الحوار المتمدن - موبايل


الصداقة ليست بطول السنين بل بصدق المواقف

احمد عبد مراد

2015 / 11 / 1
مواضيع وابحاث سياسية



هذه الجملة قرأتها في احدى الزوايا فاتخذت منها عنوانا لما كان يدور في ذهني وما اردت تدوينه ربما ليظل ذكرى ، وبنفس الوقت عرفانا بالجميل لاصدقاء العمر واصدقاء المِحْنة وصدق المواقف التي عبرت عن نفسها وتجسدت في نكران الذات والتفاني والتعاطف والتآزر لتخطي الصعاب والمخاطر والحفاظ على الامانة والعودة بها لاحضان الحزب لنقول وبصوت واضح هذه الامانة لا زالت في الحفظ والصون..هي ايام قاسية ومريرة ومن الصعب وصفها كما تجسدت في حينها وحرارتها ومرارتها فالخمسون عاما التي انقضت وعندما كنا بعمر الزهور في العشرينات من سني حياتنا كنا نحلم بعالم ترائى لنا وكأنه في متناول ايادينا عندما كان النظام الاشتراكي يتوطد وحركات التحرر تكيل ضرباتها الموجعة للاستعمار والامبريالية وتحرز الاستقلال المتلاحق وتتجه صوب التقدم والتوجه الاشتراكي كان يبدوا لنا اننا اقتربنا من اقتطاف الثمار وتحقيق الانتصارات وكان حماسنا ليس له حدود واندفاعنا يحطم من يحاول اعتراضه او الوقوف بوجهه نعم هكذا كنا وعلى هذا الامل والطموح التقينا نحن نخبة من الشباب الشيوعي ومن مختلف انحاء العراق ومن مختلف القوميات والفئات التقينا في بغداد عاصمة الاسود ولكن اي لقاء هذا واي محفل ذاك، انه لامتحان عسير وانت ترى نفسك وعلى حين غرة او محض صدفة وانت اسير بين ايدي جلاديك وقد عزلت تماما عن اهلك واصدقائك ومحبيك ورفاق دربك وهذه اللحظات هي لحظات الامتحان العسيرة حيث يحاول جلادوك ان يشعروك وانت في اضعف الاحوال وان ليس هناك من يعلم عنك شيئا او يتتبع خطاك او يحاول مساعدتك ويصوروا لك الحالة وكأن كل شيء قد انتهى وانك وحيدا تلاقي المصير المحتم المجهول هنا على المناضل ان يعيد حساباته ويرتب اوراقه ويستجمع قوته وثقته بنفسه ويجدد ايمانه بصدق قضيته وان يكون على دراية بما يخطط له اعدائه وان الشعب والحزب اقوى من تلك الزمر التي ليس لها مبدأ وليس لها عقيدة تركن اليها بل انها زمر مرتزقة ليس الا..هكذا كان لقائي باعز اصدقائي ورفاقي فاضل حسن وناهض الجوراني وعلي عرمش وخميس جمعة وبهجت وفخرالدين واخرين كثيرين ربما الزمن انساني اسمائهم وملامح وجوههم وربما لو شائت الظروف والتقيتهم لما عرفتهم فكيف يمكنك ان تتصور صديقا فارقته قبل خمسون عاما خلت.. خصوصا ونحن لم نكن بظروف طبيعية ولم يكن وضعنا سهلا بل تخللته ذكريات مريرة نعم هي ليست نزهة صيد او سفرة سياحية للاطلاع على قصور الامراء والسلاطين والاسلاف الاشداء العظام حيث التقاط الصور التذكارية وتدوين الذكريات بل كنا في دهاليز واقبية نتة نشتم روائحها رغم انوفنا وانوف اجدادنا... كنا محشورين كما علب السردين في عز ذلك الصيف اللاهب حيث تتصاعد درجات الحرارة في تموز وآب الى الخمسين وفوق كل ذلك سدت الفتحة التي في اعلى الزنزانة والتي حجمها لا يتعدى ثلاثون سنتمترا لكي لا نرى نورا ولا تهب علينا نسمة هواء تشعرنا اننا لا زلنا على قيد الحياة ..