانيا بلا قلق أو صراع حول دورها ومستقبلها , أخذت تدفع بوجودها العالمي الى مناطق جديدة, وتتحسس دورها في عودة المسيح لأرض الميعاد "فلسطين" , ومع نهاية القرن الثامن عشر أصبحت تلك الأفكار جزء من ثقافة بريطانيا المتوجهة بكل قوة نحو الحوض الاسلامي بعد خسارتها مستعمراتها في أمريكا , وبعد أن كانت بريطانيا تميل لمساندة الروس في صراعهم مع الاستانة , أصبحت تنظر لهم كمنافس خطير.
ومع قرب نهاية القرن الثامن عشر دخلت فرنسا على خط الأطماع البريطانية , ودخل نابليون في حملته المشهورة عام 1798 تحركه طموحات فرنسا بقطع طريق بريطانيا للهند, وتحويل المتوسط لبحيرة فرنسية , إلا أن بريطانيا حركت أسطولها بقيادة نيلسون, ودمرت السفن الفرنسية في معركة أبي قير على شواطئ مصر.
وكان من نتائج تلك المعركة بان عقدت بريطانيا اتفاقية مع الاستانة تضمن فيها لندن أملاك الامبراطورية العثمانية لثمانية أعوام قادمة ضد أي غزو خارجي, وخلال تلك الفترة كانت تتعالى أصوات الدوائر الاستعمارية البريطانية تدعو بريطانيا بوضع حد لفرنسا ومنعها بأي شكل من الأشكال من السيطرة على المتوسط أو احتلال فلسطين, خوفاً أن تكون فرنسا هي" أداة الله" في رجوع اليهود لأرض الميعاد والتعجيل بعودة المسيح.
أثارت حملة نابليون في بريطانيا مزيد من الاهتمام بالأرض المقدسة , فتأسست في لندن "رابطة فلسطين" عام 1804 للتشجيع على الاكتشافات والبحث في بلاد الكتاب المقدس , ومواقعه, كما أدخلت المشرق العربي الى قلب الصراع الدولي.
وفي عام 1807 تأسست في بريطانيا "الجمعية اللندنية" لنشر المسيحية بين اليهود والفكرة هو أن أعتناقهم للمسيحية سيعجل من عودتهم لفلسطين تمهيداً للظهور الثاني للسيد المسيح وقد ترأس الجمعية شافتسبري وهو نائب بريطاني ذو اتجاه بروتستانتى انجليكاني , ومن المعارضين لدمج وانخراط اليهود في المجتمعات الأوروبية وكانت معارضته مبنية على أن اليهود غرباء في كل العالم ما عدا "فلسطين" مقنعاً الساسة والشعب البريطاني أنه ورغم احتقارهم الخفي لليهود فعليهم أن يدركوا أن خلاصهم مرتبط بخلاص شعب الله القديم.
مما سبق نجد أنه حتى بدايات القرن التاسع لم يتقدم أي من اليهود أو نخبة منهم لحمل لواء العودة الى فلسطين بل بقت فكرة العودة تنقصها المادة البشرية التي ستحققها , في نفس الوقت كانت الحركات الاستقلالية في الشام قد بلغت أوجها مع ضعف الامبراطورية العثمانية وزاد التدخل الاوروبي خاصة بريطانيا وفرنسا في بلاد الشام ومصر .
وقد رأت بريطانيا لتحقيق مصالحها التالي:
1. أن مشروع الاستيطان اليهودي يتطابق مع أهداف الحفاظ على الدولة العثمانية وهذه سياستها منذ قرون.
2. أن هذا الجسم العازل بين مصر والمشرق سيمنع بالتأكيد إمكانية ظهور أي حركات تنزع للانفصال, وهذا ما استنتجته بعد أن تبين إمكانية تحويل مصر لقوة رئيسية في الحوض الإسلامي والتي ظهرت في محاولة محمد علي للتوسع.
3. رؤية بريطانيا أن تدخلها لحماية اليهود في فلسطين سيجعل لها دوراً موازياً للدور الفرنسي في حماية الكاثوليك والدور الروسي في حماية الأرثوذكس, وذلك حتى يحين وقت التفاهم الدولي النهائي على مستقبل الدولة العثمانية.
موقف اليهود من صراع ما بعد محمد علي :
لم يكن حتى تلك اللحظة رغم نسج الخيوط اللازمة للمشروع, أي تحرك ذو أهمية لليهود, وخصوصاً في أوروبا الغربية , والتي تميز اليهود فيها عنهم في شرق أوروبا.
حتى شافتسبري نفسه حذر بالمرستون من الاعتماد على يهود فرنسا, وبريطانيا, وألمانيا في تنفيذ المشروع أو جمع التبرعات له, فقد كان يرى مادة المشروع في يهود أوروبا الشرقية الأكثر عدداً ومعاناة.
ولعل الشخصية اليهودية البريطانية التي أبدت في تلك الحقبة اهتماما بموضوع إسكان اليهود في فلسطين, كان السير موسى مونتيفيور الذي غلب على إهتماماته الطابع الخيري بلا أبعاد سياسية أو قومية, كما حصر نشاطه باليهود القاطنين في فلسطين آنذاك, وعددهم حسب ما ورد على لسان ويليام يونغ نائب القنصل البريطاني في فلسطين والمتحمس لمشروع التوطين لا يتعدى 9690 نسمة "مقسمين لقسمين:
أ‌- رعايا الدولة العثمانية ولا يمكن لأي دولة أجنبية التدخل بهم.
ب‌- رعايا غير متمتعين بالمواطنة في السلطنة العثمانية ويمكن لبريطانيا التدخل بشئونهم.
ومع اقتراب منتصف القرن التاسع عشر, كانت المادة البشرية من اليهود الصهاينة لتنفيذ المشروع غير متوفرة, لذا إتسمت تلك المرحلة بنشاط مكثف لشعراء, وروائيون, وقساوسة, وضباط, وموظفو شركات استعمارية ودبلوماسيون, كلهم شاركوا في إعادة صناعة اليهود وأسبغوا عليهم صفة (الأمة, والقومية اليهودية) وهذا مسار معاكس للتاريخ, كما عملوا على إثبات الحق الديني والتاريخي لليهود بفلسطين مزيفين التاريخ والحقائق, والمفارقة العجيبة أن من بين هؤلاء جميعاً لم يكن هناك يهودي واحد.
لذلك واصلت الأفكار الغربية الاستعمارية تنمو في أحشاء أوروبا بعيداً عن التأثير اليهودي الحقيقي والفعلي, تحركها أطماعها في المشرق العربي.
ومما يجعل الأمر هاماً وخلاقاً ذلك الاعتقاد بأن بريطانيا تؤدي وظيفتها التي ألقاها عليها القدر, وإذا تجاهلنا قليلاً عوامل الاقتصاد, والرسالة الحضارية العرقية المزعومة, فالناظر للامبراطورية البريطانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يجد أن خطوطها جميعاً تتقاطع على أرض مصر والتي جعلها التاريخ أيضا واسطة العقد العثماني, ولم يكن ممكناً لحراس الإمبراطورية العثمانية بعد تجربتي نابليون ومحمد علي أن يروا أمن مصر مفصولاً عن خاصرتها الشرقية فلسطين.
وبذلك ثبت أن الصهيونية ليست فقط أوروبية الجذور فكراً بل فكراً وممارسة فلبست الأطماع الاستعمارية ثوب الدين أحياناً, وأمنها الاقتصادي أحياناً أخرى في وقت كان التحضير لصناعة أمة يهودية يجري في الغرب دون كلل ، والتركيز على تشكيل قومية يهودية تكون مادة مناسبة للهجرة هو دافع الدول الاستعمارية حيث المراهنة على نجاح تلك التجربة أكثر مايؤرق مطامعها .

