الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الجريمة سياسية والتقرير والحل والنتائج أيضاً

نور الدين بدران

2005 / 11 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


قبيل اتفاق الطائف،حيث بدأ نجم رفيق الحريري يلمع في سماء السياسة،بعد أن كان رجل أعمال كبيراً،حدثني أحد أصدقائي وهو أحد المثقفين اللبنانيين المرموقين،عن مستقبل الرجل،بثقة العارف،أن الحريري سيكون علم المرحلة القادمة ولإشعار آخر،وفاجأني يومئذ بكم المعلومات عن الرجل ومنها: أن الحريري هو المشرف الشخصي على أموال الملك فهد في فرنسا، ناهيك بأمواله الخاصة هناك وهنالك، وهذا يعني أنه قادر على ترك آثار هامة في البنوك الفرنسية وغيرها،وبأن الحريري هو البديل للبرجوازية السنية التقليدية(صائب سلام وغيره) في الحكم اللبناني القادم،وختم صديقي حديثه بأن الحريري :"أهم من أي رئيس حتى من رؤساء الدول الكبرى".
آنذاك لم أعط حديث الصديق اهتماماً كافياً،حيث اعتبرت أن المبالغة أكثر من الحقائق.
لم يمض زمن طويل حتى وصل الدولار الأمريكي إلى ذروة وضع إزاءها الليرة اللبنانية في كعب الهاوية،فامتلأت شوارع بيروت بالمتظاهرين والأطر المشتعلة والهتاف بإسقاط حكومة عمر كرامي،وبالفعل سقطت تلك الحكومة الساقطة منذ تشكيلها،ثم شكل الحريري الحكومة الجديدة،وقبض على عنق الدولار،وقال كلمته الشهيرة:"لن يتجاوز الدولار ال1500ليرة لبنانية" وصدق الرجل وعده،مادام حياً،ومن المفارقات أنه أسقط أيضاً بموته حكومة عمر كرامي،أي حكومة ما بعد التمديد،القرار الأكثر رعونة في تاريخ العلاقة السورية اللبنانية.
منذ ذلك اليوم والحريري فعلاً علم المرحلة وصوته مسموع إقليمياً ودولياً،ولعله الرجل الوحيد الذي كان يقول للكبار لا،بالثقة نفسها التي يقول لهم نعم.
بغض النظر عمن خطط ونفذ تلك الجريمة القذرة،التي أظهرت كم صاحبها ضيق الأفق وجاهل بالسياسة،وإن كان بارعاً في القتل، لم يأخذ الحريري بموته حجماً أكبر من حجمه في حياته،كما يدعي الجهلة اليوم:"ألم يقتل غير الحريري حتى تقوم هذه الضجة كلها اليوم؟".
نعم اغتيل كثيرون ومعظمهم كبار ومؤثرون،لكن لم يكن أحد بوزن الحريري،بل من المستحيل المقارنة،ولم تكن الظروف اللبنانية ولا الإقليمية ولا الدولية كما هي اليوم،وهكذا فجريمة اغتيال الحريري جريمة سياسية معقودة على عقدة تناقضات لبنان والمنطقة،دون إغفال الدور العالمي في هذه العقدة،بل في هذه العقد.

إذاً في سؤال أو تساؤل من لا يعرفون دور الحريري ووزنه،بعض الحقيقة،فليس كل ما يجري اليوم وما سيترتب عليه غداً، هو بسبب موت شخص ولو كان الحريري أو حتى من هو أعظم منه.
بالمقابل لا يمكن القبول بالاستنتاجات التآمرية،أن قصة الحريري كلها ذريعة،ولهذا يجب النظر إلى القضية على أنها كلّ لا يقبل القسمة،وشيئاً فشيئاً يتضح منطق سير الأحداث،فالذي تجرأ على اتخاذ قرار قتل الحريري،ونجح في ذلك،لا يمكن الاستهانة بقدراته الإرهابية على تخريب أو عرقلة اللعبة الدولية في المنطقة،ليس لأن الحريري أحد أهم أركانها فقط،وإنما لأن القضية لن تقف عند هذا الركن أو ذاك،لهذا يهتم العالم اليوم،أكثر من اللبنانيين أنفسهم بمعرفة الحقيقة،وبوضع حد للفاعل،وبحل مجموعة العقد المتراكبة في المنطقة،وليس في لبنان وحده.
المتهم الأساسي اليوم في تلك الجريمة هو النظام الأمني السوري اللبناني المشترك،وإذا كان لبنان تمكن من التخلص من الجزء الأكبر من رموز هذا النظام بما يخص شقه الخاص،ولم يبق غير الجنرال الضاحك(لا أظنه ضاحكاً هذه الأيام) في بعبدا،فإن الوضع في سوريا،مازال على حاله،وفي هذه النقطة بالذات،يمكن عزل قضية الاغتيال مؤقتاً،حيث هذا النظام لم يعد أداؤه مقبولاً لا سورياً ولا إقليمياً ولا دولياً،لأنه بنظر الجميع معيق (عالفاضي) للعبة الجارية،فكيف إذا كان ضالعاً فعلاً في الجريمة؟
إذا تركنا الأخلاق والشعارات وما شابه مما لا تعترف السياسة به،أي إذا تكلمنا بلغة الأرقام والوقائع،ليس هناك حل أقل كلفة من التعاون والتناغم والانسجام مع الإيقاع العالمي،بغض النظر عن قناعتنا أو عدمها به.
لكن هذا الحل يحتاج إلى خطوات داخلية،يبدو أن النظام لا يفكر جدياً بها،وجلّ ما أخشاه أن يكون الانتحار أسهل عليه من فتح سجونه وبدء الحوار مع مثقفي ومعارضي سياسته من أبناء شعبه،للخروج من الأزمة بدولة حديثة،تفهم وتتكلم لغة الحاضر،وتقرأ بها آفاقه.
قال الرئيس بشار الأسد مرة،أنه ليس صدام حسين،نرجو ذلك،بل نأمل ألا يكون فيه أي أثر صدامي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غانتس يستقيل من مجلس الحرب الإسرائيلي ويطالب بانتخابات مبكرة


.. بعد الهزيمة الأوروبية.. ماكرون يحل البرلمان ويدعو لانتخابات




.. تباين المواقف حول مشروع قانون القتل الرحيم للكلاب الضالة في


.. استشهاد فتى برصاص الاحتلال في مخيم الفارعة بطوباس




.. ما تداعيات استقالة غانتس على المشهد السياسي بإسرائيل؟