الحوار المتمدن - موبايل


كيف تصنع الدكتوروهات فى مصر المعاصرة

مجدى خليل

2015 / 10 / 31
مواضيع وابحاث سياسية



فى عام 1994 كنت ادرس تمهيدى ماجستير اقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ودراسة دبلوم آخر عن أفريقيا فى معهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة وأثناء الدراسة جائتنى فرصة الهجرة العشوائية إلى أمريكا ، فى ذلك الوقت استشرت أستاذى الدكتور سعيد النجار، وهو عالم أقتصاد بارز ونائب سابق لرئيس صندوق النقد الدولى، وعاش فى واشنطن حوالى ربع قرن فنصحنى بالهجرة وقال لى ستحقق ذاتك هناك، ولما سألته عن الدراسة قال لى الدرجات العلمية فى مصر فى مجال العلوم الاجتماعية لا تستحق الورق الذى كتبت عليه،اكتشفت بعد ذلك أن كلامه صحيح بدرجة كبيرة، ولكنه استطرد قائلا حاول أن تدرس فى جامعة كولومبيا إذا توفرت لك الفرصة طالما أنك تقصد نيويورك. وارسل معى خطابا إلى رجل أعمال مصرى فى نيويورك أسمه دكتور محمود وهبة، وفى الخطاب توصية بتعيينى معه فى شركته لأنى أنجب تلاميذه كما كتب الراحل دكتور سعيد النجار مشكورا فى خطابه، ولم يلتفت للأسف محمود وهبة لخطاب الرجل الفاضل دكتور سعيد النجار.
ولمحمود وهبة ذاته قصة لطيفة،كان يمهد لهبرة من أقتصاد السداح مداح فى مصر، ومهد لمجيئه إلى مصر بسلسة مقالات أقتصادية رائعة نشرها فى جريدة الاهرام،أشك كثيرا أن محمود وهبة كاتبها. وجاء بعدها محمود وهبة إلى مصر وأخذ هبرة مالية كبيرة بمساعدة صديقه عاطف عبيد وعاد غانما إلى الولايات المتحدة بدون أن يجرؤا احد على فتح ملفه حتى هذه اللحظة.
وصلت لأمريكا فى يونيه 1995 ووجدت أن تكاليف الدراسة فى كولومبيا تبدو مستحيلة على شحص حديث الهجرة.ولكنى وجدت جامعات ورقية تمارس النصب العلمى وتمنح درجات الدكتوراة أو الماجستير بعدة آلاف من الدولارات وفى خلال عدة شهور،وطبعا هى جامعات غير معترف بها فى أمريكا ولكنها تمارس النصب الأكاديمى فابتعدت عنها طبعا..المهم اندمجت فى الحياة والعمل لمواجهة رأسمالية قاسية على المهاجر الجديد...
فى عام 1998 نزلت لمصر ومعى مسودة أول كتاب لى فى حوالى 450 صفحة لدراسة علمية هى الاولى من نوعها عن أقباط المهجر ووجدت ناشر جرئ ينشرها فى ذلك الوقت بعد اعتذار عدد من الناشرين عن طبعها. المهم قبل الطبع وجدت الناشر كاتب على الغلاف من الخلف أن هذه دراسة جادة وجريئة قام بها باحث جاد وهى فى الاصل رسالته للدكتوراة فى أحدى الجامعات الأمريكية. أندهشت أنه كتب هذا الكلام دون أن يسألنى وهو يعلم أن كلامه غير صحيح، ولما عاتبته عدد لى الكثير من الأسماء حصلت على درجتها العلمية بهذه الطريقة، وبمجرد شيوع أنه الدكتور فلان لا يجرؤ أحد أن يسأله بعد ذلك. طبعا رفضت ما كتبه وحذفت موضوع رسالة الدكتوراة من على الغلاف ، وقلت له لو اردت تقديمها لجامعة مصرية لفعلت ولكننى غير مهتم اطلاقا بأى درجة علمية من مصر.
شخص واحد فى مصر قابلته، وهو أسامة الباز مستشار مبارك للشئون السياسية، وكان متسقا مع ذاته وقال لصديق لى أن الصحافة هى التى منحتنى الدكتوراة وأنا لم احصل من جامعة هارفارد إلا على درجة الماجستير ولم اكمل الدكتوراة، قال هذا لأنه يعلم أن علمه الحقيقى وثقافته وخبرته السياسية تتعدى الدرجات العلمية بكثير.
المهم نزل الكتاب وحصل بعد ذلك البعض على ماجستيرات ودكتوروهات عن أقباط المهجر مقتبسين الفكرة ومعظم الأفكار من الكتاب مع تشويه متعمد لأقباط المهجر تماشيا مع المزاج المصرى والأمنى معا.