أصل الفكرة الصهيونية:
تبلورت الفكرة الصهيونية في حاضنة الأفكار الاسترجاعية (إسترجاع فلسطين) وهي هرطقات فكرية تطرح فكرة عودة اليهود إلى فلسطين أرض ميعادهم حسب زعمهم بحيث أن المسيح المخلص سيظهر بعودتهم, وقد انتشرت تلك الأفكار في المناخ الحضاري الأوروبي منذ القرن السادس عشر قرن "الصراع بين الدين والدولة" وترعرعت في الأجواء السياسية التي سادت أوروبا خلال القرن التاسع عشر (أجواء الامبريالية و الرأسمالية) خصوصاً بعد العام 1870م.
والصهيونية صاغت منطلقاتها الفكرية, وسبل ووسائل تجسيد مشروعها العملي مستغلة الترابط الناتج عن المسألتين اليهودية والامبريالية من جهة والاستعمار من جهة أخرى ،ففي الشق اليهودي وظفت الصهيونية الفكر الاسترجاعي بطابعه اليهودي العبثي لتطرح نفسها الوسيلة لإخراج اليهود من أزمتهم المتفاقمة داخل المجتمعات الاروبية .
وفي الشق الامبريالي الاستعماري طرحت نفسها سبيلاً لتذليل العقبات الناجمة عن الهدف الامبريالي في تطويع شعوب المنطقة العربية لاملاءاته عبر إقامة مشروع استيطاني يشكل مركزاً إقليمياً مناهضاً لحركة شعوب المنطقة في مواجهة الغزو الامبريالي.
جوهر الحركة
وسنتحدث هنا في نقاط حول جوهر تلك الحركة وكيف سارت عكس التاريخ والجغرافيا السياسية لتحقيق الأهداف التوسعية الاستعمارية وفي ذلك يمكن القول:
1) الصهيونية حركة مفتعلة ومفبركة, وكان لابد من التمويه على الجوهر فيها بمزاعم, ومقولات زائفة سواء من ناحية المضمون في فكرها السياسي (الدولة القومية تحل المسألة القومية) أي إنشاء دولة لليهود يحل موضوع شتاتهم وهذا لن يتم إلا على حساب الأخرين وسيؤدي بالضرورة لتجسيدها في الواقع عبر الاستعمار الاستيطاني الذي سبقته إليه أوروبا.
2) برزت الصهيونية كظاهرة مصطنعة لم تتوفر لديها الشروط والمقومات الكيانية للادعاء بأنها (حركة قومية) تسعى لإقامة دولتها القومية, وتحقيق السيادة عليها, على الرغم من إدعائهم المتواصل بأن اللاسامية نفسها من الأسباب التي دفعت اليهود على الدوام للتقارب والتماسك وحفزتهم للحفاظ على هويتهم القومية وهذا منافي للحقيقة إذا ما إضطلعنا على نمط حياتهم في أوروبا بشقيها الغربي والشرقي وهذا ما سنأتي على ذكره.
وقد ظهر الصهاينة وكأنهم يريدوا إثبات أن الصهيونية كانت النتيجة الطبيعية لتطور اليهود واليهودية, وأنها الحل الصحيح والأمثل لما يسمى المسألة اليهودية.
3) بناء على ما تقدم كان لابد للصهيونية أن تسير بعكس التاريخ والجغرافيا وأن تعتمد في ممارستها العملية أسلوب التآمر السياسي والديبلوماسي وأن تستغل لأبعد الحدود التناقض بين القوى المختلفة لتمرير مشروعها ذو الطبيعة المزدوجة (اليهودية الإمبريالية).
4) وكان أن تكون النتيجة مقارنة بالقوميات الأخرى أن الدعوى الصهيونية بوجود قومية يهودية ليس إلا ضرب من البدعة, لأنه تنقصها أهم مقومات الحركة القومية (الشعب الموحد والأرض المحددة), فهم مشتتين في أنحاء العالم ولم يربطهم تاريخياً سوى العقيدة الدينية مع وجود مذاهب متعددة بينهم كالأرثوذكس, والإندماجيين, والتوفيقيين..الخ.
آلية تطور الفكر الصهيوني
في مسار مخالف تماماً لنشوء الدول القومية, تحركت الصهيونية بدلاً من "إعلان السيادة", في مسار آخر تبحث فيه عن شعب تُسبغ عليه صفة الأمة, ومن ثم عن أرض تجمع فيها بين الشعب والسيادة وبهذا تبلورت الفكرة الصهيونية خارج الشعب والأرض.
لذا كان طبيعياً لحركة مفتعلة تدعى الحق التاريخي, وتسير عكس المفاهيم السائدة مشوهة إياها في خطابها السياسي أن تعمل بطرق مختلفة "كالتآمر والدسائس والعنف الفاشي حتى على اليهود أنفسهم" لتحقيق أهداف الصهيونية.
فدعت لعدم إمكانية إندماج اليهود في مجتمعاتهم الأصلية حتى لو أدى الأمر لتهجيرهم قسراً بالقتل والمذابح لإرغامهم على استيطان فلسطين.
وبالنتيجة نجد أن الوعي الصهيوني الزائف للمسألة الصهيونية, أدى بالضرورة إلى طرح الحل الزائف لها.
لذلك اتخذت الصهيونية آلية عملها بناء على هذا الطرح, وساعدتها في ذلك مطامع أوروبا حتى تمكنت من أن تجد مادتها البشرية (اليهود) وأن تطور لديهم فكراً جديداً نحو الاستيطان.
في الوقت نفسه رفض مجلس المندوبين ليهود إنجلترا الاقتراح الذي تقدم به الكولونيل تشارلز تشرشل (1814 – 1877 ) لتوطين اليهود بفلسطين حيث أن منتصف القرن التاسع عشر شهد ظهور "اليهودية الإصلاحية" التي أكدت على مفهوم الاندماج في المجتمعات التي يعيشون بها, وعلى رفضها فكرة العودة إلى فلسطين رفضاً تاماً.
كما عقد مؤتمر فرانكفورت الشهير عام 1845 والذي حذف فيه من كتب الصلوات جميع التوسلات للعودة إلى أرض الآباء, وإحياء الدولة اليهودية لكن وأمام إلحاح رعاة الفكرة الصهيونية لوحظ بداية للتقارب بين (الصهاينة غير اليهود والجماعات اليهودية), وبدأت تظهر الجماعات البروتستانتية المتطرفة التي تؤمن بصياغة (مسيحية متهودة), وتنحو منحى أصولي. رغم ذلك بقى التفكير في مادة المشروع الصهيوني البشرية هي الشغل الشاغل, بمعنى من سيحول الإمكانية لحقيقة.
وإذا ما علمنا أنه في ذلك الوقت استولت الطبقات المتوسطة والبرجوازية على السلطة في أوروبا الغربية, وطرحت أفكاراً ليبرالية واضحة المعالم جندت خلفها كل الطبقات والفئات والأقليات المضطهدة, ونادت بحقوق الإنسان, وطبقت مثل الديمقراطية, نستطيع الفهم لماذا تحديث اليهود في غرب أوروبا قد نجح وساعد في ذلك عدة أسباب منها:
1) قلة عدد اليهود في غرب أوروبا.
2) عدم تميز يهود غرب أوروبا وظيفياً أو مهنياً أو اقتصادياً فغيابهم خلال القرن السادس عشر وعودتهم فيما بعد للغرب الأوروبي الذي حقق في تلك الفترة نمواً تجارياً لم يسمح بأي تهديد رأسمالي يهودي حقيقي.
3) كانت المثل المتحكمة في المجتمع منفتحة وأصبحت لا تفرق بين المواطنين على أساس ديني أو عرقي أو أثني رغم بعض التجاوزات.
ورغم محاولات اليهود في شرق أوروبا التأقلم مع مطالب (روسيا وألمانيا و بولندا) لهم بإعادة صياغة هويتهم بما يتفق والولاء القومي الجديد, إلا أن عملية التحديث تلك تعثرت في مجتمعات شرق أوروبا وروسيا التي ضمت بداية القرن التاسع عشر أكبر تجمع يهودي في العالم.
يقول المفكر الصهيوني (أحاد هاعام) وإسمه الحقيقي (آشر غبزبزج) 1856- 1927 والذي اهتم بالجانب الأخلاقي والثقافي في حركة بعث القومية اليهودية لتأثره بحياة الجيتو التي عاشها شرق أوروبا, وهي حياة ولدت لديه شعور معادي للعالم الخارجي "إن اليهودي الشرقي لم يتعرض بمفرده لأضرار الخروج من الغيتو ولكن اليهودية أيضاً تعرضت معه للخطر, فإحتكاك اليهودية بالثقافة العلمانية أدى إلى ضرورة البحث عن وسائل جديدة للدفاع عن اليهودية وإن خروجهم من الغيتو سيفصل اليهودية إلى أكثر من يهودية لكل منها شخصيتها وحياتها المختلفة".
من ذلك نستطيع الفهم أن الخروج من الغيتو شكل خطراً حقيقياً ومشكلة كبرى لليهود عثرت بالمقابل إمكانية تحديثهم في الشرق الأوروبي.
ويمكن تلخيص أسباب تعثرهم في التالي:
أسباب تعثر التحديث شرق أوروبا
1- الأسباب العامة وأهمها :


‌أ- سرعة معدلات النمو الاقتصادي في تلك المجتمعات, مما لم يسمح للأقليات اليهودية بالتأقلم مع النظام الجديد.
‌ب- عملية التحديث والدمج كانت تتم تحت إشراف الدولة بجهازها البيروقراطي المتخلف, والمتعصب دينياً, والفاسد أخلاقياً.
‌ج- لم تنتشر الديمقراطية وتسود في مجتمعات شرق أوروبا كما هي في غربها.
‌د- اصطدمت حركة عتق اليهود بتحرير الأقنان (1860) والتي وفرت عمالة رخيصة في المدن بحيث سدت سبل العيش أمام اليهود وضيقت رقعة الأرض الزراعية المتوافرة.
‌ه- سيطرت فكرة الشعب العضوي على يهود شرق أوروبا, وهي فكرة ألمانية ترى أن الإنتماء القومي ليس مسألة إختيار أو إيمان, وإنما هو رابطة كلية عضوية تكاد تكون بيولوجية بين الفرد والجماعة التي ينتمي إليها.

2- الأسباب الخاصة :

