الحوار المتمدن - موبايل


مصر عند مفترق الطريق

جاك جوزيف أوسي

2015 / 12 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


عندما وضع جمال عبد الناصر مفهوم الدوائر الثلاثة ” الأفريقية والعربية والإسلامية ” الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية في كتاب فلسفة الثورة، كان مدركاً لحدود قوة مصر وقدرتها إن من ناحية الموقع الجغرافي أو من ناحية الإرث التاريخي.

فعبر التحرّك في الدائرة الافريقية كانت مصر تعمل على تأمين مجالها الحيوي المتمثل بحماية منابع نهر النيل لضمان حصتها كاملة من مياه النهر، مستخدمة قوتها الناعمة المتمثلة بروح الثورة التي قادها الجيش المصري ضد الرجعية ونضاله ضد الاستعمار البريطاني، ومن ثم حركة الاصلاحات التي اطلقها داخل البلاد والتي اصبحت المثال والأمل للشعوب الافريقية المضطهدة. ومن ناحية أخرى، استخدمت مصر بمهارة منارة الأزهر الشريف والقوة الناعمة للكرازة المرقصية ” الكنيسة القبطية ” التي تغلغلت على طول حوض النيل وفي افريقيا الاستوائية, لتعمل على حماية الحصة المصرية في مياه النهر.

أما الدائرة الثانية، فهي الدائرة الاسلامية والتي استغلها عبد الناصر جيداً عبر الأزهر الشريف وجامعته التي عملت على اعداد كوادر بشرية من شتى أصقاع البلاد الإسلامية، وحتى البلاد التي فيها جاليات إسلامية، ليكونوا رسله المؤتمنين ورجاله المخلصين الذين سيتولون الدفاع عن أفكاره وسياساته ومبادئه.

والدائرة الأخيرة التي رسمها عبد الناصر فكانت الدائرة العربية التي أدرك قوتها وخصوصاً إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 م، فمن باب القضية الفلسطينية دخل عبد الناصر على الساحة العربية وبنى سمعة مصر كحامية ومدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني أولاً، والقائدة والمتحدثة باسم العرب والمدافعة عن حقوقهم ثانياً. وكانت هذه الدائرة هي التي ستحدد مكانة وحجم الدول التي ستبدأ تنافس مصر على قيادة المنطقة وتطمح للحلول محلها كقوة إقليمية.

وبتقاطع هذه الدوائر الثلاث بنى عبد الناصر قوة وسمعة مصر على الساحة الدولية وخصوصاً عندما عمل مع جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند، وجوزيف بروز تيتو رئيس الاتحاد اليوغسلافي على تأسيس منظمة دول عدم الانحياز لتكون كتلة موازية لحلف شمال الاطلسي الدائر في فلك الولايات المتحدة وحلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفييتي.

هذا الإرث الناصري، دمّر على يد خلفاء عبد الناصر في مصر. فعبر نادي سفاري الذي أسسه أنور السادات مع ملكي المغرب و السعودية وشاه إيران وبدعم من وكالة المخابرات الأميركية لمحاربة الفكر الشيوعي والتقدمي في إفريقيا، عمل هذا النادي على دعم الحركات الرجعية ونسج المؤامرات لقلب أنظمة الحكم الوطنية لصالح فئات مرتبطة بالرأسمالية العالمية والامبريالية الدولية في أفريقيا. وبهذا العمل تراجعت صورة مصر من دولة تقدمية صاحبة رسالة إلى بيدق بيد الرأسمالية العالمية استخدمته كرأس حربة تقاتل كل فكر تنويري في هذه القارة.

أما على الصعيد العربي، فبعد اتفاقيات كامب دافييد الموقعة مع الكيان الصهيوني وتبنيها للأفكار الليبرالية الاقتصادية، تقوقعت مصر على نفسها بحجة إنها تحملت ما لم يتحمله غيرها في سبيل الأمة العربية قضاياها، وقد حان الوقت لتلتفت مصر إلى الاهتمام بشؤونها الداخلية، فانتهت مصر من مدافعة عن حقوق الشعوب المضطهدة إلى مقاتلة في سبيل الفوز بمسابقة لملكة جمال أو تنظيم حدث رياضي أو ما شابه ذلك، في صورة تعكس التناقض بين السيد المدافع عن حقوق الضعفاء، ومثال الخادم لمصالح الأسياد.

