الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل تؤثر تفجيرات باريس ايجابيا على مؤتمري فينا وقمة العشرين؟

ميشيل حنا الحاج

2015 / 11 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


اذا كان وزراء خارجية الدول المجتمعين في فينا، وقادتهم الذين سيجتمعون قريبا في قمة العشرين، يدركون مصالح بلادهم وشعوبها، بل ومصلحة الحضارة والانسانية وحقوق الانسان ومبادىء الحرية والعدالة، وكل المبادىء السامية الأخرى... فانهم سيقومون فورا وعلى عجل، باجراء تبدل فوري في مواقفهم وقناعاتهم، وأخص بالذكر قيادات كل من السعودية، قطر، تركيا وفرنسا..فأولئك هم أكثر المماطلين في عملية التوصل الى حل سلمي ومنطقي للمسألة السورية كخطوة أولى نحو محاربة الارهاب الذي بات يضرب الجميع شرقا وغربا.

فاذا كانت عملية تفجير الطائرة الروسية قد أضرت بكل من روسيا ومصر، وعملية التفجيرات في الضاحية الجنوبية اللبنالنية قد الحقت أذى كبيرا بحزب الله وبالشعب اللبناني، فان تفجيرات باريس المتعددة والمتلاحقة بطريقة مدروسة ومخطط لها جيدا، لم تلحق مجرد خسائر عانى منها الشعب الفرنسي فحسب، اذ فجرت أيضا أسس استراتيجية الرئيس الفرنسي أولاند المساندة بشدة للجبهة لثلاثية الرافضة للحلول السلمية والمكونة من السعودية وقطر وتركيا.

فالرئيس الفرنسي (فرنسوا أولاند) ظل يضع العراقيل.. الواحدة تلو الأخرى، تضامنا ودعما للجبهة الثلاثية المعرقلة لعملية التوصل الى حل سلمي في سوريا، تمهيدا للتفرغ لمحاربة الارهاب الذي بات يحتاج، كما كرر العاهل الأردني أكثر من مرة، الى حرب عالمية ثالثة... أو حرب تكاد تبلغ في ذروتها مستوى حرب عالمية ثالثة أصبح المجتمع الدولي بحاجة ماسة اليها حماية لحضارته، ولما تبقى من مفاهيمه الانسانية التي أزهقتها الدولة الاسلامية، تارة بحد السيف قاطع الرؤوس، وتارة بتفجيرات انتحارية ينفذها موعودون بالشهادة وبالجنة، وبسبعين حورية ... بل أيضا بسبعين وصيفة للحوريات ، لا يعلم أحد كيف سيستطيع المستشهد أن يقضي احتياجاتهن الواحدة تلو الأخرى.

فالوعد للمستشهد، ليس شفاءه من اي مرض قد يصيبه، وليس ثروة تريحه من عناء الحاجة للآخرين، وليس طمأنينة نفسية او راحة أبدية له ولجسده المتعب الذي اخترقته شظايا التفجيرات، بل انشغال بما ملكت يمينه من حوريات ووصيفات للحوريات. فالجنس، وليس المال أو الراحة النفسية أو الوقاية من أمراض تصيب بني البشر...هو ما ينتظره في الجنة الموعودة.

ولكن اذا كان ذلك ما يوعد به المستشهد، فما الذي توعد به فرنسا... وبالذات فرنسا الرئيس أولاند؟ هل هي منح الدولة الفرنسية صكا على بياض، في الحصول على كل المناقصات التي ستقام بعد الحرب الأهلية، لاعادة بناء كل ما دمر في سوريا من بنية تحتية وفوقية ... وغيرها مما دمرته وما زالت تدمره الحرب؟ ومن أجل ذلك يماطل في عملية التوصل الى حل سلمي، ساعيا لاطالة أمد الحرب، رغم التهديدات الارهابية لفرنسا ولدول أخرى، على أمل تحقيق مزيد من الدمار في سوريا، يؤدي الى مزيد من الثروة الموعودة لرأسماليي فرنسا والمتنفذين فيها؟

فاذا كانت تلك هي الأهداف الخفية التي يسعى وراءها الرئيس الفرنسي من وراء اطالة أمد الحرب، رغم كون الحرب قد تحولت الى "ماكنة تفريخ" للارهابيين الذين باتوا يضربون هنا وهناك... فما هي يا ترى الأسباب التي تدفع حلفاءه الثلاثة لاطالتها، والقاء الزيت على النار فيها امعانا في اشعال وقودها؟