‌أ- تخلف الأقليات اليهودية شرق أوروبا حضارياً, فمئات السنين من الغيتو أبعدته عن التحولات العظيمة, وحتى خروجه من الغيتو لم يخدم قضيته لصعوبة تأقلمه في المجتمعات التي عاش بها.
‌أ- غرق المؤسسات الدينية في جمود تلمودي عميق, ورؤى صوفية غيبية.
‌ب- العيش في عزلة لغوية فقد تحدثوا باللغة الإيديشية في وسط سلافي.
‌ج- عدم فهم قياداتها التغيرات الحادثة, وطبيعتها, وفقد القدرة على التعامل مع العصر الحديث سريع التغير.
ومع تعثر التحديث في الشرق الأوروبي, أخذت الأقليات اليهودية تبحث عن حل بديل, خصوصاً وأنه إجتاحت روسيا في عام 1881 موجة من الإضطهاد, تعرضت لها الجماعة اليهودية هناك إثر مقتل القيصر (الاسكندر الثاني) في العام نفسه.
وقد شاع في الأوساط اليهودية أن العنف الذي تعرضوا إليه وقع بمعرفة الحكومة الروسية, وبدون تدخل منها لحماية اليهود, هذا في الوقت الذي رأت فيه الجماعية اليهودية سلبية المثقفين الروس نظراً لعدم تصديهم للأحداث واعتراضهم على ما وقع من شعبهم وحكومتهم ضد اليهود.
ووجد اليهود أن الهجرة هي الحل فاتجه بعضهم إلى أوروبا الغربية, والولايات المتحدة الأمريكية وبأعداد كبيرة, وقد علق المثقفون من يهود روسيا قائلين "إن الهجرة لن تحل مشكلة يهود روسيا, فكراهية اليهود موجودة خارج روسيا, والهجرة قد تكون حل مؤقت لذا كان الوطن القومي لليهود هو الحل الأمثل والأقرب".
في هذا الوقت بالذات كان معدل الزيادة بين اليهود يفوق دائماً معدل الزيادة في أوطانهم بأوروبا, فقد بلغ عددهم عام 1800 (مليونين ونصف) وعام 1850 (خمسة ملايين) وعام 1900 (عشرة ملايين) وتقديراً بمعدل الزيادة في أوروبا فقد فاقهم اليهود (بمرة ونصف المرة) وهذه الزيادة خاصة بالاشكناز الذين بلغوا 90%من عدد اليهود في العالم في حين أن يهود الشرق في الدولة العثمانية وغيرها كانوا لا يمثلون سوى 10% فقط, والاشكناز الذين تحدثنا عنهم تركزوا في المنطقة الواقعة بين (بولندا, وروسيا, والإمبراطورية النمساوية المجرية).
ظهور اتجاهين صهيونيين بين اليهود
نتيجة للأوضاع السابق ذكرها, والتحديث في غرب وشرق أوروبا, وظروف تعثره التي تحدثنا عنها ظهر اتجاهين صهيونيين بين اليهود يمكن تقسيمها على النحو التالي:
1- صهيونية الأثرياء والمندمجين في الغرب الأوروبي
وهؤلاء ممن اندمجوا في عملية التحديث في الغرب الأوروبي, واستفادوا من الليبرالية السائدة في تلك المجتمعات, فانخرطوا في جميع جوانب الحياة, وبرز منهم عدد من الأثرياء, لذلك كانوا يصلحون لوظيفة الإغاثة والدعم للمشروع الصهيوني, خصوصاً وأنهم غير مستعدين للهجرة والاستيطان في فلسطين.
2- صهيونية التحديث المتعثر شرق أوروبا
وهؤلاء سهل الاستفادة منهم بسبب ظروف الحياة البائسة التي عانوها, وأصبحوا "يصلحون كمادة بشرية للمشروع الاستعماري", وقد ظهر التناقض جلياً فيما بعد بين مصالح الطرفين بحيث كان دور الاتجاه (الاندماجي) هو توطين اليهود, ودعم المشروع الاستعماري في حل مشكلة يهود أوروبا الشرقية المهاجرين للغرب الأوروبي, وذلك لأن هؤلاء المهاجرين هددوا المواقع الطبقية والمكانة المتميزة الجديدة التي كان يشغلها يهود الغرب المندمجين.
لذلك صار هدف المشروع الصهيوني هو تخليص أوروبا من فائضها اليهودي وعلى الرغم أن يهود الغرب الأوروبي لم يكونوا منذ البداية هم الحاملين للواء التوطين إلا أن مصالحهم التي باتت مهددة دفعتهم ليصبحوا جزء لا يتجزء من هذا المشروع الاستعماري, وهنا ظهرت النخب الصهيونية التي قادت العمل مستندة إلى بؤر محددة في المراكز الامبريالية بحيث تنقلت عارضة خدماتها عبر توطين اليهود المهاجرين بما يخدم مصالح هذا المركز الامبريالي أو ذاك, خصوصاً وأن الحديث ازداد في أوروبا عن توطين اليهود بما يتناسب مع دينهم وتراثهم وعن أهمية فلسطين الاستراتيجية.
هل المشروع الصهيوني له أساس قانوني أو واقعي
مع تميز فلسطين في الادعاءات الصهيونية كهدف لمشروعهم الاستيطاني, من الواجب تفنيد الأساس الذي قام عليه هذا الإدعاء, فالتاريخ الذي يسعون لتزييفه وما استعرضناه في بداية الكتاب يثبت أن اليهود لم ينتموا بتاتاً لسكان فلسطين الأصليين كما الفلسطينيون, وهم وإن عاشوا مع الكنعانيين إلا أنهم لم يندمجوا بالسكان الأصليين, ورغم حكمهم جزء من البلاد فترة لا تذكر من الزمن ضمن مملكتي إسرائيل ويهوذا إلا أنهما تدمرتا تماماً ونفى كل من فيها إلى القوقاز وأرمينيا وبابل.
ولو كان هناك حق لليهود في فلسطين لمكوثهم تلك الفترة الوجيزة بها والتي لا تقارن بغيرهم من الغزاة لكان غيرهم من الرومان, واليونانيين, والبيزنطيين, والصليبيين أكثر منهم حقاً لمكوثهم فترات أطول هذا إذا رأينا الموضوع من هذا الجانب رغم أن فلسطين ظلت عبر عصور طويلة منطقة تصادم بين القوى البرية المختلفة بسبب موقعها, وهذا ما يشير إليه كثرة غزاتها عبر التاريخ.
ومع نفي اليهود لبابل لم يختفي كيانهم برمته بعد ذلك فحسب بل عرقهم ومجتمعهم الديني وإلى الأبد, وطوال الحكم الإسلامي من عربي وتركي أي (ما يقارب الاثنا عشر قرناً) لم يسجل لليهود أي حضور مؤثر أو وجود فعلي في فلسطين.
ففي عام 1165م زار (بنيامين التطبلي) وهو رحالة يهودي أندلسي البلاد العربية وأوروبا, وسجل مشاهداته وكانت القدس وقتها في أيدي الصليبيين وحسب نتائج مشاهداته واحصاءاته أن فلسطين لم يكن بها سوى (1440 يهودياً فقط) كما أن الإحصائيات أشارت أن اليهود لم يكن لهم ذكر يوصف بفلسطين خلال قرون كثيرة, وهذه الزيادة طرأت عليهم في بدايات القرن العشرين.
وهذه الإحصائية نوردها لإثبات ذلك
في عام 1837 كان عددهم (8000 نسمة), وفي عام 1845 كان عددهم (11000 نسمة) وفي العام 1880 كان عددهم (20.000 نسمة) وفي عام 1918 وصل عددهم إلى (56000 نسمة) وتشير الإحصائيات في فلسطين للعام 1837 أن عدد السكان في فلسطين كان(350.000 نسمة)
أي شكل اليهود فترتها ما نسبته 2.2% وهي ضئيلة جداً قياساً بالسكان.
والإدعاء الصهيوني بحق اليهود في فلسطين ليس له أساس في الواقع لأن اليهود الذين هاجروا لفلسطين من بين الذين اعتنقوا اليهودية, وليس لهم علاقة بالإسرائيليين أو العبرانيين الذين عاشوا في فلسطين زمن التوراة ثم اختفوا من البلاد 18 قرناً سلفت.
الإمبراطورية العثمانية أواسط القرن التاسع عشر
اتسم النصف الثاني في القرن التاسع عشر بازدياد ضراوة الدول الاستعمارية, خصوصاً وأن الثورة الصناعية أدت إلى ظهور الشركات الكبرى والاحتكارات العالمية, والتي رافقها اتساع حركة التجارة الدولية وتكدس الأموال في المصارف الأوروبية بعد نهب المستعمرات, في هذه الأثناء تسللت الدول الاستعمارية لجسم الإمبراطورية العثمانية, عن طريق الامتيازات الأجنبية والبعثات العلمية والتبشيرية, وهذا عرض الدولة العثمانية لمزيد من الضعف فأصبحت تنوء تحت حمل التدخل الأجنبي, وتحول التسامح الديني الذي إتصفت به إلى نقمة عليها, وسبب رئيسي للتدخل في شئونها بزعم حماية الأقليات الدينية وحماية الأجانب من الجنسيات المختلفة.
في تلك الفترة استغلت البعثات التبشيرية الوضع المتأزم في الإمبراطورية العثمانية, فقامت بنشر ثقافتها ونفوذ دولها في العالم العربي تمهيداً لاستعمار دوله واقتطاعها من جسم الدولة العثمانية ساعدها في ذلك إنتشار الطباعة والإصدارات المختلفة من المجلات والكتب, وقد كان من أشهرها البعثات الكاثوليكية والبروتستانتية, هذا في حين أنشأت الكليات الإنجيلية, والمدارس اليسوعية والتي كان من آثارها إحياء التراث الثقافي العربي, ونشر الثقافة الأوروبية كالديمقراطية والسيادة, الحرية والمساواة.
لذلك وجدنا "رجل أوروبا المريض" الامبراطورية العثمانية أخذت تئن أمام هذا التسلل, في الوقت الذي تراكمت الديون على الامبراطورية وأخذ اقتصادها بالانهيار وكان التعب قد نال منها داخلياً وخارجياً فضعفت سيطرتها على أقاليمها وأخذت تظهر محاولات الانفصال, وقد ظهرت الشركات الكولونيالية اليهودية التي دمجت الأعمال مع أشكال التغلغل الأخرى الثقافية والدينية, وكان نطاق عملها في فلسطين يتحددان تبعاً لنجاح أو فشل الامبريالية المرتبطة بها في التغلغل بفلسطين, لذلك ظهرت شركات إستعمارية يهودية غير صهيونية كجمعية إليانس عام 1860 وهي (فرنسية من أصل يهودي) والجمعية الأنجلو – يهودية عام 1871 وهم انجليز من أصل يهودي وجمعية مساعدة يهود ألمانيا عام 1901 والجونيث وهي جمعية يهودية أمريكية كذلك ظهر مشروع روتشيلد الكولونيالى وتعتبر تلك العائلة من أغنى عائلات الصيارفة في فرنسا في القرن التاسع عشر والتي استثمرت في الزراعة والمستوطنات والعديد من الجمعيات والشركات الاستعمارية كل هذا كان مؤشراً على بداية أفول نجم الإمبراطورية العثمانية.
الموقف الأوروبي من الإمبراطورية العثمانية
كانت بريطانيا لعدة عقود على استعداد لغض النظر عن إحتلال مصر, والحفاظ على الدولة العثمانية لأطول فترة ممكنة طالما أن طريق التجارة الدولية أمناً, ولكن مع زيادة ضعف الدولة العثمانية, وزيادة التدخلات من كل القوى الاستعمارية الطامعة في إنهيار الدولة العثمانية, ومع تولي نابليون الثالث الحكم في فرنسا والذي كان مسكوناً بحلم بناء إمبراطورية عالمية كبرى ومنافسة بريطانيا على المستعمرات.
كل هذا دفع بريطانيا لحسم أمر موقفها من الدولة العثمانية فهي لا يمكن أن تظل على سياستها القديمة في الحفاظ على الدولة العثمانية طالما أن مصالحها غير متضررة لأنها ترى كيف أن فرنسا تتوسع في الجزائر وتعلن الحماية على الهند الصينية, وتعد للتقدم نحو المشرق العربي, وأنه قد تكرست تقاليد في السياسة الخارجية الفرنسية منذ حملة نابليون بونابرت على مصر, تعتبرها جزء من دائرة النفوذ الفرنسي.
كما في روسيا حاول القيصر نيقولا الأول أن يعقد اتفاقاً مع بريطانيا لاقتسام أملاك الدولة العثمانية واصفاً إياها "بالرجل المريض الذي لا يرجى شفائه" فاقترح استيلاء روسيا على الأستانة, مقابل استيلاء بريطانيا على مصر وكريت, كل ذلك وبريطانيا لم تتخذ قرارها بعد بشأن وضع نهاية لهذا الموقف, فأقدمت على خطوتين هامتين وهما:
1 - شراء أسهم قناة السويس

2 - الاستيلاء على قبرص
تلك الخطوتان قربتا بريطانيا كثيراً من الشرق الأوسط, وأصبحت بذلك مسألة احتلال مصر قاب قوسين أو أدنى والغريب هنا أن روتشيلد أقرض بريطانيا أربعة ملايين جنيه استرليني ثمن أسهم الخديوي إسماعيل في قناة السويس والبالغة 176.602 سهماً.
ورغم أطماع فرنسا الشديدة نحو الوطن العربي إلا أنها لم تستطع وقتها مجاراة بريطانيا, فهي لا زالت تئن تحت وطأة هزيمتها أمام قوات بسمارك في حرب توحيد ألمانيا (1870 – 1871).
وقد جاء مؤتمر برلين عام 1878 وفيه عرض المستشار الألماني بسمارك تقسيم الدولة العثمانية.
وأهم ما جاء في مؤتمر برلين عام 1878 :
1- تقسيم الدولة العثمانية بين عدة دول أوروبية .
2- تعطى مصر لبريطانيا وتونس والشام لفرنسا .
3- تعطى البوسنة والهرسك للنمسا .
4- تعطى البوغازين وأراضي أخرى لروسيا .
5- نوقشت مطالب إيطاليا في طرابلس العرب .
إلا أن بريطانيا عارضت أن تستقطع إسطنبول أو تقع تحت النفوذ الروسي فعلى الدوام أرادت أن تبقى روسيا معزولة عن الحوض المتوسط, وبالمقابل لم تعارض استقطاع أجزاء من البلقان لروسيا.

