الحوار المتمدن - موبايل


Mozart وأطفال الحجارة

فضيلة يوسف

2015 / 11 / 3
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


يعرف Sandy Tolan الحياة الفلسطينية ، تلى كتابه الأول شجرة الليمون :عربي ويهودي وقلب الشرق الأوسط (2006) ، مدونته الشعبية : مقهى رام الله ، الحقائق على أرض الواقع في الشرق الأوسط . والآن يقدم لنا كتاب (أطفال الحجارة ) حيث نسمع أكثر عن بعض الناس الذين التقيناهم في مقهاه.
ما حصلنا عليه ،"سيمفونية" غير متوقعة في أربع حركات مع فواصل سحرية. مزيج من السيرة الذاتية والسياسة وثقافة الموسيقى. يشير عنوان الكتاب الفرعي: قوة الموسيقى على الأرض القاسية ، إلى تأثير الموسيقى العميق على الناس الذين يعيشون في بيئة القاسية على الدوام.
تركز الأفلام والقصص من إسرائيل وفلسطين في كثير من الأحيان على الصراع بين هاتين الثقافتين، بدلاً من الحياة كما يعيشها الناس على أرض الواقع؛ الحياة اليومية وسط قذف الحجارة وإطلاق النار والتفجيرات والقنابل ، وعلينا أن نتذكر أن هناك أناس عاديين يكافحون للحياة بشكل طبيعي تحت الركام ، وهو ما يدعوهم للشعور بالرضا على بقائهم على قيد الحياة. وهذا ما حصلنا عليه في أطفال الحجارة ،قدرة الموسيقى على التغيير وقدرتها على المداواة ، ليس فقط بالنسبة للأفراد في القصة ولكن للقارئ أيضاً.
الشخصية الرئيسية في قصة Tolan هو رمزي حسين أبو رضوان ، وهو صبي فلسطيني ذراعه اليمنى قوية تُلقي الحجارة على الجنود الإسرائيليين ولكن في نهاية المطاف أعاد تشكيل ذراعه، ليس لإدارة العنف، ولكن لجر القوس عبر أوتار الكمان . حصل رمزي على منحة دراسية في المعهد الموسيقى d Angers في فرنسا. دعا Daniel Barenboim رمزي للعمل مع أوركسترا West-Eastern Divan ؛ وعاد في نهاية المطاف إلى رام الله لإنشاء مدرسة الموسيقى للفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال العسكري.
كتب Tolan :"لتصبح عازف كمان أو بوق أو بيانو يعني أن تُعيد تشكيل نفسك "، وأضاف : " قوة الذاكرة ليست تكرار ما تعلمته من خلال نمط معين ، ولكن بناء قدراتك لتجعل التغيير ممكناً ".
بدأ التغيير عند رمزي في مخيم الموسيقى الصيفي " Apple Hill " في نيو هامبشاير. تساءل الشاب الذي يبلغ من العمر 18 عاماً عندما خرج من بيئته : لماذا لا يأكل الناس الزيتون مع الإفطار؟ ولماذا يضعون أكياس صغيرة في الماء لصنع الشاي؟ لماذا لم يشاهد من قبل الكثير من الأدوات الموسيقية مثل الكلارينيت، الباسون، المزمار، والبوق الفرنسي.
وماذا عن قراءة نوتة الموسيقى ؟ كان يفترض أن موسيقاه في الوطن مكتوبة باللغة العربية ، وبالتأكيد فإن الموسيقيين الآخرين في المخيم يقرؤون الموسيقى بلغاتهم الخاصة جداً.
أخبرنا Tolan :" نظر رمزي في نوتة الموسيقى لجاره"، وكانت متطابقة أيضاً بشكل مثير للدهشة مع النوتة أمامه ، فاختلس نظرة نحو جاره الآخر فلم يكن هناك فرق بين الجميع ، كانوا يقرؤون اللغة نفسها ، لم يقل رمزي شيئاً واحتفظ بانطباعه لنفسه.
أعلن مدير Apple Hill أن رمزي من سيعزف على الكمان في رباعية بيانو Mozart الصغرى، التي سيتم عزفها في الحفل الختامي للمخيم الصيفي. عندما رأى رمزي نوتة الموسيقى ، تجمد ، هكذا قال.
شعر رمزي بالرعب ، لاحظ أنه بدلاً من النصف والربع ، مع توقفات في الأماكن المتوقعة ، هناك خليط من الملاحظات السوداء التي تكدست في مقياس واحد: مقياس تصاعدي وتنازلي ، من ثمان و 16 نوتة ؛ نوتات الربع تليها بقية السادسة عشرة . نوتات تردد الغناء كاملة، تليها نوتات السادسة عشرة si-do-si ، نغمة موسيقية صارخة ، وفجأة البيانو. كانت القطعة سريعة جداً ، جنباً إلى جنب مع تغييرات في الحجم والإيقاع أبعد من أي شيء حاوله رمزي فيما مضى. كانت أعلى بكثير من مستواه ، حتى أن الطلاب والمعلمين على حد سواء تساءلوا هل يمكنه أن يتعلم ذلك، لكنه تعلم.
بشق الأنفس، وبشكل حرفي نوتة واحدة في وقت واحد ، صفق أساتذته للإيقاعات. وضعوا أيديهم على ظهره وكتفيه، وقوّموه حتى تمكّن من الانخراط في العزف. كان يحتاج الى معرفة الموقع الدقيق للقوس على الوتر ، على أي وتر، وما مواضع إصبعه لكل نوتة. احتاج رمزي للتفكير في الأمر بأنه "AN-swer." و" TEL-e-phone " تعلم أفضل الأصابع: الإصبع الرابع، أول اصبع، أول اصبع، ثاني إصبع ، أول اصبع، أول إصبع .