يفسر بعض الساسة السعوديين أن الدعم الذي تقدمه المملكة للمعارضة المسلحة في سوريا، انما يسعى لتحقيق الديمقراطية والحرية للشعب السوري. ويصفه سياسيون آخرون بأن من أسبابه انهاء حالة الممانعة السورية للحل السلمي لقضية الشرق الأوسط المركزية، وهي القضية الفلسطينية. ويهب فريق ثالث الى القول، بأنها حرب طائفية تخوضها الوهابية للحيلولة دون انتشار الفكر الشيعي المختلف عن الفكر السني الوهابي، بينما يذهب آخرون الى حد القول بأن الحرب هي مسعى سعودي لوضع حد للهلال الشيعي الذي أخذ يمتد من ايران الى البحر الأبيض المتوسط، مرورا بالعراق وبسوريا، وصولا الى لبنان الجنوبي. بينما السبب الحقيقي على أرض الواقع كما يراه المعتدلون والعقلاء، انما هو صراع سياسي بين السعودية وايران، على مركز قيادة منطقة الشرق الأوسط والعالم الاسلامي.

أما تركيا، فتدعي بأن كل ما تسعى اليه هو تحرير الشعب السوري من طاغية حكمه طويلا، فانها في حقيقة الأمر تسعى للحيلولة دون المطالبة السورية مستقبلا ، باستعادة اقليم الاسكندرون السوري الذي قدمته فرنسا المنتدبة على سوريا في عام 1939 هبة لتركيا، ربما كرشوة لها كي لا تساند ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، أسوة بما فعلته من مساندتها في الحرب العالمية الأولى. كما أن تركيا الرئيس أردوغان الذي يحكم تركيا الان بسلطات لا يمنحه اياها الدستور التركي الحالي، انما يسعى في حقيقة الأمر لاقتطاع مزيد من الأراضي السورية ، بذريعة انشاء منطقة عازلة، تمهيدا لتحقيق حلمه باستعادة أمجاد الخلافة العثمانية في زمن ازدهارها، وقبل أن تتحول للرجل المريض في اوروبا وآسيا. والأهم من ذلك، أنه يسعى للسيطرة على المناطق الكردية على الأراضي السورية، للحيلولة دون ظهور اقليم كردي يتمتع في مرحلة أولى بحكم ذاتي يقدم العون ويشكل نقطة انطلاق آمنة لآكراد تركيا المطالبين بحق تقرير المصير الذي كفلته المواثيق الدولية.

والآن لماذا تزج قطر، الدولة الأصغر حجما ولأقل في عدد السكان في العالم العربي، بأنفها بتلك الحرب التي باتت ضروسا وأدت الى تنامي حركة الارهاب الداعشية التي سمحت قوات الاحتلال الأميركي للعراق بظهورها، كوسيلة أخرى لتفكيك العالم العربي تمهيدا لمخططها الساعي لانشاء الشرق الأوسط الجديد؟ ما الذي تسعى قطر، الدولة التي تملك مخزونا كبيرا من الغاز... الى تحقيقه؟

ويقول "محمد حافظ" في دراسة له عن الصراع الدولي الناتج عن حاجة الدول، وخصوصا الكبرى منها، لاستلام الغاز بطرق ووسائل آمنة ورخيصة، أنه يشكل سببا هاما في الصراع في المنطقة. فالغاز قد بات يشكل فعلياً "مادة الطاقة الرئيسة في القرن الواحد والعشرين، سواء من حيث البديل (الطاقي) لتراجع احتياطي النفط عالمياً من حيث الطاقة النظيفة. ولهذا.. فإن السيطرة على مناطق الاحتياطي (الغازي) في العالم، تعتبر بالنسبة للقوى القديمة والحديثة أساس الصراع الدولي في تجلياته الإقليمية".