ما بين مؤتمر بازل 1897 وبدء الحرب العالمية الأولى 1914 عقدت المنظمة الصهيونية عشرة مؤتمرات, تخللها عمل دؤوب من أجل تطبيق الفكرة الصهيونية بالوطن القومي, ولم يترك هيرتسل باباً إلا وطرقه حتى جاء العام 1900م وكان المؤتمر الرابع للمنظمة الصهيونية على الأبواب, واقترح أن يتم عقده في لندن وفي هذا المؤتمر توجه هيرتسل في خطابه لإنجلترا العظمى قائلاً: "من هذا المكان ستصعد الحركة الصهيونية, وتصعد لأعلى, إنجلترا العظمى ... إنجلترا الحرة ..بعينها المثبتة على البحار السبعة ..سوف تفهمنا".
لم يأت هذا الحديث إعتباطياً, فتجربة هيرتسل ما بين المؤتمرين الأول والرابع, وبحثه عن البراءة الدولية علمته الكثير, فبات يلحظ إمكانية الإنسجام بين حركته, وبين مشروع الإمبريالية البريطانية, والذي يحمل معه إرث قرنين وأكثر من ثقافة العهد القديم, ويحمل هواجس أمن الإمبراطورية البريطانية, خصوصاً وأن تلك الفترة رافقها تصاعد هجرة اليهود من روسيا وأوروبا الشرقية إلى بريطانيا, وقد عملت تلك الهجرة على إزعاج الأوساط المحافظة, فشكلت عام 1902 لجنة ملكية للبحث في مسألة الهجرة, واستدعت هيرتسل للتشاور معه في هذا الموضوع, وقدم حينها حلاً وجده معتدلاً حين أشار إلى "أن هجرة اليهود من أوروبا الشرقية لن تتوقف, فليس لليهود مكان يذهبوا إليه, والحل هو إيجاد وطن لهم يعترف به قانونياً وشرعياً كوطنهم هم".
هذا التصريح لاقى قبول لدى أحد أعضاء اللجنة وهو اللورد روتشيلد فوعد بمساعدة هيرتسل لدى أوساط الحكومة البريطانية.
في ذلك العام كان تشمبرلين وزيراً للمستعمرات وأرثر بلفور رئيساً للحكومة وقد دار بين الإثنين حديث حول أفاق مشروع هيرتسل, وبعد عدة شهور إجتمع تشمبرلين بهيرتسل, فعرض الأخير عليه فكرة استيطان يهودي بسيناء على حدود فلسطين قرب العريش تحت راية العلم البريطاني, متذرعاً أن هذا القرب من فلسطين سيجعلها تلقائياً منطقة نفوذ بريطاني مما سيهيء اليهود للقفز عليها في أي لحظة.
إلا أن بلفور وبعد عرض تشمبرلين المشروع عليه علق قائلاً: "لقد قمت بكل جهدي لمساندة المشروع, ورغم أن النوايا خلفه كانت خيرة إلا أنه كان يعاني من خلل خطير, أنه لم يكن مشروعاً صهيونياً تماماً".
كذلك أبدى كرومر حاكم مصر أنذاك فتوراً واضحاً تجاه المشروع ورفضه رسمياً في مراسلاته مع لندن مبلغاً إياها, أن الجانب المصري يرفض فكرة تحويل مياه النيل.
وبتاريخ 1903.4.24 عاد تشمبرلين واجتمع بهيرتسيل, وعرض عليه فكرة الاستيطان في أوغندا والتي كان قد رآها في إحدى جولاته بأفريقيا, وأعجب بها لطبيعتها وخصبها, قبل هيرتسل الفكرة, وفي نهاية العام عقد المؤتمر الصهيوني السادس في بال, ورفض الحاضرون بأغلبية كبيرة خطة الاستيطان في أوغندا أو الشرق الأفريقي واتهموا هيرتسل بخيانة المشروع الصهيوني, هذا في حين دافع هيرتسل عن المشروع على أساس أنه محطة انتقالية تقرب اليهود من فلسطين.
وفي العام 1904 كان هيرتسل قد مات وعقد في العام 1905 المؤتمر السابع وقد رفض مشروع أوغندا جملة وتفصيلاً, وبذلك إنحصر التركيز على فلسطين كقاعدة للاستيطان اليهودي, وقد ترك موت هيرتسيل خلفه مشاريع استيطانية إنقسم اليهود عليها, وقضايا أيديولوجية متعارضة, لذا كان على اليهود أن ينتظروا حتى الحرب العالمية الأولى.
المؤتمرات الصهيونية والصراعات الداخلية:
من خلال مراجعة المؤتمرات الصهيونية منذ بال بسويسرا وحتى المؤتمر الحادي عشر في فينا العام 1913 (أخر المؤتمرات الصهيونية قبل الحرب العالمية الأولى) نلاحظ أن النشاط الصهيوني والصراعات الفكرية كانت على أشدها, وقد برزت عدة نقاط هامة في تلك المؤتمرات نوجزها بالتالي:
- المؤتمر الصهيوني الثاني/ تم التركيز على القوى الامبريالية, بحيث يمكن من خلالها الهجوم من أعلى على الجماعات اليهودية المستنكفة عن الصهيونية, لدفعها للموافقة على دعم المشروع الصهيوني والهجرة للاستيطان.
- المؤتمر الصهيوني الثالث/ طرحت فيه قضية نشر الثقافة اليهودية بين العالم.
- المؤتمر الصهيوني الرابع/ كان الصراع قد احتدم بين المتدينين والعلمانيين حول موضوع الثقافة, كما ظل غياب التأييد الشعبي للمشروع الصهيوني قضية مؤرقة للصهاينة.
- المؤتمر الصهيوني الخامس/ برز فيه تيار توفيقي يتوسط ما بين العمليين والمتدينين تزعمه حاييم وايزمن, ومارتن بوبر, في حين إنشق المتدينون بزعامة الحاخام يتسحاق رايتس إحتجاجاً على اشتداد النزعات الراديكالية, والعمالية في المؤتمر الصهيوني الخامس وتشكيل حركة همزراحي (المركز الروحي).
- المؤتمر الصهيوني السادس/ وفيه احتدم الصراع بشأن مشروع أوغندا.
- المؤتمر الصهيوني السابع/ وكان هيرتسل قد مات وتم اتخاذ مجموعة قرارات حددت مسار العمل الصهيوني بعد هيرتسل ومنها:
1- إنتخاب دافيد ولفسون بديلاً عن هيرتسل, ورئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية.
2- نقل مقر الحركة الصهيونية من فيينا إلى كولون في ألمانيا.
3- إعتبار برنامج المؤتمر الصهيوني الأول ساري المفعول.
4- رفض مشروع التوطين في أوغندا, لعدم ملاءمته للاستيطان الجماعي اليهودي.
5- وقف أي عمل إستيطاني يهودي خارج فلسطين.
6- إعتماد الأسلوب العملي المنهجي في الاستيطان بفلسطين, وشراء الأراضي على أساس قانوني مضمون.
وقد أدى الموقف من مشروع التوطين في أوغندا إلى إنسحاب مؤيدي المشروع بزعامة "يسرئيل زانغويل" من المؤتمر وتأسيس "الجمعية الإقليمية اليهودية" كما ظهر التيار العملي كقوة صهيونية فاعلة دعت للتخلي عن البراءة الدولية التي نادى بها هيرتسل والشروع بالاستيطان بدونها.
- المؤتمر الصهيوني الثامن/ إتخذ قراراً بمباشرة النشاط الاستيطاني على نطاق واسع.
- المؤتمر الصهيوني التاسع/ زاد النشاط الصهيوني بوتيرة عالية تحت شعار "سياسة التغلغل الاقتصادي" ودعاة هذه السياسة تطلعوا لإنسجام أعلى مع المناخات الأوروبية السائدة من حولهم, ورأوا في مشروعهم الاستيطاني إمتداداً لسياسة أوروبا الخارجية, لذلك وجب على مشروعهم أن يكتسب صيغة عصرية تقربه من السياسة الأوروبية, ولا يمكن ذلك إلا بإخضاع فلسطين للنفوذ الاقتصادي الصهيوني, وإثبات أن كل ما تقدم حدث في فلسطين إنما يعود إلى المبادرة الصهيونية.
- المؤتمر الصهيوني العاشر/ إضطر ولفسون للاستقالة تحت ضغط العمليين وأنتخب مكانه المعبر الحقيقي عن التيار العملي البروفيسور أوتو واربرغ عام 1911.
- المؤتمر الصهيوني الحادي عشر/ تحالف التيار العملي مع التيار التوفيقي بقيادة حاييم وايزمن, والتأكيد على أن نجاح المشروع الصهيوني لا يتوقف على البراءة الدولية.
إلى هنا وتوقفت المؤتمرات لإندلاع الحرب العالمية الأولى, وكان أعضاء المنظمة الصهيونية العالمية وقتها قد تناموا بشكل ملحوظ, إذ أصبحوا في العام 1913 قرابة الـ 27 ألف عضو.
وفي آب 1914 تم إعلان الحرب, وبدأت صفحة جديدة في تاريخ أوروبا وكانت وقتها الولايات المتحدة الأمريكية خارج الحرب تماماً, لتمسكها بنظرية الحياد, والتي أبعدتها عن أي تحالف من شأنه أن يعمل على تدخل الدول فيها.
وخلال الحرب تبلورت عدة مفاصل كان لها أثر كبير على الصراع الاستعماري وأطماعه في فلسطين والتي قادت إلى ضياع فلسطين.
مفاصل مهمة في الصراع على فلسطي
أثناء الحرب العالمية الأولى
المفصل الأول/ مراسلات الشريف حسين مكماهون والثورة العربية الكبرى
ومكماهون هذا هو نائب الملك البريطاني بمصر, حيث وعدت بريطانيا من خلال تلك المراسلات العرب بالإستقلال مقابل مساعدتها في الحرب, وقد سعي البريطانيون بالأساس للاتصال بالشريف حسين, ولم يسع هو إليهم حيث استمرت تلك المراسلات قرابة ثمانية عشر شهراً (أيلول 1914- حزيران 1916) أي منذ بداية الحرب. في تلك المراسلات عرض الشريف حسين مطالبه على بريطانيا ليوافق دخول الحرب معها ضد تركيا (بإعلان الثورة), وكعهدها فى المراوغة وافقت بريطانيا على كثير من مطالبه كترتيبات في زمن الحرب خصوصاً حاجتها لمن يقطع الطريق على إمدادات جيوش أعدائها وليس هناك أفضل من ثورة في الداخل للقضاء على الإمبراطورية العثمانية, ولا يضيرها بعض الوعود التي لا تعدو كونها حبراً على ورق.