لم يعلم رمزي أن موزارت الذي يكافح من أجل تعلّمه تلقى ملاحظات سيئة في وقته لكتابته الكثير من النوتات أو أن قطعته "متبلة بقوة " ،وفيها "متاهات لا يمكن اختراقها" أو " تحليق روحاني غريب " ، أو "زائد ومتخم." أو أن الناشر، Franz Anton Hoffmeister ، الذي كان قد كلف موتسارت لكتابة ثلاث رباعيات، - ويعتقد أن رباعية بيانو Mozart الصغرى - بالذات تلك التي كان رمزي يتعلمها - كانت صعبة للغاية وصعبة لدرجة أنه ألغى اثنتين آخرين. إنه لا يعرف أي شيء من هذا، بطبيعة الحال. ما لا نعرفه أنه يريد أن ينجح. ليثبت لغيره من الجهات أن فتى من مخيم اللاجئين الفلسطينيين يمكن أن يقوم بعمل فوق مستوى المبتدئين.
لكنه لا يمكن أن يفعل ذلك وحده. يحتاج الآخرين للوصول إلى هناك. أصبح مشروع مشترك مع أعضاء آخرين في الرباعية: فادي، عازف التشيلو من الأردن، بشارة، عازف البيانو من الناصرة وناتي، عازف الكمان من تل أبيب.
"وهذا يمثل المثل العليا ل Apple Hill ، كتب Tolan . "الجمع بين الناس الذين لا يلتقون أبداً بالعادة ، في مكان حيث يتعلموا احترام بعضهم والاستماع إلى بعضهم البعض في السعي لتحقيق هدف مشترك - وفي هذه الحالة، قطعة موسيقى موزارت".
ناتي، عازف الكمان الإسرائيلي، على سبيل المثال، يحب أن يعزف بسرعة . طلبوا منه أن يتوقف. "ناتي، الأمر غير متعلق بك فقط " قال المعلم. "إذا كنت تعزف النوتات في بيئة معزولة ، فإن هذا لا يعني شيئاً. الفكرة أن كل نوتة وكل شخص له أهمية متساوية." عرف العازف البالغ من العمر 12 عاماً تدريجياً أن وظيفته لم تكن مجرد العزف على الكمان بجانب الفلسطيني ، ولكن أيضا الاستماع إلى الرجل الفلسطيني .في أمسية في أوائل آب ، تم عزف رباعية بيانو Mozart الصغرى للجمهور ووصف Tolan الأداء بأنه عثرة ساذجة.
نظر رمزي إلى ناتي الذي حام قوسه فوق الوتر، استعداداً للهجوم. تنفس ناتي بعمق ، وفي وقت واحد انحنى عازفو الأوتار الثلاثة بشكل حاد، وسحبوا أقواسهم من أجل النوتة الأولى. وضع بشارة يديه على مفاتيح البيانو. ترددت نوتات الافتتاح الست في الحفل وعزف بشارة على البيانو. ثم النوتات الست مرة أخرى، ثم فاصلة بشارة الثانية.
انطلقت السيمفونية ورمزي داخلها ، دون مخاوفه. المحادثة الموسيقية ضمتهم معاً... أستطيع أن أفعل ذلك بشكل أفضل، نادى الكمان ، واستجابت الفيولا والتشيلو، وانسابت اليد اليمنى لبشارة يميناً ويساراً على طول مفاتيح البيانو.
شاهد رمزي الموسيقى داخله ، وقال :انه شهد موجة من المشاعر لم يكن على علم بها خلال البروفة: الغبطة والحزن، والشعور بالاسترخاء العميق ... الفرح الذي جاء بمثل هذه الكثافة التي لا يعرف رمزي هل يمكنه احتوائه.
