الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مابين العقل العسكرى والعقل الدينى

هشام عبده

2016 / 2 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


مابين العقل العسكرى والعقل الدينى
من بدهيات الفكر السياسي أن الأحزاب هي الركن الأساسي في الحياة السياسية في الدول الديمقراطية، ومن بدهيات ذلك الفكر أيضا أن الحكم العسكري أو الحكم المستند إلى الدبابة (كرمز للقوة والسيطرة) او الحكم الدينى المستند الى الله (كرمز لامتلاك صكوك الغفران وطريق الجنان) لا يمكن أن يجتمعان مع الأحزاب في نظام سياسي واحد !
وتُعرف الدولة الحديثة بأنها مؤسسة سلطات منفصلة (تشريعية وتنفيذية وقضائية ثم إعلامية) أنجزتها عملية صراع اجتماعي ـ اقتصادي وتطور تاريخي لشعب يعيش في حيز جغرافي محدد، حازت فيها هذه المؤسسة حق احتكار الاستخدام الشرعي للعنف الطبيعي والرمزي (الجيش، الشرطة،...إلخ) لتنظم من خلالهما حياة ذلك الشعب وما حققه من إرادته الحرة وفق دستور وقوانين حديثة تناسب تطوره .
والسؤال هو هل ينطبق هذا التعريف على الدولة المصرية الآن ؟ وهل يمكن الاستناد إلى ما رآه "هيجل" بأن الدولة لا تستمد مشروعيتها من مجرد حماية الملكية وتحقيق الأمن والملكية الفردية - كما تؤكد نظريات العقد الاجتماعي - بل إن أساس الدولة يتمثل في تحقيق الروح الكلية المعبرة عن وحدة الإرادات الواعية، حيث تبلغ الحرية حدها الأسمى (لحظة الحرية المطلقة) ؟
بعد ثورة يوليو 1952 سيطر الجيش على كل مصالح الدولة، - بمباركة جماعة الاخوان المسلمن - ووضع في كل هيئة أو وزارة ممثلا له تحت مسمى “ممثل مجلس قيادة الثورة” وكان له صلاحيات التعليق على القرارات ومنعها، وكان المبرر؛ حماية الثورة ؛كذلك الإخوان؛ ريثما وصلوا للحكم بعد ثورة 25 يناير 2011 ،بدأوا محاولاتهم في السيطرة على كل مقاليد الدولة وكل أركانها، وأذكر من ذلك أحد أفراد جماعتهم عُين مستشارا لوزير التربية والتعليم وهو يحمل مؤهل متوسط ،كان همهم الأول أن يسيطروا كي يعيدوا بناء دولة مبارك، لكن بشخصيات مختلفة تخدم مصالحهم .
والحقيقة لم يزل حكم العسكر جاثما على رئة هذا الوطن المسكين ، وللعلم العقل العسكرى غبي بالفطرة ، مسلوب ، محاصر ، ولا يفكر إلا ببعد واحد هو القوة والسيطرة بأى شكل ، وهذا الكلام ليس اختراعا جديدا ، بل هو بديهية لا تحتاج الى فلسفة كثيرة ، ونرى ان هذا العقل لا يستطيع ان يمر اهدافه او ينفذ رؤيته فى اطار مجتمع حر ثقافيا وعلميا واجتماعيا بل دائما يختار حليف يشبهه الى حدما والذى اختار التحالف منذ ستة عقود مع جماعة لاخوان المسلمين حتى وان بدى للامر عكس ذلك وانهم اعداء بعض الوقت !
يصاب العقل العسكري بالشلل حين تعرض أمامه مبادئ أساسية للتطور كالديموقراطية ، الابداع ، استقلالية اتخاذ القرار ، النظام المؤسسي ، التعليم ،البحث العلمى ... الخ .