وعلى الصعيد الإسلامي، فقد دخلته مصر من بابين خاطئين. الأول داخلي، عندما سمحت للتيارات الرجعية بإعادة تنظيم نفسها في الشارع لاستخدامها ضد الفكر الناصري أولاً ولمحاربة ما اصطلح على تسميته الخطر الأحمر الذي يتهدد مصر ثانياً وكان المقصود به ” الفكر الشيوعي “. أما الباب الثاني فكان انخراطها في الصراع الذي دار في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي واعتبار الصراع صراع بين معسكر الكفر والالحاد ” الاتحاد السوفييتي ” ومعسكر الايمان ” المجاهدين الأفغان والعرب “. وبتبنّي صانع القرار المصري هذين القرارين عمل على ادخال المجتمع المصري في دوامة من العنف لم تنتهي فصولها حتى الآن.

أما في المجال العربي، فالدور المصري سيظل مؤجّل حتى إشعار أخر، بسبب المشاكل الداخلية التي اعترضت المجتمع والدولة المصرية بعد ثورة “25 كانون الثاني – يناير ” والمتمثلة بشكل أساسي بإعادة تعريف الهوية المصرية أولاً وأولويات الانتماء وهل هو لوطن أم لدين، هذا على صعيد الوطني، أما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي يجب العمل على تحديث واصلاح مؤسسات الدولة التي نخرها الفساد لتتمكن من اداء دورها بكفاءة وفعالية في مجتمع يرزح تحت وطأة مشاكل كثيرة أولها الفقر المدقع الذي بدأ يدمر الطبقة الوسطى وأخرها الأمية التي تقدر نسبتها ب 40% من مجموع سكان مصر. وبين هذين الأمرين سيكون على الحكومة المصرية اقتراح الحلول لملف تنظيم الأسرة المصرية، هذا الملف الذي أصبح يؤرق صانع القرار المصري بسبب تحوله إلى قنبلة موقوتة لارتباطه بمشكلة الأمن الغذائي والتنمية الاجتماعية وعدم القدرة على تأمين الغذاء وتحقيق التنمية في ظل تنامي عدد السكان بنسب عالية غير قابلة للسيطرة عليها بسبب الموروث الثقافي و الاجتماعي والديني في مصر.

وبالنسبة للدور الاسلامي، فسيكون أمام مصر ممثلة بالأزهر الشريف معركة صعبة وطويلة، لإعادة الاعتبار لهذا الصرح العلمي والديني الذي كان منارة للثقافة العربية والاسلامية على امتداد الألف عام المنصرمة، منه انطلقت الاجتهادات الدينية والمذاهب الفكرية، وإليه انتهت خلاصة الحضارة الإنسانية في العصور الوسطى. هذه المعركة هي التي ستحدد توجّه المنطقة في المستقبل فإما ستسود أفكار التنوير والتطور على الساحتين العربية والإسلامية، أو ستزحف الأفكار الرجعية والمتطرفة لتسيطر على المنطقة مرجعة إياها إلى عصور الظلمات.

تكّلم جمال حمدان عن عبقرية المكان التي منحتها الطبيعة لمصر، هذا المكان الذي يقع في مركز تقاطع هذه الدوائر الثلاث، وبمقدار ما تحسن السياسة المصرية في التحرك والمناورة ضمن هذه المجالات الثلاث، بمقدار ما تبنى رصيدها وتعلي سمعتها كدولة مؤثرة في منطقة الشرق الأوسط،، وإلا فإنها ستكون ذاهبة لا محالة إلى المجهول … هذا المجهول الذي سينتج الفوضى التي ستخدم مصالح اللاعبين الكبار على رقعة الشطرنج الدولية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل القصاص لجورج فلويد يحقق العدالة في الولايات المتحدة؟


.. نشاط دبلوماسي متسارع في فيينا لإحياء الاتفاق النووي الإيراني


.. قضية جورج فلويد: ارتياح بعد إدانة شوفين وبايدن يصف الحكم بـ-




.. كيف سيتجه الوضع في تشاد بعد رفض المعارضة تشكيل المجلس الانتق


.. ما هي السيناريوهات المحتملة في تشاد بعد وفاة الرئيس إدريس دي