كان عليه أن يتذكر حساب الضربات ، التركيز. كانت النوتات السادسة عشرة تقترب ... وقال انه يتطلع إلى فادي على التشيلو – أصغر منه سناً ولكنه حتى الآن أكثر خبرة في الموسيقى – وقد بالغوا في الايماءات ، في محاولة ليرى رمزي ما هو المقبل.
وصلت الحركة الرابعة والتسابق نحو النهاية. ورأى رمزي وكأنه على متن قطار هارب، يندفع نحو المحطة. انحنى إلى الأمام ... أصبح الآن على بينة من معلميه وزملائه الطلاب، سارح الفكر متخوف، هل سيفعلها رمزي؟
ثم للحظة قصيرة ، ساد الصمت، نظر رمزي لاهثاً نحو بشارة، فادي وناتي. تبادلوا نظرات الدهشة ، وكأنه يقول، ماذا حدث؟ اشتعلت القاعة بالتصفيق. وقف المعلمون والطلاب وأولياء الأمور والزوار من المناطق الريفية في نيو هامبشاير على أقدامهم. نظر رمزي نحو إيريك (مدير Apple Hill)، وكان واقفاً في الجزء الخلفي من الغرفة. كانت الدموع تنهمر من عينيه
تجربة تحويلية. ليس فقط لرمزي ولكن للقارئ أيضاً. وجد هذا القارئ نفسه يغالب دموعه، يستعد للقفز من الكرسي ابتهاجاً.
غيّرت تجربة نيو هامبشاير حياة رمزي. قبل منحة دراسية لمدة أربع سنوات في فرنسا لصرامة التعليم في الموسيقى، وفي نهاية المطاف عاد إلى الضفة الغربية لإقامة مدرسة موسيقاه في رام الله القديمة أسماها الكمنجاتي، (عازف الكمان). وصف Tolan رحلة رمزي بمهارات رواية القصص الفائقة. كصحفي مخضرم، استخدم الكلمات لرسم الصور، وإرسال الانطباعات البصرية مباشرة إلى قلوبنا. يصحبها استخدام الصوت الطبيعي في رواية القصة ،مما أعطى القصة حضوراً قوياً.
في نهاية المطاف، قابلنا المعلمين الذين علموا رمزي الموسيقى ، وكثير منهم تخلى عن وظيفة مربحة ومرموقة وذهب للتدريس في الكمنجاتي. واجتمعنا مع كثير من طلابه أيضاً. وعلى غلاف الكتاب، صورة آلاء شلالدة ، تحمل الكمان. ولست على يقين أن تكون نفس الأداة التي عزف عليها أخوها الأكبر، شحادة بعد أن أرسله رمزي للدراسة مع العازفين المهرة في ايطاليا وانجلترا. في إحدى المرات وعلى نقطة تفتيش بالقرب من نابلس، شك أحد الجنود بالكمان الذي تحمله وطلب منها العزف عليه لإذلالها قبل أن يسمح لها بالمرور، واضطرت لفتح حقيبة الكمان والعزف .
تُعطي قراءة أطفال الحجارة القارئ فرصة التعرف على Daniel Barenboim وتجربة صداقة غير عادية له مع الراحل إدوارد سعيد. نتعلم الخلفية الدرامية لأوركسترا West-Eastern Divan والدور الذي لعبه Yo-Yo Ma. لماذا اختاروا Weimar لأول حفل لهم، بما في ذلك أهمية غوته. لماذا اختار Barenboim السيمفونية السابعة لبيتهوفن الأولى لورشة العمل الخاصة ب Weimar.