ملخص مطالب الشريف حسين كما جاء في المراسلات
1- أن تعترف بريطانيا بإستقلال البلاد العربية من مرسين – أضنه حتى الخليج الفارسي شمالاً, ومن بلاد فارس حتى خليج البصرة شرقاً ومن المحيط الهندى للجزيرة جنوباً, ويستثنى من ذلك عدن التي تبقى كما هي, ومن البحر الأحمر والبحر المتوسط حتى سيناء غرباً.
2- موافقة بريطانيا على إعلان خليفة عربي.
3- تعترف حكومة الشريف حسين بأفضلية بريطانيا في كل مشروع اقتصادي في البلاد العربية.
4- تتعاون الحكومتان البريطانية والعربية أمام أي أعداء.
5- إذا تعدى أحد الفريقين على بلادٍ ما ونشبت بينهما حرب فعلى الفريق الأخر إلتزام الحياد.
6- مدة الإتفاق 15 عاماً تتجدد برغبة الفريقين.
ملخص رد مكماهون على المطالب
1- الموافقة على إستقلال البلاد العربية, وسكانها, وأن يكون الخليفة عربياً.
2- تأجيل موضوع الحدود بسبب قصر الوقت وقيام الحرب, ولأن تركيا لا تزال تحتل قسماً كبيراً من هذه الأرض.
إلى هنا وتم تجاهل أي إشارة للحدود العربية وأمام إلحاح الشريف حسين كان رد مكماهون: إن مرسين واسكندرونة وبعض الأقسام السورية الواقعة غرب دمشق وحمص وحماة وحلب لا يمكن أن يقال عنها عربية, وفيما يتعلق بإدارة مصالح بريطانيا أشار مكماهون إلى أن ولايتي البصرة وبغداد تقع في صلب المصلحة البريطانية, وعليه فهي لا تتطلب شكلاً إدارياً خاصاً للمحافظة عليها ضد أي إعتداء خارجي.
أما الشريف حسين ورغم دفاعه عن مطالبه, إلا أنه لم يشأ أن يجعلها عثرة في طريق الاتفاق, فقبل أن تظل الأراضي التي تحتلها الجيوش البريطانية في العراق تحت إدارة إنجليزية لقاء مبلغ تعويضي عن مدة إحتلال تلك المنطقة, وبذلك خرجت ولايتي مارسين وأضنة من حدود البلاد العربية وبموافقة الشريف حسين.
كما نبه مكماهون الشريف حسين مشيراً أنه يجب الأخذ بعين الإعتبار موقف فرنسا من ولايتي حلب وبيروت وهي الشريكة في الحرب.
الثورة العربية الكبرى
بعد ما تم الاتفاق بين الشريف حسين ومكماهون, وخروج الشريف حسين من تردده في دخول الحرب, قرر أخيراً مناصرة بريطانيا, وكان أن إعتقلت القوات التركية نجله (الأمير فيصل) بأمر حاكم دمشق خلال ذهابه للتوسط لدى والي سوريا (أحمد جمال باشا) لوقف الظلم, وعمليات الإعدام ضد القوميين العرب, فتوسط والده لدى الصدر الأعظم لإطلاق سراحه, وتوجه أخوه (الأمير علي) لإحضاره, وفي طريق عودتهم إلى مكة وجه الأمير علي إنذاراً إلى جمال باشا حاكم سوريا, وكان هذا الإنذار بمثابة نهاية المهادنة العربية العثمانية ومقدمة لإعلان الثورة الكبرى التي إنطلقت في اليوم الثاني للإنذار, وقد أعلن الشريف حسين الثورة في (6,15, 1916) من مكة وأصدر بياناً شارحاً فيه أسباب قيامها.
أسباب الثورة حسب بيان الشريف حسين
1- تعاظم الشعور القومي, وإمتداده في جميع أرجاء البلاد العربية.
2- سياسة القمع والإرهاب التي مارسها الأتراك ضد العرب الوطنيين.
3- ضعف الحريات العامة, والبطش بالمفكرين, والمثقفين, وحرمان المواطنين أقل الحقوق التي يتوجب على أي دولة توفيرها لأبنائها.
4- تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد العربية.
بتلك الثورة تم تعجيل نهاية الامبراطورية العثمانية, والخطر أصبح من الداخل والخارج, وهذا ما لا تستطيعه الإمبراطورية العثمانية المهترئة أصلاً.
وتجدر الإشارة أن فرنسا كانت على علم بتلك المراسلات وكانت تدور مفاوضات سرية بين السير (مارك سايكس) المندوب البريطاني لشئون الشرق الأدنى والسير (جورج بيكو) المندوب الفرنسي لشئون الشرق الأدنى بحضور (سازانوف) معتمد روسيا العام في القاهرة.
المفصل الثاني/ المؤامرة – معاهدة سايكس – بيكو
لم تكن المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا وروسيا وباقي قوى التحالف سوى عملية إقتسام للنفوذ فيما بعد الحرب, حيث قدمت كل دولة مطالبها, وكانت الشريك الرابع إيطاليا بعيدة بداية المباحثات إلا أنها سرعان ما دخلت ميدان تقسيم الأملاك العثمانية, وهنا أخذ يتبلور إتفاق دولي لتقسيم مناطق النفوذ توج بمعاهدة سايكس – بيكو الشهيرة.
ففي آيار 1916 تم رسم الخرائط ووافقت الأطراف عليها من ثم وقعت من قبل السير مارك سايكس والمسيو جورج بيكو حيث تناقضت تلك الإتفاقية جذرياً مع الوعود المقدمة للشريف حسين, فبموجب الخرائط قسمت الولايات العربية إلى مناطق لونت بألوان متعددة تعبيراً عن مناطق نفوذ كل دولة وقد ظهرت كالتالي:
1- منطقة زرقاء/ وتضم غرب سوريا ولبنان وكيليكيا وجنوب شرق أناضوليا وهي من (نصيب فرنسا).
2- منطقة حمراء/ وتضم جنوب ووسط العراق ومينائي حيفا وعكا في فلسطين وهي من (نصيب بريطانيا).
3- منطقة بنية/ وتضم الجزء الباقي من فلسطين حيث ستقوم إدارة دولية.
4- منطقة صفراء/ في شرق آسيا الصغرى وهي من (نصيب روسيا) إضافة لحقها في القسطنطينية والمناطق الأرمينية في آسيا الصغرى وفرض الحماية على الروم الأرثوذكسي في المناطق عامة.
5- منطقة خضراء/ وضمت الجزء الجنوبي الغربي من أناضوليا, وهي (نصيب إيطاليا) فضلاً عن ذلك كانت هناك مناطق أخرى تعد مناطق نفوذ قسمت إلى:
- المنطقة (أ) وتشمل شرق سوريا وولاية الموصل (نفوذ فرنسي).
- المنطقة (ب) وتشمل شرق الأردن وولاية بغداد (نفوذ بريطاني)
- المنطقة (ج) وتشمل غرب ووسط أناضوليا (نفوذ إيطالي).
إلا أنه ورغم الإتفاق فقد احتلت بريطانيا العراق, وبالمقابل توجهت فرنسا للمهاجرين السوريين واللبنانيين في محاولة منها لطرح حمايتها على البلدين وضمان المناطق المخصصة لها, ومنذ منتصف العام 1917 بدأت بريطانيا, ومن ناحية قناة السويس تحضيراتها للهجوم على فلسطين.
وقد كتب لورنس قائد ومستشار في الجيش البريطاني شارك في الحرب عن وعود بريطانيا للعرب في كتاب أصدره بعد الحرب وسماه "أعمدة الحكمة السبعة" ويقول فيه: "لما لم أكن مغفلاً تماماً فقد كان في إستطاعتي أن أرى أن وعودنا للعرب عند إنتهاء الحرب, ستكون مجرد حبر على ورق, ولو كنت مستشاراً مخلصاً حقاً للعرب, لكنت قد نصحت الرجال المحاربين بأن يعودوا لبيوتهم, ولا يعرضون أرواحهم للخطر في سبيل هذا الهراء (الوعود البريطانية الجوفاء) لكني كنت أعلم أن آمال العرب هي الأداة الوحيدة لكسب الحرب, ولذلك فقد أكدت لهم أن إنجلترا ستحافظ على عهودها لفظاً وروحاً.. ولكن بالطبع كنت أشعر دائماً بالمرارة وبالخجل".
وهذا الحديث يسرده في وصف شعوره بعد أن علم وهو في القاهرة عن الإتفاقية السرية التي عقدت بين إنجلترا وفرنسا لتقسيم العالم العربي.
المفصل الثالث/ دخول أمريكا الحرب مع دول الوفاق
إذا تحدثنا عن عوامل دخول أمريكا الحرب رغم امتناعها والتزامها الحياد في البداية فلن نجد أقوى من الدور الذي لعبته المصارف والمؤسسات المالية الأمريكية بحيث أنها دفعت الولايات المتحدة للمشاركة فى الحرب والتي أصبحت لها ديون هائلة على دول الوفاق, خصوصاً وأن المصارف والمؤسسات تلك رأت في الحرب محركاً تجارياً هاماً, وطريقة لكسب مادي هائل, لذلك كان عليها بعد تراكم الديون الهائلة على دول الوفاق ضمان سداد ديونها, لذا رأت المشاركة في الحرب خير ضمان خصوصاً وأنها تخشى إنقلاب الموازين في الحرب وقد ساعدها في ذلك عدة أمور أهمها:
• قيام ألمانيا بإغراق السفن الأمريكية كسفينة لوزتيانيا التي أُغرقت بمن عليها من سياح أمريكان في 7. 5 . 1915, وتكرار ذلك في سفن أخرى بحيث أطلق على ذلك اسم حرب الغواصات, وبهذا تم رفع حرارة العداء الأمريكي ودفع البلاد نحو الحرب.
• منذ بداية الحرب مال الإعلام الأمريكي لصالح دول الوفاق فالحفاظ على العنصر الأنجلو/ ساكوني كان ضمن اهتماماتها, خصوصاً وأن معظم المهاجرين للولايات المتحدة من البريطانيين والفرنسيين.