كانت الزنزانة في الظروف الطبيعية لا تسع لاكثر من ستة اشخاص في الوقت الذي حشر فيها ما يقارب الثلاثون شخصا انه لامر غير معقول وربما يصعب تصديقه ولكن هذا واقع مرير يصعب على من عايشه ان ينسى تلك الايام العصيبة .. كان النوم لزاما ان يكون على الجنب وكذلك بالناوبة وكان الجالسون ملزمون بتبريد الزنزانة عن طريق تحريك الهواء بالمناشف ( تحويل المناشف الى مراوح يدوية ) هكذا كان الرفاق الذين تم اعتقالهم من مختلف انحاء العراق صيف عام 1968 والمتهمين بالتخطيط لمحاولة انقلابية على نظام الحكم العارفي وقبيل انقلاب البعث العاهر بعدة شهور ..ترى كيف سيتم التعامل مع من اراد الاطاحة بنظام الجبابرة الذين يرون احقيتهم بكل شيئ والاخرين لا يحق لهم اي شيئ، كنا نقضي نهارات ايام الشهورالاربعة ننضح عرقا ونشتم عفونتنا.. كنا نتوسد احذيتنا والقصعة العسكرية وايادينا .. اما ليالي الشهور الاربعة تلك فكانت عبارة عن اوقات عصيبة حيث تبدأ حفلات الجلادين المنتصرين على ابناء جلدتهم بنوبات تعذيب قاسية ومريرة تستمر حتى بزوغ الفجر.. وهكذا وعندما ينهون التحقيق مع مجموعة معينة يٌرَحِلوها اما الى المواقف والسجون المدنية او الى سجن رقم 1 العسكري سيئ الصيت ..وفي ليلة من ذات الليالي وعلى ما اتذكر في شهر اب وفي ساعة متأخرة من الليل دخل علينا رأس العرفاء محمد الجميلي وعريف ادريس المصلاويين وكانا ثملان وقد غطت رائحة الزحلاوي على رائحة زنزانتنا العفنة.. نحن تصنعنا النوم عند سماعنا صرير الباب وهو يفتح وكان عددنا المتبقي ثمانية موقوفين فقط وعند دخولهم علينا علا صراخهم وهم يرددون جملة واحدة ( من الذي يحرضكم على عدم الاعتراف) فلم يجب احدا منا فما كان منهم الا ان انهالوا علينا (ركلا ورفسلا وسحقا في البطون) ومن المصادفات الغريبة ان سبعة من الرفاق الموقوفين قد سالت دمائهم وتورمت وجوههم وكانوا في حالة يرثى لها الا انا فشائت الصدف ان اسلم من تلك الحفلة الدموية وعند ذهابهم جلست اواسي واساعد واعالج رفاقي المنكوبين.
ومع كل ما حصل انطلق احد الرفاق ليغني ( اغنية يمه ضربني هواي بالخيزرانه) والتي تسببت في الليلة الاخرى بحفلة تعذيب وحشية بعد ان نقل حراس الموقف الخبر الى جلاوزة الملازم ابراهيم الزويني.
وهنا لا بد وان نأتي على بيت القصيد وهو ما ورد في عنوان حكايتنا ( الصداقة ليست بطول السنين ولكن بصدق المواقف)... نعم وبعد كل تلك السنين الخمسين بمرها وما اكثرها..ولكن ومع كل التحديات يبقى الامل وتتجدد صدق المواقف وتطل عليّ الوجوه المشرقة بالامل والخير والروائح العطرة الزكية انها الوجوه الصبوح الممتلئة بالامل والثقة وروح التحدي والانتصار .. انهم اصدقاء العمر اصدقاء المحنة والزمن العسير.. ناهض الجوراني متعدد المواهب وفاضل حسن الكظماوي الذين غمراني بحسن خلقهم وصدق مواقفهم وبحثوا عني طيلة السنين الخمسين حتى تكللت جهودهم بتواصلنا عبر التواصل الاجتماعي ويحدوني الامل للقاء قريب وجها لوجه بعد فراق طويل دام خمسون عاما.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إسرائيل توافق على إعطاء الهوية لنحو ألف فلسطيني


.. غواصان يرتديان زي -بابا نويل- ليضعان شجرة الكريسماس تحت الما


.. الرئيس الأميركي جو بايدن وزوجته جيل يضيئان شجرة الكريسماس با




.. شقلبة رهيبة لرجل مسن على أرجوحة


.. شاهد: شوارع بودابست تستعيد روح الاحتفال وتتزين بمناسبة عيد ا