ويضيف "محمد حافظ" في دراسته، انه " بعد إقرار إتفاق "كيوتو" سنة 1992، وتطبيق الدول الأوروبية لإجراءات حازمة للحد من تلوّث الجوّ ، تضاعف إستهلاك أوروبا للغاز. ومن المتوقّع أن يزداد هذا الإستهلاك بأكثر من خمس مرّات في السنوات القليلة المقبلة، في ظل قرارات بإغلاق العديد من المفاعلات النووية المولّدة للطاقة. وهذا ما فتح شهيّة الكثير من الدول المصدرة للغاز نحو أوروبا، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك لمصالح إقتصادية ولأهداف مرتبطة بالنفوذ السياسي الدولي".
وفي هذا السياق، كما تقول الدراسة المذكورة آنفا، "توزّع روسيا الإتحادية (التي هي المصدّر الأوّل للغاز في العالم) ، كمّيات ضخمة من الغاز السائل تبلغ 420 مليار طن سنوياً، عبر شبكة ضخمة ومعقدة من خطوط الأنابيب تمتد من روسيا مرورا بأوكرانيا وبيلاروسيا إلى مجمل أوروبا الشرقية سابقاً، وصولاً إلى ألمانيا وبلجيكا بواسطة شركة "غاز بروم" الروسية التي تأسّست في العام 1996" .
ولكن دولة قطر، التي هي المصدر الرئيسي الآخر للغاز في العالم (هناك غاز ايراني، وأذربيجاني، وآخر مصري، ورابع اسرائيلي آخذ في التنامي بعد اكتشاف حقول غاز جديدة في شواطئها والشواطىء اللبنانية)، تسعى لمنافسة الغاز الروسي. ويقول "معتز منصور" في دراسة أخرى له حول قضية الغاز المسال، أن قطر في عام 2009 ، وقبل نشوب حركات الربيع العربي، قدمت لسوريا مشروعا بمد خط أنابيب غاز يمر بالسعودية وصولا الى سوريا، ومنها الى البحر الأبيض المتوسط، وصولا الى الدول الأوروبية. لكن الرئيس السوري المتحالف مع روسيا، المنافس الأول والأبرز للغاز القطري، اعتذر عن قبول المشروع.
ومن هنا، وبعد اعداد مدرروس من جانب قطر التي باتت صاحبة مصلحة في تدمير النظام السوري، بادرت ... تلك الدولة الصغيرة التي لم يكن بوسعها أن تخوض منفردة معركة خلق المصاعب للحكومة السورية، الى التحالف مع السعودية وتركيا التي التقت مصالحمها الآن مع المصلحة القطرية ضد سوريا مستندين الى الذرائع السابق ذكرها... بادروا معا الى اشعال تلك الحرب الأهلية في سوريا، سواء عن طريق التمويل السعودي، أو فتح الحدود التركية لمرور المقاتلين والأسلحة الى المتمردين في السوريين والعدد الوفير من المرتزقة الذين انضموا اليهم.
ومن هنا تتجلى أمام القارىء المصالح التي دفعت دول التحالف الثلاثي لاشعال تلك الحرب، كما تتضح أمامنا عمق المصالح الروسية في الدفاع عن سوريا باعتباره دفاعا فعليا عن الدولة الروسية ذاتها المهددة بخسارة مواقعها الاستراتيجية في اللاذقية وطرطوس، اضافة الى حاجتها لمحاربة الارهاب في عقر داره خشية امتداده الى الجمهوريات الاسلامية المنضوية تحت جناح الاتحاد الروسي. فهو ايضا - الى جانب ها وذاك - دفاع عن مصالحها الاقتصادية المتمثلة بتصدير غازها الذي يشكل جزءا، بل مصدرا رئيسيا للاقتصاد الروسي. أما المصلحة الفرنسية في المقابل، في تقديم الدعم للعارضة السورية، فتظل قاصرة على وعود قد تتحقق وقد لا تتحقق في اعادة بناء سوريا مستقبلا.
ومن هنا نلاحظ الموقف البريطاني الأقل اندفاعا في تأييد بقاء الحرب قائمة في سوريا. فمصالحها في تلك الحرب تكاد تكون معدومة، بل وتكاد تقتصر على مجرد التضامن مع أصدقائها وحلفائها. وهذا ما يفسر قرار مجلس العموم البريطاني في نهايات عام 2013 بعدم السماح للحكومة البريطانية في المشاركة في الاغارات الجوية على سوريا التي هدد الرئيس أوباما بتنفيذها لدى اتهام سوريا باستخدام السلاح الكيماوي.