• دور الصهاينة الأمريكان/ فقد كانت بريطانيا قلقة جداً بشأن مجرى الحرب دون إشتراك الولايات المتحدة الأمريكية, لذلك اعتبروا الصهاينة الأمريكان قوة محتملة ذات نفوذ يؤثر في إقناع الجمهور الأمريكي بقبول فكرة دخول أمريكا الحرب خاصة وأن دول الوفاق مروا في العام 1916 بحالة بائسة جداً فالخسائر على الجبهة الغربية كانت تقدر بثلاثة جنود مقابل جنديين ألمانيين, كما أوقعت الغواصات الألمانية أضرار جسيمة ببواخر دول الوفاق, لذلك أخبر السير (مارك سايكس) ذات مرة (جيمس مالكولم) وكان أمريكياً ذا نفوذ في أوساط البريطانيين أن الإنجليز يتطلعون بلهفة نحو دخول الولايات المتحدة الحرب فأجابه مالكولم قائلاً: "إنكم تسلكون الطريق الخطأ بشأن هذا الأمر, ولا تستطيعون كسب تعاطف شخصيات يهودية معينة في الولايات المتحدة إلا بطريقة واحدة فقط... وهي أن تعرضوا لهم أنكم ستضمنون فلسطين لهم".
حينها إلتقط الصهاينة الأمريكان الفكرة, وأرسلوا إشارات من واشنطن للندن, وكان أن حسم الدور الصهيوني في وقتها إلى جانب دول الوفاق بعد أن فشلت في إقناع تركيا بالاستجابة للمطالب الصهيونية, لذا رجحت كفة واشنطن وقد أدى (لويس برانديس) الصهيوني دوراً أساسياً في إقناع الرئيس ويلسون الذي كسب لتوه معركة الرئاسة الانتخابية مستنداً لمجموعات الضغط السياسي والاقتصادي الخاضعة للتأثير الصهيوني وبالفعل في 6. 4. 1917 أعلنت الولايات المتحدة الحرب على ألمانيا, وبالمقابل كان على بريطانيا أن ترد هذا الجميل والذي يتلاءم ومصالحها الاستعمارية في المنطقة, لذا ورد في "بيان سايكس" اعتبار فلسطين وطناً قومياً يهودياً ومنح المستوطنين اليهود فيها الحقوق القومية أو السياسية, والاجتماعية والسماح للمهاجرين إليها بالاستيطان فيها, بغض النظر عن موطنهم الأصلي وإعطائهم هناك حكماً إدارياً ذاتياً, وكان هذا مقدمة لإعلان بلفور بعد ذلك.
المفصل الرابع/ الثورة البلشفية في روسيا 25. 10 . 1917
قامت الثورة على النظام الملكي في روسيا بتاريخ 25. 10 . 1917, وبتاريخ 6. 11. 1917 إحتلت القوات البلشفية أبنية المرافق العامة في بتروغراد, وفي اليوم التالي قبض على أعضاء الحكومة المؤقتة, وقامت حكومة جديدة أطلق عليها اسم "المجلس السوفيتي لوكلاء الشعب", وانتخب لينين رئيساً له, وأعلن قيام أول حكومة إشتراكية في العالم.
وقد قامت الثورة على الأفكار الاشتراكية والشيوعية الداعية لديكتاتورية البروليتاريا وملكية الدولة لوسائل الانتاج تمهيداً لإلغاء الطبقات, وقيام الشيوعية, ولكي يتفرغ البلاشفة لمشروعهم أسرعوا لتوقيع صلح منفرد مع ألمانيا في أذار 1918 خصوصاً وأن ألمانيا أوقعت خسائر فادحة بروسيا بحيث خسرت روسيا قرابة الأربعة ملايين من القتلى والجرحى, ومرت البلاد في أزمة اقتصادية خانقة, وأخذت المجاعة, ونقص المؤن تهدد البلاد, وبموجب الاتفاق بين ألمانيا وروسيا تخلت الأخيرة عن جزء من أرضها لألمانيا مقابل إنقاذ الثورة, وتوفير عوامل النجاح لها, و بذلك إنسحبت روسيا من الحرب, وإهتمت بنزاعاتها الداخلية سواء مع رجال القيصر, وبقايا النظام الإمبراطوري, أو مع المناشفة الذين أنشقوا عن البلاشفة بسبب اختلافهم أيديولوجياً في تطبيق الاشتراكية.
وكان أول ما قام به النظام الاشتراكي في روسيا هو فضح اتفاقية سايكس – بيكو السرية, وأعلنوا بنودها, إلا أن الشريف حسين كانت ثقته عمياء في بريطانيا فاستمر في التفاوض والتحالف معها هذا على الرغم أن وعد بلفور كان قد صدر وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً.
أما الثورة الاشتراكية نفسها فنجد أنها هددت أكبر حلقة في الشبكة العالمية للمنظمة الصهيونية, وعلى الرغم من أن اليهود عانوا القمع والاضطهاد زمن الإمبراطورية, إلا أنهم استقبلوا الثورة الاشتراكية بروح عدائية, فقد قام الصهاينة البرجوازيون بالوقوف ضد الثورة لأنها هددت عقيدتهم ووضعهم المادي, فليس أصعب على اليهود من نظام غير استغلالي في بلد لهم فيها أكبر تجمع ومرشح أن يكون هو مادة بناء الوطن القومي البشرية.
الأمر الذي دفع الأوساط الإمبريالية, وكل التيارات السياسية البرجوازية الكبرى لتقديم الدعم والمساندة للبرجوازية اليهودية في روسيا, فتحطيم الأساس الأيديولوجي للاشتراكية والصهيونية يعتمد على دور الصهيونية في منع يهود روسيا والاتحاد السوفيتي من الإندماج وعزلهم وهجرتهم كمنشقين عن السوفييت, وعليه قامت جميع الأحزاب اليهودية ومن ضمنهم الصهاينة, والبونديين (ممثلوا اليهود الاشتراكيون) بهبة صريحة وحازمة في وجه البلاشفة عندما استولوا على السلطة في روسيا, ولم يكن العداء اليهودي الصهيوني سلبياً, وإنما فعالاً وهجومياً, فقد تلاقت على مائدة الثورة الاشتراكية أهداف الصهيونية السياسية والامبريالية العالمية وفي ذلك أشار لينين بقوله "إن الرواسب القومية تتمتع بقدرة خاصة على البقاء, خصوصاً أن الرجعية الإمبريالية تعمل على تقوية هذه الرواسب في اللعب على المشاعر القومية, وفي إنعاش بقايا أيديولوجية التعصب القومي, وإن العمل الأيديولوجي يهدف إلى استئصال رواسب التعصب القومي من أذهان جميع المواطنين السوفييت, وتكوين وجهة نظر أممية للقضية القومية".
لذلك وقف الشيوعيون واليهود على طرف نقيض حيث رفض الشيوعيون الصهيونية التي تتكلم عن الكبرياء اليهودي, والمجد اليهودي, ومصير اليهود, واعتبروا أن هذه ألفاظ فارغة وكريهة لا أكثر وليس من شيء يغيظهم أكثر من إدعاءات اليهود بأن للشعب اليهودي رسالة عليه نشرها في العالم, كما إتهموا الصهيونية بأنها قطعة من لصوصية برجوازية وأنهم لا يجدون أية خيالية أو جمال فيها.
من ذلك نستطيع تفهم لماذا العشرين حزباً ومنظمة صهيونية التي كانت في روسيا عام 1917 عملت جاهدة ضد الاشتراكية الجديدة مصورة تلك الثورة بأنها يوم أسود في تاريخ اليهود.
وقد نبع هذا الفكر الصهيوني من أن الاشتراكية العلمية التي طبقتها ثورة أكتوبر, هي العدو الفكري التطبيقي الأكثر ثباتاً في مواجهة الحركة الصهيونية فالتأميم وجه ضربة للقاعدة المادية الصهيونية, وحرر الكادحين ومنهم اليهود ونظر للقضايا الفكرية على أساس أممي لا قومي, الأمر الذي بالضرورة سيفقد الحركات الصهيونية قاعدتها الشعبية, بحيث بدأت بعض الأحزاب بحل نفسها, في وقت من ناصب الثورة الاشتراكية العداء.. تم سحقه.
من رؤيتنا لتلك المفاصل الأربعة سابقة الذكر, والمؤامرة على الشعب العربي, وما أفضت إليه الأحداث العالمية, وما أفرزته الحرب العالمية الأولى كل ذلك عجل بوعد بلفور على قاعدة المصالح المشتركة للإمبريالية والصهيونية وأعلن وعد بلفور في 2. 11. 1917 مدشناً مرحلة جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي والصراع العربي – الامبريالي والذي لا زالت أثاره مستمرة حتى يومنا هذا.
لذلك كان صعود الإمبراطوريات المنتصرة في الحرب, وتقسيمها إرث الإمبراطورية العثمانية بمثابة قوة داعمة للصهيونية, وفرصة ثمينة للاستفادة من وضعية الحرب, وإذا ما علمنا أن بريطانيا أواخر العام 1914 أصبحت مركزاً للحركة الصهيونية, وأن حاييم وايزمن عمل وبشكل متسارع على إحياء الحركة الصهيونية القومية مع دعاية هائلة يرمى من خلالها إلى حمل الحكومة الإنجليزية على مساعدة القضية الصهيونية, نستطيع أن نفهم أن وضعية الحرب سارعت بنشوء الصهيونية العملية, التي حسبت للظروف حسابها وعرفت طرق الاستفادة منها, بعد أن تمسكوا لفترة طويلة بالنظريات والمبادئ دون تحرك عملي يحقق الأهداف الاستعمارية وفي حزيران 1917 أعلن أرثر بلفور أن وزارة الحرب البريطانية قلقة جداً بشأن محاولات ألمانية تجري لكسب تأييد الحركة الصهيونية, لذلك طلب من الكولونيل إدوارد هاس, وهو من المقربين للرئيس ويلسون أن يبدي رأيه بشأن بيان يعلن التعاطف مع البرنامج الصهيوني, وكانت بريطانيا تريد هذا الرأي كتابة وبكل صراحة.
في آب.1917 قدمت بريطانيا ثلاثة مشاريع للوعد وهي كالتالي:
‌أ- المشروع الصهيوني 18 . 8. 1917 وجاء فيه:

1- تقبل حكومة صاحبة الجلالة المبدأ القائل بوجوب إعادة قيام فلسطين كوطن قومي للشعب اليهودي.
2- ستبذل حكومة صاحب الجلالة أفضل جهودها لتحقيق هذه الغاية, وسوف تناقش الوسائل, والطرق الضرورية مع المنظمة الصهيونية.

‌ب- مشروع ملنر في شهر آب وجاء فيه:

تقبل حكومة صاحب الجلالة المبدأ القائل بوجوب إقرار أية فرصة لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين, وسوف تبذل أقصى جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية, ولسوف تكون مستعدة للنظر في أية مقترحات حول هذا الموضوع والتي قد ترغب المنظمة الصهيونية في عرضها عليها.
‌ج- مشروع بلفور في شهر آب أيضاً وجاء فيه:
تقبل حكومة صاحب الجلالة المبدأ القائل بوجوب إعادة فلسطين كوطن قومية للشعب اليهودي, وسوف تبذل حكومة صاحب الجلالة أفضل جهودها لتحقيق هذه الغاية, وستكون مستعدة للنظر في أية اقتراحات حول هذا الموضوع والتي قد ترغب المنظمة الصهيونية في عرضها عليها.

‌د- المشاريع النهائية للوعد أكتوبر 1917 :

1- مشروع "ملنر آمري" وجاء فيه :
تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للجنس اليهودي وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية, على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتي بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية, والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين, ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به هؤلاء اليهود في أية بلد أخر, والذين هم راضون أشد الرضا بجنسيتهم الحالية.
2- النص النهائي للوعد 31. 10. 1917 وجاء فيه
إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين, وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتي بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية, والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الأن في فلسطين, ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الآخرى.
- نشير هنا أن النص النهائي للوعد تزامن مع إختراق اللنبى خطوط الجبهة العثمانية بين غزة وبئر السبع قادماً من سيناء بعد إحتلالها, وقد ساعده في هذا الجيش العربي والذي كانت قيادته مشتركة بين فيصل واللنبي لذلك كان سداد الدين سريعاً جداً بحيث لم يمر يومان على وجوده في فلسطين حتى خرج بلفور معلناً الوعد بصيغته النهائية وذلك بتاريخ 2. 11. 1917 وبذلك كان رد بريطانيا على مساعدة الثورة العربية لها.
- هذا وقد صدر الوعد عن وزارة الخارجية البريطانية التي كان آرثر بلفور وزيراً لها موجهاً إلى اللورد روتشيلد اليهودي الرأسمالي الفرنسي وبعد أن قرأ بلفور بيانه قال موجهاً كلامه لروتشيلد "سأكون ممتناً إذا ما أحطتم الإتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح موقعاً" المخلص أرثر بلفور".
لماذا الوعد؟ الدور البريطاني :
إن سؤالنا لماذا الوعد هو تساؤل أملته وضعية الحرب, فقد كانت لا تزال دائرة ولم تستسلم دول الوسط بعد, لذا جاء الوعد وكأنه يستبق نهاية الحرب بل ويوزع الغنائم.
في هذا يقول (لويد جورج) رئيس حكومة بريطانيا: "كان إصدار وعد بلفور إجراء من إجراءات الحرب بشكل أساسي, وكان يرمي إلى تعطيل جهود القوى المركزية لكسب تأييد اليهودية العالمية, والحصول على تعاطف اليهود وقوتهم المالية".
وفي قول آخر له: "إن زعماء الصهيونية قدموا إلينا وعداً قاطعاً بأنه إذا إلتزم الحلفاء تسهيل إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين, فإنهم سيبذلون قصارى جهدهم لحشد عواطف اليهود, ودعمهم في أرجاء العالم كافة تأييداً لقضية الحلفاء وقد أوفوا بوعدهم".
غير أنه مع التقدير الكامل لحقيقة الضغوط الصهيونية, والاعتبارات السياسية البريطانية إلا أن الاعتبارات الاستراتيجية فترة الحرب وقفت أيضاً وراء إعطاء هذا التصريح فقد اعتقد صانعو السياسة البريطانية أن فلسطين اليهودية سوف تؤمن موقف بريطانيا في العالم بعد الحرب, وتحمي طريقها للهند, فضلاً عن الاهتمام بكسب الدعم المالي, والسياسي من يهود العالم.
لذا كان على بريطانيا خلال الحرب أن تخطط تكتيكياً واستراتيجياً على النحو التالي:
أولاً: على الصعيد التكتيكي
1- مكافأة الصهاينة الأمريكان على دورهم في دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء.
2- ملء الفراغ الناتج عن خروج روسيا من الحرب بدخول الولايات المتحدة مكانها.
3- كسب الصراع في التنافس بينها وبين فرنسا وألمانيا في خطب ود يهود ألمانيا, والذين شكلوا مركز العمل الصهيوني في برلين لما لهم من حجم مادي ومعنوي بين يهود العالم.
ثانيا: على الصعيد الاستراتيجي
1- مثل الوعد تأسيساً لصراع طويل, وعنيف كانت تتوقعه بريطانيا في المنطقة العربية خدمة لمصالحها الاستعمارية.
2- القضاء على أي وحدة عربية في المستقبل تهدد مصالح بريطانيا.
3- زرع اليهود الصهاينة كقاعدة للانقضاض على الأمة العربية لاستنزافها وتجزئتها.
4- ضمان طريق الهند التجارية, وحرية الملاحة عبر الممرات المائية.
لماذا الوعد ؟ الدور الأمريكي
كان الرئيس الأمريكي ويلسون قد تأثر كثيرا بأفكار برانديس الصهيونية, وقيل وقتها أن الرئيس يدين له بمستقبله السياسي.
ويقول فرانك مانويل: "إن اهتمام ويلسون بالصهيونية أمر جرت رعايته بتؤدة من قبل لويس برانديس, وهو أحد الرجال الذين كانوا من أقرب المقربين له في سنوات رئاسته الأولى, وقد أصبح الشخصية الرئيسية في أمور التدخل الأمريكي مستقبلاً في فلسطين".
وفي 13. 10. 1917 أرسل الكولونيل هاوس وهو أحد المقربين للرئيس الأمريكي ويلسون رسالة بأن يرد الأخير على الوزير البريطاني لشئون الحصار البحري اللورد روبرت سيسيل بشأن رأيه في البرنامج الصهيوني , والذي أشار إلى فلسطين وطناً قومياً لليهود.
وقد أجابه قائلاً: "وجدت في جيبي المذكرة التي أعطيتني إياها حول الحركة الصهيونية .. أخشى أنني لم أقل لك أنني اتفق مع الصيغة المقترحة من الجانب الأخر ... أنا أتفق معها, وسأكون شاكراً لو أعلمتهم بذلك".
هذه المذكرة التي أشار إليها الرئيس الأمريكي ويلسون هي التي أرسلها بلفور إلى هاوس ليعلمه عن رأي الرئيس الأمريكي, وقد تأخر الرد من حزيران, وحتى أكتوبر على بيان التعاطف الذي أشار إليه بلفور, وكان وايزمن وقتها يرغب في إصدار بيان رسمي تصدره الولايات المتحدة مع وعد بلفور وقت صدوره, إلا أن عدم وجود الولايات المتحدة في حالة حرب مع تركيا إلى جانب عدم رغبة ويلسون في إصدار إعلان رسمي "ليس حباً في العرب وإنما لتناقضه مع مبادئ الولايات المتحدة ومنها حق تقرير المصير للشعوب" تلك المبادئ التي بقيت حبر على ورق.
فويلسون أعطى موافقته وتأييده الحاسم للكولونيل هاوس على وعد بلفور لذا لم يكن مستغربا أن يصدر الوعد بعد فترة وجيزة من تلقي بريطانيا الرد, وعليه فمع أن الوعد أصدرته بريطانيا إلا أن صياغته أعدتها بشكل أساسي شخصيات صهيونية في الحكومة الأمريكية بالتنسيق بين أمريكا وبريطانيا وقد صف صاموئيل لاندمن, وهو محامي في لندن, ومستشار قانوني للمنظمة الصهيونية العالمية في كتابه "بريطانيا العظمى واليهود وفلسطين" وعد بلفور قائلاً: "كانت أفضل طريقة وربما الطريقة الوحيدة لإقناع الرئيس الأمريكي بدخول الحرب..هي الحصول على تعاون اليهود الصهاينة, وذلك بوعدهم بفلسطين, وهكذا تم حشد القوى النافذة بلا شك لليهود الصهاينة في أمريكا وغيرها وتعبئتها لصالح الحلفاء على أساس تعاقد يقوم على المقابلة بالمثل".
ومن موقف الولايات المتحدة تجاه فلسطين ومن قبلها بريطانيا وباقي الدول الاستعمارية نستطيع أن نقدر بلادة شعور الغرب تجاه العرب وفلسطين, فهم يرون أن مالك الأرض الحقيقي والقانوني ليس الذي يمتلك صك الملكية, وإنما القادر على الأرض أكفأ, والممسك بها أقوى ذلك أن الصك ورقة والحق هو القوة.
من هو آرثر بلفور؟ ولماذا وجه الوعد للورد روتشيلد
ولد آرثر بلفور لعائلة بروتستانتية أرستقراطية, وتلقى تربية صارمة على العهد القديم على يد والدته المتدينة خلال سنوات حياته الأولى في اسكتلندا.. عاش أعزباً وكان بالغ الذكاء..كسولاً يترك الاهتمام بالتفاصيل لمساعديه, وقد تعود أصدقاؤه الجلوس للاستماع إليه يقرأ عليهم أجزاء من العهد القديم في زياراتهم له.
آمن بلفور بالصفات الفريدة للعرق الأنجلو/ساكسوني, ومن ذلك الجانب جاءت الشبهات بلا ساميته المبكرة عندما قدم للبرلمان كرئيس للوزراء عام 1905 مشروع قانون لتقييد الهجرة إلى بريطانيا.
كان ممتلئاً بعبرانية الكتاب المقدس, وشكاكاً متفلسفاً, وفي كتابة "الإلوهية والإنسانية" وضع بلفور تصوره للتاريخ باعتباره" أداة لتنفيذ "الإرادة الإلهية".
وجد في الفكر الصهيوني انسجاما مع هذا التصور للعالم عندما أعتقد أن الصهيونية قوة محافظة عظيمة في السياسة العالمية".
إلتقى حاييم وايزمن لأول مرة أثناء الحملة الانتخابية عام 1905 والتي خسرها بلفور لصالح حزب الأحرار, وكان نائباً في البرلمان عن مدينة مانشستر حيث عرفه مدير حملته وايزمن, وبعدها إنصب تفكيره على معرفة الدوافع وراء رفض الصهاينة اليهود لمشروع التوطين شرق أفريقيا حيث قدم وايزمن وجهة نظر دينية توراتية للدفاع عن موقع فلسطين في المشروع الصهيوني, ولم يلتقي وايزمن ببلفور بعدها إلا في العام 1916, وكان وزيراً للحربية في حكومة لويد جورج.
توجه بلفور لوايزمن في لقائه الثاني به قائلاً: "أظن أنه بتقدمنا في الحرب وعندما تصمت المدافع, ربما تفوز بأورشليمك".
وبالفعل تم ذلك ولم تكن الحرب قد أنتهت, ولم تصمت المدافع بعد, وكان بلفور حينها وزيراً للخارجية في حكومة لويد جورج التي لم يكن قد مضى عليها العام, ولشدة علاقته بوايزمن سمح له برؤية بلفور أثناء احتضاره وكان (الوحيد من خارج عائلة بلفور) الذي يسمح له بذلك.
لماذا وجه الوعد لروتشيلد
إن غالبية المؤرخين أجمعوا عن حق أن الدعوات الصهيونية لإعادة اليهود إلى فلسطين كانت توجه على الدوام إلى كبار رجال المال, والسياسة في الدول الأوروبية الاستعمارية, وكان نموذجياً ضمن هذا الإطار أن يتوجه هيرتسل في دعوته الصهيونية إلى رجل المال اليهودي الفرنسي (إدموند روتشيلد) ..ويذكر أن كتاب هيرتسل الأساسي "الدولة اليهودية" جاء معنون بنداء إلى عائلة روتشيلد.
تبدأ قصة هذه العائلة بمؤسسها (إسحق أكانان) ولقب روتشيلد يعني في حقيقته (الدرع الأحمر) وهو ما ميز باب قصر مؤسس العائلة في فرانكفورت بالقرن السادس عشر.
ويعتبر (ماجيراشيل روتشيلد) هو صاحب الفضل على هذه العائلة, إذا عمل على تنظيم هذه العائلة, ونشرها في عدة دول, فأرسل أولاده الخمسة إلى إنجلترا وفرنسا, وإيطاليا, وألمانيا, والنمسا وقام ماجيراشيل بوضع قواعد لأبنائه تفيدهم في مؤسساتهم المالية أهمها:
• سرعة تبادل المعلومات بينهم لأن المعلومة هي أموال تدور
• نقل الخبرات المكتسبة من التعاملات, والاستثمارات بين الفروع.
وعلى تلك القاعدتين أمكن لآل روتشيلد بناء صرح مالي ضخم في البلدان التي أقاموا فيها.
وقد تطورت استثمارات تلك العائلة إلى الاستثمارات الدولية, ففي فرنسا قام الفرع هناك بتدبير 100 مليون جنيه للدولة لمساعدتها في الحروب النابليونية, في حين الفرع الإنجليزي إستثمر 16 مليون جنيه استرليني لحرب القرم, كما قدمت تلك المؤسسات تمويلاً لرئيس الحكومة البريطانية (ديزرائيلي) لشراء أسهم قناة السويس من الخديوي إسماعيل.
في الوقت نفسه كانت ترسل مندوبيها إلى البلاد الشرقية مثل مصر, وتونس وتركيا لتشجيعها على الاقتراض, لذا تقدمت تلك العائلة في الحياة السياسية, وصارت تحمل الألقاب الكبرى, كما كان لتلك الأسرة شبكة علاقات قوية مع العديد من الملوك ورؤساء الحكومات.
أما عن علاقتهم بإقامة الوطن القومي اليهودي فلم يكونوا مقتنعين بذلك بداية إلا أن أمرين غيرا توجه آل روتشيلد.