فتحت هذه الواقعة عيونى على الكثير من الألقاب المزيفة فى مصر، والحقيقة أن هذا التزييف مارسه المسلمون والأقباط سواء، فإذا كان أيمن نور وعبد الرحيم على من أصحاب الدكتوروهات الغامضة على الجانب المسلم فأن نجيب جبرائيل وعوض شفيق هم المعادل لهم على الجانب القبطى....والقائمة تطول.
الأسوا من هذا الرسائل العلمية المسروقة، هل يصدق أحد أن رئيس جامعة الأزهر الأسبق عبد الفتاح الشيخ حكمت المحكمة على رسالته للدكتوراة بأنها مسروقة بأكملها من باحث آخر ومع هذا أستمر فى رئاسة جامعة تدعى أنها تقدم الدين والأخلاق حتى خرج على المعاش. وعندما استأنف الحكم حكمت محكمة الأستئناف أيضا بأن درجته العلمية مسروقة...وظل فى منصبه ضد حكم القضاء وضد أبسط التقاليد العلمية.
السرقات العلمية والأدبية وسرقة المقالات والأفكار والاقتبسات غير المهنية هى السمة البارزة للكتابة فى مصر والشرق الأوسط، حتى أننى أندهشت ذات مرة من صديق يعمل مدرسا بكلية التجارة الخارجية بحلوان فقلت له فى فترة وجيزة الفت كتابين جيدين فى علم الأقتصاد،ففوجئت به وبكل وضوح يقول لى أنه مجرد مترجم ووضع أـسمه عليهم كمؤلف ولم يخجل من هذا العار المشين، ولم يحسب حساب أن أحد طلبته ممكن أن يكتشف هذا العار.
مصر ربما تتفوق على دول الشرق الأوسط كلها فى أصحاب الدكتوروهات المزيفة.....صدقونى أن معظم الدكتوروهات فى مصر، خاصة فى العلوم الاجتماعية، لا تستحق حتى الورق التى كتبت عليه كما قال أستاذنا سعيد النجار ومع هذا لا يريد البعض الحصول على هذا الانجاز الهزيل بنفسه ولكنه يفضل سرقة اللقب مرة وأحدة.
طبعا بيع الرسائل العلمية أيضا تجارة رائجة فى مصر وخاصة للخليجيين ويقوم به للأسف بعض الأساتذة الذين يشرفون على هذه الرسائل بأنفسهم، بالإضافة إلى الرشاوى الجنسية من سيدات، والتى يحصل عليها أساتذة لكى يسهلوا حصول هؤلاء السيدات على الدرجات العلمية.......هذا علاوة على أن الدرجات العلمية خالية من الإبداع والنزاهة الأكاديمية وأصول البحث العلمى الصحيح، حيث أنها يجب أن تكون متوافقة مع النظام السياسى والدينى فى مصر، ويحضرنى الغاء مناقشة رسالة الدكتوراة للمرحوم دكتور وليم الميرى قبل مناقشتها بساعات لأن رئيس لجنة المناقشة ،رشاد رشدى وقتها، قد وشئ للأجهزة بأن الرسالة تنتقد نظام عبد الناصر، ولولا تدخل العقلاء وتأجيل المناقشة لمدة 6 أشهر مع حذف المعترض عليه، لضاع مستقبل وليم الميرى وقتها ولربما زج به فى السجن.
هذا الملف مشين جدا ونستطيع سرد كم هائل من الوقائع عنه، ولكن الجامعات مثلها مثل الإعلام هى تعكس صورة أمينة للنظام السياسى وقيم المجتمع وأفكاره، وحيث أن مصر غارقة فى الإستبداد والفساد والأنحطاط القيمى والاخلاقى، فلا تتوقعوا جامعة تخرج عن هذا المسار المجتمعى.
هل تتوقعوا مستقبلا أفضل لمصر فى ظل هذه المعطيات؟. المتفائلون بمستقبل مصر هم شخصيات عاطفية أو هم متفائلون بطبعهم حيث لا توجد أى معطيات للتفاؤل..وحيث أن المستقبل هو ما نصنعه الآن..فلا تتوقعوا مستقبل لإعلام ريهام سعيد وأحمد موسى وعبد الرحيم على وتوفيق عكاشة وجابر القرموطى وخالد صلاح وخيرى رمضان ومجدى الجلاد...الخ..ولا تتوقعوا مستقبلا علميا لدولة تمنح لقب دكتور لعبد الرحيم على ونجيب جبرائيل وأيمن نور.....ولا تتوقعوا مستقبل لبرلمان به سيف اليزل وأحمد مرتضى منصور ومصطفى بكرى..الخ، ولا تتوقعوا خيرا من دولة تقوم أجهزتها الأمنية بصناعة مثقفيها ومنحهم صفات التبجيل رغم بلاهتهم، وفرضهم على خلق الله فى وسائل الإعلام.....كل شئ ينحدر فى مصر والثقافة والإعلام والتعليم عناوين لهذا الانحدار.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - أول مرة أتفق معك بمقالة
صوت من وادي الظلمات ( 2015 / 10 / 31 - 22:16 )
هذه المرة أتفق معك.