نعود فنقول هذا العقل التنظيمى - الاخوانى - المراوغ والغارق فى اللؤم هو الذى وضع المشير السيسى والعسكر مرة اخرى على طريق الحكم، وهذا العقل أيضاً الذى أدار عام حكم مرسى بأخطائه السياسية المكثفة بالمشاركة مع باقى الأطراف السياسية الأخرى، هو الذى جعل السيسى يبدو الأنجح فى هذا العام ، فقد نجح فى استعادة الثقة بالقوات المسلحة ، ورفع معنوياتها بعد إنحدار، ونفذ بكفاءة مهمته تلك، وبالتوازى مع فشل الآخرين كانت صورته وسط جنوده فى التدريبات تراكم الثقة فيها وتعزز شعبيته بهدوء ونمو انعكس فى التعلق به واستدعائه للتحرك حين بدت الأزمة السياسية تتجه إلى طريق اللاعودة .
فى قلب هذه الأزمة الخانقة قبل أيام من 30 يونيو، كان السيسى أيضاً خيار الإخوان ،- فهو اخوانى الهوى ايضا وقد نمى فى بيتا يضم اقطاب بارزة فى الجماعة مثل عمه عباس حسن السيسى - ؛ حين تقدمت مبادرات اللحظات الأخيرة لنزع فتيل الانفجار بحكومة وحدة وطنية برئاسة البرادعى بصلاحيات واسعة ، وحسب تصريحات أحمد فهمى رئيس مجلس الشورى وقتها وصهر محمد مرسى لوكالة الأناضول، رفض العقل الإخوانى البرادعى "المدنى" وطلب استبداله بالسيسى "العسكرى" حتى إن العرض تضمن أن يترأس الحكومة محتفظاً بحلته العسكرية وبقيادة الجيش .
فى لحظة أزمة يقول الإخوان إنهم كانوا يدافعون فيها عن الديمقراطية تم تخيير عقل التنظيم بين المدنى والعسكرى، فاختاروا العسكرى، وهو الذى يشبههم ،بما يعنى إن هذا العقل التنظيمى كان موافقاً أن يشاركه الجنرال الحكم عن أن يشاركه السياسيين المدنيين، وهو ذات الخيار الذى تم عرضه على الشعب المصرى بين مرسى "المدنى" والسيسى "العسكرى" فاختاروا الأخير .
ومنذ عزل مرسى وذات العقل التنظيمى يمهد طريق السيسى للرئاسة، ويمنحه الفرصة تلو الفرصة للصعود، ويتناغم مع الجوقة الإعلامية والشعبية التى دعت السيسى للترشح بتصعيد العنف والتوتر والفوضى، وعدم الاعتراف بواقع أن عزل مرسى كان مدعوماً شعبياً بجماهير حقيقية تختلف فى مصالحها وأهدافها من وراء التحرك وتجمعها كراهية لحكم الجماعة، ما جعل ترشح السيسى ونجاحه أمر مفروغ منه، لأنه كان مرشح القطاعات الشعبية الأوسع من جانب، ومرشح الإخوان من جانب آخر حين كانت كل فعاليات الجماعة فى الشارع، التى وصلت إلى تهديد الناس "هنحرركم غصب عنكم"، والتمنى المعلن بعودة مرسى المرفوضة عودته، تصب جميعها فى صالح السيسى آنذاك .
في المحصلة فقد كان لهيمنة الفكر الديني وللعسكريتاريا وأحكام الطوارئ حتى اندلاع الانتفاضات العربية دور أساسي في تحويل مسار هذه الانتفاضات، وفي صعود التيارات الإسلامية المتشددة لتتصارع او تتفاوض ثانية من اجل الاستيلاء على السلطة، محطمة أحلام من كانوا يتوقون إلى الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وبشكل أساسي محطمة الحلم بإنجاز الدولة الحديثة المدنية المستقلة ، وبالتالي تصبح كل الادعاءات والتبريرات حول الحامل الديني مثلا للوعي الاجتماعي وضرورة التعامل معه على أنه أمر واقع يجب أخذه بعين الاعتبار في أحسن أحوالها، عبارة عن مشاركة للتيارات الدينية المتشددة في صراعها على السلطة، لا يمكن له أن يؤدي بأي شكل إلى بناء الدولة الحديثة.
بل يصبح للنضال من أجل العلمانية والحكم المدني وترسيخهما في الدستور الأولوية القصوى، وهذا ما يجب أن تصر عليه ولا تتنازل عنه القوى السياسية المدنية الديموقراطية في سياق ما يُعدّ من تسويات للأزمة ، وهو ما يحقق جزءاً أساسياً من تطلعات المصريين ؟
واريد ان اختتم المقال بعبارة لفؤاد زكريا ما بين الحكم العسكري والتطرف الديني ليس إلا شعرة ، ففي الحالتين نجد تفكيرا سلطويا ، وطاعة عمياء ، واعتقادا بامتلاك الحقيقة المطلقة ، ورفضا للرأي الآخر، بل معاملته علي إنه خيانة أو كفر ،وفي الحالتين تسود القوة علي المنطق ،وتحسم المعارك بالتصفية لا بالحوار ، ويصادر حق العقل في الاعتراض واتخاذ موقف مستقل ، وتختفي المنابر الإعلامية التي تنمي في الناس ملكة التفكير النقدي”


هشام عبده








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صور أقمار اصطناعية تظهر النزوح الكبير من رفح بعد بدء الهجوم


.. الفيفا يتعهد بإجراء مشورة قانونية بشأن طلب فلسطين تجميد عضوي




.. مجلس النواب الأمريكي يبطل قرار بايدن بوقف مد إسرائيل ببعض ال


.. مصر وإسرائيل.. معضلة معبر رفح!| #الظهيرة




.. إسرائيل للعدل الدولية: رفح هي -نقطة محورية لنشاط إرهابي مستم