أسباب إقتناع آل روتشيلد بالتوطين في فلسطين
1- هجرة مجموعات كبيرة من اليهود لبلاد الغرب الأوروبي والتي رفضت الإندماج في تلك المجتمعات الغربية الأوربية "كيهود روسيا" لذا كان لابد من حل يدفعهم بعيداً عن مصالح آل روتشيلد.
2- ظهور التقرير النهائي لمؤتمر الدول الاستعمارية الكبرى والمعروف باسم (مؤتمر بنرمان) وهو رئيس وزراء بريطانيا في العام 1907 والذي كان من أهم بنوده:
‌أ- أن منطقة شمال أفريقيا وحوض البحر المتوسط الشرقي هو الوريث المحتمل للحضارة الحديثة.
‌ب- أن المنطقة المذكورة معادية للغرب, لذا يجب تقسيمها.
‌ج- ولتحقيق ذلك يجب عدم نقل التكنولوجيا إليها, وإثارة العداوة بين طوائفها, وزرع جسم غريب بها يفصل شرق المتوسط عن الشمال الأفريقي.
مما سبق ذكره نستطيع أن نرى كم هي أهمية عائلة روتشيلد سواء إقتصادياً أو سياسياً, فالحرب تجارتها, لذا لم يكن مستغرباً أن يظهر إدموند روتشيلد (1845 – 1934) في الفرع الفرنسي, ويقدم نفسه كأكبر ممولي النشاط الاستيطاني في فلسطين, داعماً الهجرة إليها, مذللاً أمام هذا الاستيطان كل العقبات السياسية والعسكرية والاقتصادية, لذا يمكن تلخيص سبب الدعوة لروتشيلد من منطلق:
1- كونه أكبر ممولي الاستيطان والهجرة لفلسطين.
2- كون تلك العائلة ذات نفوذ مالي وسياسي واسع في البلدان التي تعيش بها.
3- يعتقد أن بلفور خاطب فرنسا عن طريق اللورد (إدموند روتشيلد)
خاصة وان الخلاف على اتفاقية سايكس- بيكو ظهر جلياً أثناء, وبعد الحرب بين فرنسا, وبريطانيا, خصوصاً و أن بريطانيا حاولت إلغاؤه بينما فرنسا تمسكت به وكان تدويل فلسطين جزءاً من الإتفاق, أما وقد جرى في وعد بلفور تغيير لما تم الاتفاق عليه في سايكس – بيكو فتلك إشارة لفرنسا بالموقف البريطاني.
رد الفعل الصهيوني على الوعد
علق وايزمان على وعد بلفور قائلاً: "إن أردنا أن نكون صرحاء فإننا اليهود تلقينا وعد بلفور بشكل غير متوقع.. لم نكن نحلم به, لقد جاء في ليلة واحدة وكمفاجأة".
بتلك الكلمات لخص حاييم وايزمن وقع الوعد على الصهاينة, فلطالما بحثت الحركة الصهيونية عن البراءة الدولية حتى ملت ذلك, وفي مؤتمرها الحادي عشر تخلت عن هذا المطلب, ولكن استغلالهم لظروف الحرب وما نتج عن الأطماع الاستعمارية في الوطن العربي تتوج بوعد بلفور, لذا كان عليهم أن يباشروا الاستيطان في فلسطين, وكانت خطوتهم الأولى, والأهم هي ضمان إحتلال فلسطين على يد الحلفاء, الأمر الذي بدونه يبقى وعد بلفور حبر على ورق , وليس أدل على ذلك من قطع وايزمن الطريق على مبعوثي الرئيس الأمريكي ويلسون في جبل طارق, وكانوا متوجهين لإجراء مباحثات في إسطنبول, وهذا قبل الوعد بأشهر وتركيا لا تزال تحكم فلسطين, وكانت مهمة المبعوثين إنهاء الحرب إلا أن وايزمن أقنعهم بالعودة لأنه يرى "أن أي حل سلمي للحرب لن يقربهم من فلسطين".
بناء عليه كان على الصهاينة اليهود أن يضمنوا إنتهاء الحرب بانتصار أحد الطرفين على الأخر وفرض شروطه عليه.
لذا كان لابد من قوة ترعى نشاطهم بفلسطين, وتمهد لهم سبل بناء مؤسساتهم وقوتهم, ولم تكن تلك القوة المحتملة سوى بريطانيا, وقد أدت دورها بإقتدار.



*** مدير الدراسات بمركز عبدالله الحورانى للدراسات والتوثيق








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مقتل شخص وجرح آخرين جراء قصف استهدف موقعا لقوات الحشد الشعبي


.. فايز الدويري: الهجوم رسالة إسرائيلية أنها تستطيع الوصول إلى




.. عبوة ناسفة تباغت آلية للاحتلال في مخيم نور شمس


.. صحيفة لوموند: نتيجة التصويت بمجلس الأمن تعكس حجم الدعم لإقام




.. جزر المالديف تمنع دخول الإسرائيليين احتجاجًا على العدوان على