الحوار المتمدن - موبايل


الانحطاط الفكري والسياسي لدى العرب بعد موجة -الربيع العربي-

جاك جوزيف أوسي

2016 / 1 / 14
مواضيع وابحاث سياسية



بدأ مؤشر العداء لإيران لدى بعض السياسيين والمفكرين ذوي النزعة المذهبية بالارتفاع رويداً رويداً، وبدأت صورة الإيراني ترقى في أيديولوجيتهم لتكون فزاعة البيدر أو شماعة الأخطاء والعثرات وحتى النكبات التي أصابت الأمة العربية والإسلامية منذ فجر الثورة الإسلامية في إيران حتى الآن. بينما إسرائيل التي يفترض أن تكون العدو الاستراتيجي لشعوب المنطقة تنعم بالهدوء وترفل في نعيم (الربيع العربي) وهي تشاهد بفرح وسرور الحالة التي وصلت إليها شعوب المنطقة، إذ إن مصافحة الإيراني صارت أكثر استهجاناً وإثارة للاشمئزاز من عملية التطبيع السياسي والاقتصادي مع الإسرائيلي.
إيران هي من الدول الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يفرض وجود خلافات سياسية، استراتيجية كانت أم تكتيكية، حول الرؤية والتوجّه، بينها وبين باقي الدول في المنطقة. لكن هذه الخلافات يجب أن لا ترقى لتتحول إلى صراع مصير وحرب وجود، لأن البوصلة السياسية والعسكرية في المنطقة يجب أن تكون موجّهة نحو فلسطين المحتلة للعمل على تحريرها من نير الاحتلال الغاشم القابع في كنيسة المهد والمسجد الأقصى. لكن هذه البوصلة أصبحت بقدرة قادر موجّهة نحو طهران، وأصبح الإسرائيلي صديقاً، لأنه عدو العدو.
لكن في السياسة لا توجد صداقات دائمة أو عداوات دائمة، بل توجد مصالح مستمرة يجب حمايتها. ومن هذا المنطلق لا يتوقع أحد أن تكون العلاقات مع إيران خالية من الشوائب والمشكلات. ومن الطبيعي والمنطقي أن لايقبل أي عاقل أن تكون طهران مصدراً للتوتر في المنطقة تصدر القلاقل والزوابع لدول الجوار. لكن تحويل هذا الأمر إلى (إيران فوبيا) ليصبح مرض الشارع العربي، بشقيّه الإسلامي والقومي، يبدو شيئاً غير مرغوب وغير مقبول من الناحية الأخلاقية والسياسية.
فالتّركيز على الاختلاف المذهبي والتنافر الإيديولوجي بين المذهب الرسمي والشعبي في إيران ومذهب غالبية العرب، ليكون لبّ الخلاف وجوهر الصراع بين دول وشعوب المنطقة، يؤسس لحدوث زلازل وبراكين تُعيد رسم الحدود السياسية والجغرافية في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن بدأت تلك الحدود تُرسم في نفوس سكانها وعقولهم شيئاً فشيئاً. وللأسف فإن العمل على إحداث هذا الشرخ العمودي في مجتمعاتنا قد تمّ برعاية خليجية ومباركة أمريكية، لتحقيق مصالح الغرب الجيوسياسية في المنطقة. تماماً كما حصل في فترة الوجود السوفييتي في أفغانستان وما حصل خلالها من تدخّل أمريكي بقناع (الجهاديين العرب) لمحاربة النفوذ الشيوعي ومنعه من الوصول إلى حدود الخليج العربي. ليتحول (المجاهدون العرب) فيما بعد إلى تنظيم القاعدة الذي تغذّى ونما على عامل الصراع الطائفي بين المذهبين الرئيسيين في الإسلام، وساعده على ذلك خصوبة بيئة المنطقة ومزاجها العام المتقبلّ لهذه الفكرة مع الأسف.
هذا المشروع الذي يهدف إلى إعادة رسم حدود المنطقة على أسس طائفية ومذهبية وقومية، والتي تعمل عليه الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة وأتباعها في المنطقة، دول الخليج والعثمانيون الجدد، والذي كُلٍّفت القاعدة بتنفيذه على الأرض وأخذ شكل استراتيجية بعيدة المدى استغرقت أعواماً عدة، يتشكل من عدة خطوات، كان أولها التمدّد على حساب الأفكار التقدمية والعلمانية لتوضع الأفكار الطائفية التحريضية مكانها، وتتأسس تنظيمات جهادية ذات حلّة سلفية بديلاً عن الأحزاب الوطنية والقومية. مستغّلة حاجة الناس الاقتصادية لتؤجج من خلالها شعورهم الطائفي. متخّذة من قراءة متطرفة للدين ذريعة ووسيلة لتحقيق هذه الغاية. ليكون الهدف النهائي منها تهيئة الجهاديين والانتحاريين لتضرب بهم في أعماق المدن والطوائف. الأمر الذي يحصل في المنطقة الممتدة من باكستان إلى سورية، مروراً بالعراق، حيث تتعرض الأقليات الدينية والمذهبية والقومية لعملية استئصال ممنهج. وما نشهده اليوم من تغلّغل القاعدة وأفكارها وميليشياتها هو نواة وصورة مصغرة لما يُحضَّر له مستقبلاً انطلاقاً مما يجري في سورية.
إن ما يحدث على امتداد منطقة الشرق الأوسط من بوادر لحروب أهلية واقتتال داخلي، تخوضها المجموعات القومية والطائفية والعرقية، تحت رايات خفّاقة منقوشة بشعارات براقة لا تهدف في نهاية المطاف إلى إحلال الديمقراطية وتعميق ثقافة العدالة والحرية والمساواة بين أفراد هذه المجتمعات. بل إن ما يحدث مرتبط وبكل بساطة بحسابات الولايات المتحدة وصراعاتها الإقليمية (الملف النووي الإيراني)، والدولية (عودة روسيا الاتحادية كقوة عظمى على الساحة الدولية، ومحاولة احتواء جمهورية الصين الشعبية في المحيط الهادي وإبعادها عن القارة الإفريقية وإضعاف نفوذها المتصاعد في آسيا). وميدان هذا الصراع الرئيسي كان ومازال مناطق الطاقة الأحفورية (النفط والغاز) للسيطرة عليها وعلى إراداتها، لتوظيفها في دعم اقتصاديات الدول المتصارعة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أحزاب المعارضة في تشاد تندد -بانقلاب مؤسساتي- وتدعو لفترة ان


.. واشنطن متخوفة من تدهور الوضع الأمني في تشاد بعد مقتل الرئيس


.. المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن: الهجوم الحوثي على مأرب يعد




.. الهند تسجل أعلى زيادة يومية في العالم بإصابات كورونا


.. الحكومة الفرنسية تعلن رفعا تدريجيا للقيود ابتداء من 3 مايو/أ