أما المصلحة الأميركية، فهي الحفاظ على مركزها القيادي في العالم، اذ تعتبر نفسها القطب الأوحد في الكرة الأرضية، منكرة الاعتراف للدولة الروسية الا بكونها قوة اقليمية هامة، اضافة الى مصلحتها في الحفاظ على مواقعها في الشرق الأوسط، وخصوصا على موقع "سنتكوم" المتواجد في قطر، والذي يرسم ويقود العمليات العسكرية في تلك المنطقة، بل وفي العالم أيضا. والأهم من ذلك، الحفاظ على ربيبتها دولة اسرائيل، حامية المصالح الأميركية، والتي تشكل قاعدة أميركية متقدمة في المنطقة.
أما فرنسا المتقوقعة مصلحتها في حدود وعود قد لا تتحقق أبدا، فهي الخاسر الأكبر في هذه الحرب، حيث أنها في خضم تأييدها الأعمى لكل من قطر والسعودية وتركيا، قد تناست تنامي الارهاب في العالم وفي عقر دارها، بحيث باتت منذ نهايات عام 2014، تلمس مردوده بعمليات تمثلت بأساليب مختلفة، منها دهس المواطنين الفرنسيين في عام 2014 بعدة عمليات دهس تكررت في فترة زمنية قصيرة، والهجوم على "شارلي ابدو" في عام 2015 ، وعمليات أخرى كثيرة نفذها الارهابيون في فرنسا، ولعل آخرها كان الهجمات التي نفذت في باريس في ليلة الثالث عشر من تشرين الثاني (نوفومبر) وادت الى مقتل 123 فرنسيا وجرح مائتين، جراح العديد منهم خطيرة.
ويبدو لي ان الرئيس الفرنسي لم يطلع على برنامج مسجل على فيديو وموجود على يوتيوب، ويتحدث عن تنامي قوة التيار الاسلامي المتشدد في أوروبا وخصوصا في فرنسا التي يقطن فيها مئات الآلاف من القادمين من المغرب وتونس والجزائر. فقادة تيار الاسلام السياسي في أوروبا، يتحدثون بصراحة في ذاك البرنامج، عن تطلعهم لحكم أوروبا بدءا بفرنسا. حيث يقول أحد المتحدثين في البرنامج، ان الدول الأوروبية تتبع نهجا ديمقراطيا، وهذا يساعدنا (عامل الديمقراطية وما توفره من حرية لنا)، اضافة الى عامل التناسل الكثيف في الوسط الاسلامي مقابل التناسل الضئيل في الوسط الأوروبي، لأن نصبح في وقت ما، اكثرية نتسلم معها زمام الحكم في الدول الأوروبية.
فهل ينتظر الرئيس أولاند - طباخ السم الذي ذاقه ليلة أمس - تحقق ذلك، وانتقال الخلافة الاسلامية من الرقة الى باريس، ليدمر بعد ذلك رجال "ابو بكر البغدادي" متحف اللوفر، قبر نابايون، برج ايفل، النصب التذكاري في نهاية شارع الشانزيلزيه، والمسلة الفرعونية المنتصبة في الطرف الآخر من الشارع المذكور... شارع المقاهي وليالي السمر الباريسية؟ ماذا ينتظر فرنسوا أولاند ليبدل موقفه من دعم تيار أسود، الى الوقوف الى جانب الحفاظ على الحضارة والمدنية وحقوق تالانسان... تلك المفاهيم النبيلة التي انطلقت اصلا من فرنسا... من باريس، مدينة العلم والنور والحضارة؟ ماذا ينتظر؟؟؟


ميشيل حنا الحاج
عضو في جمعية الدراسات الاستراتيجية الفلسطينية THINK TANK
عضو مستشار في المركز الأوروبي العربي لمكافحة الارهاب - برلين
عضو في مركز الحوار العربي الأميركي - واشنطن
كاتب في صفحات الحوار المتمدن - ص. مواضيع وأبحاث سياسية
عضو في رابطة الصداقة والأخوة اللبنانية المغربية
عضو في رابطة الكتاب الأردنيين - الصفحة الرسمية
عضو في مجموعة شام بوك
عضو في مجموعة مشاهير مصر
عضو في مجموعات أخرى عديدة.













التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مصر تنفي التراجع عن دعم دعوى جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام مح


.. هيئة البث الإسرائيلية: نقل 300 طن من المساعدات إلى قطاع غزة




.. حزب الله اللبناني.. أسلحة جديدة على خط التصعيد | #الظهيرة


.. هيئة بحرية بريطانية: إصابة ناقلة نفط بصاروخ قبالة سواحل اليم




.. حزب الله يعلن استهداف تجمع لجنود إسرائيليين في محيط ثكنة برا