الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لهم تغريبة واحدة ’ وله وجود متعدد (عبدالسادة البصري) مغترب في دوامة الحضور

احسان العسكري

2015 / 11 / 26
الادب والفن


" يقال ان الشاعر لسان حال شعبه ومرآة جيله وانعطافة بعاطفة في مسيرة حياة الشعوب , ونرى العديد من الشعراء يبدعون كثيراً في صياغة واقع الحال ومنهم من يبدع في نقل الواقع عبر مرايا الخيال ومنهم من يستنبط الأحكام من ويقاضي المستقبل بجدارة ومنهم من يصوغ وجع الايام بلغته الخاصة , إن عظمة الشعر تتلخص في أن الشاعر هو القادر الوحيد على ان يؤرخ للجمال ويجمل الاشياء ويغوص في بحار التأمل بلا معين ولا أريد ان اقول كل الشعراء مبدعين ولكن الغالبية العظمى منهم كذلك , فإذا كان الشاعر مبدعاً في وصف وتجميل وتأريخ وتوعية وتنقية غيره بجدارة فكيف اذا فعل هذا مع ذاته ؟
( الشاعر عبد السادة البصري ) شاعر له وجود متعدد وإن كان للناس تغريبة واحدة وان كانوا هم :
الحاملون صلبانهم,, لباسهم الرماد"
لأغنياتهم طعم المراثي
والشمس لاتنام الا في قلوبهم !!
ينظرون الأسى,, ويقتاتون التسكع
ينادمون قصائد نيرودا
ويسمرون مع أوكتافيوباث
يقصون أشعارهم كالحكواتي,,
ويعلكون الريح"
* كم هو راقٍ هذا التصوير الذي ينقل القاريء الى مكان بعيد حيث تلتقي الصحراء بأفق الرحيل .. هنالك صفٌ من الناس يكاد التراب ان يخلق اعصاراً في افواههم , هل هو الذهول ؟ ام هي حيرة انتجها واقعٌ عانوه لعقود ؟ هؤلاء الحاملون صلبانهم على اكتاف الزمن متشحون بالرماد . فلا حزنهم اسود ولا فرحهم ابيض ولا لحيرتهم لونٌ يذكر , افراحهم المآتم ومآتمهم الحزن وقهقهاتهم بكاء بصمت وغضبهم تناول لوجعهم بشراهة , مظلمة ايامهم وداكنٌ مستقبلهم وان اشرقت الشمس في قلوبهم .
التسكع الذي يقصده الشاعر هنا هو تسكع الأرواح والحيرة في المصير المجهول ولعل استشهاده بـ (بابلو نيرودا (1) ) يجمع بين انهم اشتركوا جميعاً بهذا وإنهم نقضوا عهداً كان لهم مع تأريخٍ ما , واعتقد البصري يريد ان يقول أنا خير من يكتب الحزن في كل عصر تدعون فيه الفرح ايها القصاصون لاشعاركم في مقاهي البؤس و (درابين) الضياع .. من هم يا شاعرنا الكبير عبد السادة البصري : أنا اعرفهم ولكن سأتأسى بقول نديمهم :
“ميت هو ذاك الذي يصبح عبدا لعاداته
مكررا نفسه كل يوم.
ذاك الذي لا يغيّر ماركة ملابسه
ولا طريق ذهابه الى العمل
ولا لون نظراته عند المغيب"”
نيردوا هو نديم الحالم بالتغيير الراقص على وجعه بألحان التشفي ومخالفٌ لمايسترو العبودية لأن سيمفونية الحزن التي تعزف على اوتارها بكل هذا الابداع لماتزل تملأُ جلابيب الذكريات عبر عقود من البكاء والتجريح فهم قصون حكايا التأريخ عبر حضورٍ غير مبرر أبداً
تتعدد الإتجاهات في هذا النص ولا تنتهي في مسار واحد كما يعتقد غالباً من يقرأ النص قراءةً اعتيادية ’ لاشك ان البصري وضع نفسه هنا موضعاً هو ارده وإلا فأن الشاعر عندما يجمل فكره بمعارضة اجيال تتلوها اجيال جُبلتْ على منادمة الأنين هذا يعد تحدياً سيما وأنه ذكرَ الشاعر المكسيكي ( أوكتافيوباث )(2) عدو الفاشية الأول وهنا تكون نقطة تحول جديدة في مسار النص ان الشاعر هنا أكد انه يوازن بين ذاته ومجتمع أجبر على ان يعيشه ويكون صوته , ومن يعرف عبد السادة البصري صاحب الكلمة البصرية الجميلة (حبوبي) فهو من النوع الذي لا تملك الا تعشق روحه وتتمنى انك لو كنت صديقه المقرب ففهو شاعر لايعلك الريح ولا يقع في مطبات المجاملة ولا يساوق العادة بل يسامق نخيل البصرة تفرداً وتألقا.