يصف Tolan عدة حلقات من الانتفاضة الموسيقية، المقاومة اللاعنفية: مواجهة الاحتلال منذ عقود طويلة عن طريق استعادة الفضاء من خلال الموسيقى. كان أحدها عند حاجز عسكري بين شمال الضفة الغربية والقدس.
دخل عشرون من الموسيقيين الشباب، وجميع أعضاء أوركسترا الكمنجاتي، يرتدون القمصان السوداء والسراويل، في حافلة على متنها الكمان، التشيلو، الترومبون والكلارينت ، والصنج، الطبول، ونوتات الموسيقى. وكانوا على وشك مواجهة الاحتلال ربما في المكان الأكثر كآبة: الجدار والحاجز العسكري في قلنديا.
قيل لهم أن يعزفوا على متن الحافلة ، وكان عازف البيانو الأميركي Jason Crompton (29 عام ) قائد الأوركسترا. وقف Crompton ورفع يديه ، أمام الموسيقيين - حوالي خمسة وعشرين طفلاً وربما نصف عدد المعلمين. عزفت الأوركسترا سيمفونية بيتهوفن السادسة في الحاجز العسكري. لقد عزفوا جميع الحركات الأربع. أصر عدد قليل من العازفين أنهم رأوا الجنود يرقصون.
قالت آلاء بعد ذلك كان أفضل عزف موسيقي في حياتي. منذ بضع سنوات فقط منذ أن مشينا من خلال الباب النحاسي على الكمنجاتي، وأشرت إلى الكمان وطلبت الدرس الأول .
في نهاية الكتاب نعرف أن رمزي حسين أبو رضوان رجل معقد يوجد الكثير في ذهنه. وأنه ليس بالضرورة أن يكون معلماً صبوراً أو قائداً يسهل التعامل معه ، ومع ذلك فهو رجل نجح في تحقيق أحلامه.
قصة "أطفال الحجارة " ليست كبيرة مثل قصة "شجرة الليمون"، وإنما قصة مذهلة ذات صلة بموهبة رائعة. قدّم Tolan مزيج بارع من ريبورتاج من قلب منفجر بالإلهام. يصل هذا النوع من المزيج لك ويشعرك بالتعاطف والأمل. ولدعم توصيفه، هناك أكثر من 100 صفحة من الملاحظات مع ببليوغرافيا واسعة النطاق.
أطفال الحجارة كتاب يصلح للدراسة والاستمتاع . يجب أن تستمتع به ، وتتشارك به مع الآخرين، وتتناقش حوله معهم. إنه مادة مثالية للقراءة. وإنني أتطلع إلى قراءته مرة أخرى، وربما الاستماع أثناء ذلك لسماع رباعية بيانو Mozart الصغرى أو السمفونية السادسة ، أو ربما ... السابعة لبيتهوفن.
مترجم
Nancy holm








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أول إباضة لسلاحف ملكية مهددة بالإنقراض في كمبوديا


.. فرنسا - الجزائر : مصالحة الذاكرة الصعبة


.. حياة ذكية - علاج روسي لمكافحة الشيخوخة




.. لماذا أقدمت المغرب على تجميد اتصالاتها مع ألمانيا وكيف ردت ب


.. كيف تحولون صور أحبائكم القديمة إلى مقاطع فيديو واقعية متحركة