الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لغة الأرقام

أحمد زوبدي

2015 / 11 / 24
الادارة و الاقتصاد


لغة الأرقام
د. أحمد زوبدي - باحث في الاقتصاد السياسي
صحيح أن الأرقام تعكس واقع الحال شريطة أن تكون الأرقام إياها دقيقة وموضوعية ، لكن أن توظف في غير محلها وهو ما يجعلها تتحول إلى إيديولوجية ليس إلا . كثيرة هي الأرقام التي تكون غير مدققة لتعطي صورة جميلة عن وضع معين. هناك أرقام يشوبها التزوير بجرة قلم وهي أكثر فظاعة . أرقام أخرى يحصل عليها عبر لوجيسييلات من خلال تزويد هذه الأخيرة بمعطيات وهي لا تقل خطورة عن الأرقام المزورة لأنها لا تترجم حقيقة الواقع لأن الذي يقوم بوضعها يغلب الإيديولوجية والمصلحة الطبقية أو الفئوية عن الموضوعية .
مثلا، في برنامج "قضايا و آراء "، تحدث وزيرالاتصال ،الناطق الرسمي للحكومة، مصطفى الخلفي، عن الضريبة على القيمة المضافة فيما يخص مادة الشاي وقال أن هذه الضريبة قد تم الرفع منها ( من 14 إلى 20 في المائة) في قانون المالية للسنة المقبلة (2015) فيما يخص الاستهلاك المباشر، لكن سجلت هذه المادة انخفاضا فيما يتعلق بالرسوم الجمركية على الواردات (من 40 إلى 32.5 في المائة). وإذا قمنا، يقول الخلفي، بطرح الأول من الثاني فإن الحاصل إيجابي يعني أن الضريبة على القيمة المضافة بالنسبة لهذه المادة عرفت انخفاضا ( ب 1.5 نقطة) . والحقيقة أن الناطق الرسمي باسم حكومة بنكيران قام بخلط الأشياء إذ أن العمليتين ليستا متجانستان أي أنه لا يمكن طرح شيء من شيء آخر لا ينتمي لنفس الفئة. كما أن التخفيض من الرسوم الجمركية على مادة الشاي المستورد لا يصاحبه أوتوماتيكيا انخفاض في الأسعار الداخلية و بالتالي انخفاض في أسعار الاستهلاك بحكم أن المادة المستوردة تتحكم فيها الشركات (المستوردة) التي تقوم بالزيادة في الأثمان بأكثر من اللازم، وهي القاعدة في غياب المراقبة ، خاصة إن كانت الشركة المستوردة تحتكر القطاع ، وهو ما يجعل تخفيض الرسوم إياها يتبخر حينه .
من جهته، تحدث ادريس الأزمي الإدريسي، الوزير المكلف بالميزانية، في نفس البلاطو لكن في موضوع آخر وفي توقيت آخر، تحدث عن التوظيف دون خصم الموظفين الذين يحالوا على التقاعد. فالأرقام التي تدلي بها الحكومات في قوانين المالية في هذه الباب كما في مجالات أخرى هي أرقام إجمالية وليست الأرقام الصافية . يغيب عن المسؤولين في هذا الموضوع أن الدولة إن قامت بتوظيف كذا ، فإن عدد الموظفين المحالون على التقاعد والمتوفون يصل إلى هذا الرقم وفي بعض الأحيان يتجاوزه .مما يعني أن الدولة لم تقم بتوظيف بل قامت فقط بعملية تعويض الوظائف التي أصبحت شاغرة. وهنا تحجب الأرقام واقع التشغيل ببلادنا فيما يخص الوظيفة العمومية. أما فيما يتعلق بالتشغيل والبطالة في القطاع الخاص ،فحدث ولا حرج ، وهو موضوع آخر سنعود له ربما لاحقا . نفس الملاحظة تنطبق على العديد من العمليات المحاسبية التي لا يخصم منها الاهتلاك أو تكاليف موازية أو غير مرئية. بمعنى من جديد أن الأرقام الإجمالية تبقى القاعدة والأرقام الصافية الاستثناء بهدف طمس الأمور.
في مستوى آ خر يتعلق بالمديونية والعجز الموازناتي، وهما النافذة التي يدخل منها صندوق النقد الدولي بشكل قوي جدا مع العلم انه حاضر في كل المجالات .في هذا الباب يوظف الصندوق إياه بشكل مستفز للغاية الأرقام على الطريقة التي تخدم مصالح الدول الامبريالية ومصالح الطبقة الحاكمة إذ يركز على الجوانب التي توفر الكثير من الأرباح والتي تضمن هيمنة أكثر للغرب. فحين يقوم صندوق النقد الدولي بفحص وثائق معينة، فإنه يغض الطرف عن مسائل أخرى يبرمجها لحصة لاحقة بل أنه يصنفها غالبا ضمن القطاعات التي نجحت في الإصلاح . فالصندوق يعرف جيدا أن نقطة الضعف لدى الدول التابعة هو معدل النمو والعجز الموازناتي . ولهذا يحدد مستوى معينا كهدف لتحقيقه ، مثلا 7 في المائة كمعدل نمو و 2 في المائة كعجز موازاناتي. فمسؤولو الصندوق يعرفون جيدا أن الاقتصاد التابع لا يمكنه الوصول إلى هذين المستويين علما أن تحقيق هذه الأرقام لا معنى لها لكون التنمية والتقدم يتوقفان على أشياء أخرى تتعدى الأرقام .. فاستحالة تحقيق هذا السقف يجعل الصندوق دائم الحضور بالدول التابعة. فضلا عن ذلك، فهناك بلدان لا تحقق إلا معدلات نمو متواضعة بل أحيانا سالبة لكن تسجل تقدما ملحوظا وبالخصوص على المستوى الاجتماعي الذي يعتبر الغاية من كل سياسة اقتصادية.