الحاملون صلبانهم ,, عيونهم الأمل"
بيوتهم أحلام
والفرح لعبتهم القاتلة !!!
لكي يصافحوا النجوم ,,يفترشون الليل
ولكي يصاحبوا التجوال ,,يقتعدون الرصيف " !!!
* ان الشعراء اذا حملوا الوطن قضية والناس هوية تجدهم متألمون منقادون رغماً عنهم صوب شواطيء الوجع وهذه اسمى انطلاقاتهم نحو الانسانية فبعضهم صار رمزاً محبوباً اكثر من السياسي بـمليون مرة وبدرجات تفاوت تكاد تخفي السياسي ورجل الدين من على خارطة المصير الذي يرون ان الشاعر خير من يوجد الحلول له ولمحنهم دونما أجر بل ان الشاعر عبد السادة البصري في نصه القصير هذا الكبير في مضامينه واتجاهاته اعلن إنه كان يمثل بعدا مشرقا من ابعاد الوطنية المتعددة مستمراً في خلود فكره وعطاء قلمه فالفرح : تلك الللعبة القاتلة عند من يعاصرهم كان نتيجة حتمية لحمل الصلبان بأمل يكاد يخرج من العيون ليعلن عن وجوده بتقدمية وانعتاق من كلي الا من التراب الذي ينتمون اليه لذا تجدهم يفترشون الرصيف كانطلاقة مصيرية نحو البحث عن خلاص , مروءة البصري الهمته انه مسؤول عن هؤلاء الذين يصافحون النجوم بفرحة مصطنعة فهم من افترشوا الليل للتأمل وناموا على وسائد من جوع ولم يقبلوا بخضوعِ المنتمي حد الهلاك وأنه (البصري) ذلك الفارس الذي وضعوه نصب اعينهم  أكبر والذي امتطى الجمال براقاً لا يكفيه إلا أن يحلق به ماسحاً جبين الكواكب بأجنحة من عطاء وعطرٍ من الحرية التي قُتلت وحُبست بين اطلال الروايات وأحاديث الشاشات الصفراء وإن الشجاعة الحقيقة هي في أن يواجه المبدع جمهوره ويبين لهم انكساراتهم ويخرجهم من تجميل الواعظ لصورة الخراب بأسم الدين أو تحت عنوان الفردوس الموعود او ان الصلاح في ذات الانسان لا بكرسي الواعظ لأن الخير لم يطعمهم سوى الوهم ولم يشفِ غليلهم بغير البكاء ولم يأخذ بثأرهم الا منهم وهو يغرد لتطاير قطرات دمائهم عبر مجالات الفضاء المكتض اصلاً باسلافٍ كانوا غارقين بهلوس الوعض ولم يبنو لمستقبلهم غير فاشيةٍ دينية خُدِّرت بها اعصابهم التي طالما نجدها ضاقت ذرعاً حتى بأحبتهم وذويهم انهم :
الحاملون صلبانهم ,,,قمصانهم الرمل
وشاهدة قبورهم ,,, أزهار برية"
* عبد السادة البصري يثب في كل نص له انه مفكر متمكمن وشاعر كبير وقبل كل هذا هو انسان حالم طموح محب لللإنسانية وهو لمن يعرفه خير صديق ورفيق عمر وغير ذلك فهو مناظل من الطراز الأول و (حبوب) من الطراز المنقرض
----------------------------------------------------
(1) بابلو نيرودا : شاعر تشيلي الجنسية . سياسي شيوعي يميني حاز على جائزة نوبل في الآداب عام 1971وحصل على الدكتوراه الفخرية في الأدب من جامعة أوكسفورد وقد قيل عنه هو الشاعر السابق لعصره بعقود . ترشح لرئاسة تشيلي ولم يترأسها
(2)أكتافيو باث : شاعر وسياسي وهو أول اديب مكسيكي حصل على جائز نوبل حيث حصدها عام 1990 وهو من اشهر اعداء الفاشية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ملتقى دولي في الجزاي?ر حول الموسيقى الكلاسيكية بعد تراجع مكا


.. فنانون مهاجرون يشيّدون جسورا للتواصل مع ثقافاتهم الا?صلية




.. ظافر العابدين يحتفل بعرض فيلمه ا?نف وثلاث عيون في مهرجان مال


.. بيبه عمي حماده بيبه بيبه?? فرقة فلكلوريتا مع منى الشاذلي




.. ميتا أشوفك أشوفك ياقلبي مبسوط?? انبسطوا مع فرقة فلكلوريتا