2 - لكن ما جمع مفردة دكتوراة ؟؟!
صوت من وادي الظلمات ( 2015 / 10 / 31 - 22:20 )
سأعطيك جائزة قيمة لو أجبت !!!!!!!
واستعن بشخص آخر
وأنصحك باللغوي الكبير سعادة الأستاذ الدكتور أفنان القاسم
نابغة العصر بالأدب واللغة العربية الفصحى


3 - رائع
السير جالاهاد ( 2015 / 11 / 2 - 09:49 )
الحقيقة أنك بمقالك هذا وضعت مبضعك علي بؤرة قيح ربما تكون أهم سبب في تخلف وفساد المجتمع المصري

المعاهد العلمية والجامعات علي وجه التحديد يجب, بل يتحتم, أن تكون مراكز الأمانة والصدق فلا يمكن مثلا أن نثق في نتيجة بحث علمي إن شابه التزوير والسرق والنقل, ناهيك عن الكوارث التي تتننج عنه

لو أخذنا بحثا في الطب -كما هو الحال فعلا- يدًعي أن بول البعير يشفي (جميع) الامراض!, هل بإستطاعتنا تصور مدي الكارثة إذا أتُخذ مثل هذا الهراء (الخراء) علي محمل الجد وتم تطبيقه؟

لهذا تزيح جميع الجامعات والمعاهد العلمية المحترمة المؤهلات العلمية المصرية جانبا ولا تلقي عليها نظرية ثانية, تماما كما تفعل مع المؤهلات التي تباع وتشتري علي الانترنت

===

للأخ صوت من وادي الظلمات

بالطبع كلمة دكتوراه ليست كلمة عربية لكنها كلمة معربة

لذلك هناك مجالا من (الحرية) في تصريفها

ومع ذلك فجمعها هو

دكتورات

أريد جائزتي (القيمة) لو تكرمت

:))

اخر الافلام

.. نووي إيران.. طهران تردّ على التهديد بالتخصيب | #غرفة_الأخبار


.. توقيع اتفاقيات لمشروع الحماية الاجتماعية في المغرب | #النافذ


.. 136 عاما على نجاح أول مكالمة هاتفية بين بلدين




.. اتنقادات دولية لقرار طهران رفع نسبة تخصيب اليورانيوم


.. محاولات لوقف العنف الدامي في إقليم دارفور بالسودان