من ناحية أخرى، ما معنى أن يدعو البنك الدولي لمحاربة الفقر علما انه هو الذي تسبب في ذلك بحكم السياسات التي فرضها على دول الجنوب في الستينيات والسبعينيات في عهد مديره، رجل الأعمال الأمريكي وكاتب الدولة في الدفاع، روبير ماك نمارا (عفوا ماك تمارا ! )، وما الجدوى من ذلك في حين أن صندوق النقد الدولي يفرض تقليص النفقات العمومية وبالخصوص النفقات الاجتماعية الذي أدى إلى تفكيك المرافق العمومية. أكثر من ذلك، فالمؤسسات الدولية لا تدلي بالأرقام الحقيقية، فكل الأرقام التي تتعامل بها إما أنها أرقام مزورة أو شبه مزورة أو غامضة !
تأخد إيديولوجية الأرقام أشكالا أخرى، الهدف منها هو إخفاء حقيقة الوضع القائم لهدف تأبيد النظام .يتعلق الأمر في هذا الباب مثلا لا الحصر بمعدل كتلة الأجور في الناتج الداخلي الخام الذي يعتقد أصحاب الحال في المغرب أنه يتجاوز المعدل المتداول عالميا .هذه التصريحات تبقى مجانية بحكم أن المسؤول المباشر عن ارتفاع الأجور هي الأجورالعليا (الوزراء، السفراء، الولاة والعمال، المدراء العامون، البرلمانيون...) التي تهيمن على نصيب الأسد في هذه الكتلة وليس الأجور الدنيا التي لا تتجاوز 3000 درهم شهريا بالنسبة ل 80 في المائة من الموظفين.
يمكن قراءة لغة الأرقام من خلال روجيستر آخر ذو أهمية بالغة بل مثيرة للجدل . الأمر يتعلق بالتضارب حول الأرقام والإحصائيات التي تدلي بها المندوبية السامية للتخطيط ووزارة المالية وبنك المغرب . بعض الإقتصاديين المدرسيين الذين يفتقرون للجهد النظري وإنتاج المعرفة يزعمون أن التضارب الحاصل في هذا الشأن ناتج فقط عن اختلاف المنهجية في وضع الأرقام لدى كل إدارة. صحيح أن المنهجية في وضع الأرقام لها قيمة علمية ، لكن فيما يخص ما يجري في بلادنا فالأمر يكتسي بعدا إيديولوجيا وأمنيا بامتياز . بمعنى أن التضارب في المعطيات هي مسألة مفتعلة حتى يبقى الواقع غامض ومبهم لدى الرأي العام . فهذا الشكل من التعامل مع الأرقام يسعى إلى التعتيم على المعطيات لخدمة مصلحة الطبقات السائدة والمستفيدة من الوضع القائم .وهذه حقيقة وليس كلاما فارغا. وإني أتحدى من يقول أن الأرقام المنشورة هي الأرقام الحقيقية والدليل على ذلك هو رفض الإدارات والمؤسسات إمداد المهتمين بالدراسات بالإحصائيات والمعطيات تحث ذريعة أنها تبقى أسرارا تضمن السر المهني وأمن الدولة ...
سأكون مضطرا لختام هذا الموضوع الشائك جدا والذي يتطلب دراسة مركزة ومرقمة . سأختم بما تنشره بعض الجرائد الحزبية والمؤسسات الموازية لها. أخص بالذكر الأحزاب التي شاركت في حكومة التناوب المخزني التي كانت تدلي بالأرقام التي تعطي صورة جميلة عن السياسة التي تنهجها، لكن اليوم تقول العكس . نفس الشيء بالنسبة للحزب الذي انسحب من حكومة بنكيران أو الذي انسحب ورجع بعد بضعة أشهر بتلك الطريقة البهلوانية . وهنا لا يعفى الحزب الذي يقود اليوم الحكومة والذي كان بالأمس يعطي صورة سوداء عن الوضع ، أما اليوم فنرى أعضاءه لا يتوقفون عن الحديث عن المنجزات التي حققتها الحكومة الحالية. هذا يفسر دون عناء التوظيف الإيديولوجي والسياسوي للأرقام ليس إلا.هذا التلاعب بالأرقام يهدف إلى طمس الواقع المنهك بالفساد والرشوة واللصوصية وبيع الضمائر والارتزاق في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والإدارية والثقافية والفكرية والحقوقية والنقابية ...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مشروع الصوب الزراعية الطريق نحو الاكتفاء الذاتى.. حقق طفرة ف


.. هل تعالج مبادرة -مبادلة الديون- الأزمة الاقتصادية في مصر؟


.. الأسواق العربية | الاحتياطات النقدية تفقد تريليون دولار




.. دول النفط تصدم الغرب بتخفيض الإنتاج.. دعم للروس أم استقلال ق


.. أزمة أوكرانيا.. مناطق الضم والأهمية الاقتصادية | #غرفة_الأخ