الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الألم مشكلا إنسانيّا

محرز راشدي

2016 / 2 / 8
الادب والفن


يبدو أنّ الإنسان ناكس أعلامه، متلحّف بلحاف حداده، منذ أن التفّ عليه قماط اللّعنة، ولُفظ إلى درك الشّقاء والفساد.
ولأنّ سياط الأقدار لا تخطئه، وشرارة رجمها لا تمهله، فإنّ كآبته استقرّت ميسم وجوده، وألمه بات من "الطّبيعة الطّابعة" أو يكاد. وقد تمثّل الألم من جهة كونه عطبا يصيب الحياة، وحيفا يصادر البقاء، ومن ثمّ فهو ليس جسديّا ظاهرا، بقدر ما هو حزن متريّع في العمق الإنسانيّ. ولكن إذا نحن نظرنا في الألم من جهة علاقته بتحرّر الإنسان، اكتشفنا أنّ الإنسان الحرّ لا يعتوره الألم لأنّه يتحرّك بدوافع داخليّة وفي المقابل الألم إكراه يمارس من الخارج.
وطالما أنّ الأشياء بأضدادها تتمايز، فإنّ المقارنة بين الألم واللذّة تبين أنّ الأوّل دائم (جاثم الآن وهنا)، بينما اللّذّة زائلة، ولا تعدو كونها ترضي حاجات مؤقّتا. وسبيل الإنسان إلى الانعتاق من سجن الألم ومن شره الحياة هو الفنّ.
ومن منظار آخر، يفترض أنّ القلق هو من جوهر الألم، خاصّة أنّه ليس قلقا حادثا، طارئا، بل هو قلق إزاء وجود الإنسان في العالم، ومن شأنه أن يعيد إلينا الوعي بأنّ "الوجود هو وجود للموت Being-To-Death [...] وفي القلق يتفتّح الإنسان لنداء الضّمير الّذي يدعوه إلى مسؤوليّاته تجاه وجوده، فكأنّه نداء الذّات لنفسها، للخروج من السّقوط إلى أصالة الوجود Authenticity of being".
ولعلّ كوارث الموت والدّمار والخيبات والحروب الطاحنة الّتي شهدها لعالم، لعلّها فتحت شرخا عميقا في الإنسانيّة جمعاء، حتّى أنّ بعضهم (شاتوبريان) ذهب إلى تشخيص كآبة العصر برمّته، ويكتشف أنّه ليس من عزاء إلّا في الطّبيعة والدّين. وقد يؤدّي الألم الممضّ بالإنسان إلى ضرب من التّشاؤم، وشقّ دروب العدميّة، ناهيك أنّه لم يجد في الطّبيعة إلّا اليباب واليباس، ولم يحصل من الآلهة إلّا الخور والخبل، وإذّاك فـ"لا عزاء له لا في الحبّ أو الطّبيعة، بل في الموت، وما من حلّ ينتظر في السّماء، فالإله لا يعبأ بالبشر، وإذن فلينطو الإنسان على نفسه متحمّلا آلامه ومصيره بصبر وثبات، وليمت صامتا (موت الذئب) [...] و ليعشق الألم الإنساني العظيم". فالإنسان - بعد أن لعق طعم هزائمه، وسلك مفاوز عمهاء، وتبدّت له أناس جلاميد، وتحجّبت عنه الآلهة في أبراجها – لم يجد من محيد إلّا زلزلة رتابة هذا الوجود، وتحطيم جميع المقدّسات، لتحلّ محلّها قيم أخرى كانت في حكم القذارات، عسى أن ينبجس من داخل الفوضى نظام جديد، والمثال الأبرز في هذا السّياق هو لوتريامون إذ "اكتشف (لوتريامون) فظاعة الوجود من خلال كاوس عظيم يتمثّل بإله ظالم، واكتشف أنّ الكون حزين والانتحار جميل (...) لقد اكتشف الفضيحة الكبرى، والخطيئة الأولى الّتي زرعت في الإنسان منذ الوجود. والفضيحة تعني أنّ العدالة مفقودة بوجود إله هو عدو للإنسان".
وإذا سلّمنا بأنّ الألم هو في عمقه شرّ، فإنّ إيميلي برونتي لم تعتبر الشرّ ذلك المبدأ المعارض للنّظام الطبيعي كما هو في حدود العقل، فالموت الّذي هو شرط الحياة، والشرّ الّذي يرتبط في جوهره بالموت، هو أيضا بشكل مزدوج أساس الكائن. وسيصبح من دون فائدة كبرى إخفاء أنّ في الشرّ انزلاقا دائما نحو الكارثيّ الّذي يعبّر عن الرّعب وانعدام الشّهية غير أنّه من المفيد الإقرار بأنّ في الشرّ وفق وجهة نظر تدعمها جاذبيّة لا مبالية نحو الموت، معنى يختلف عن ذلك الشرّ الذي له معنى المنفعة الأنانيّة. إذ هو فعل إجراميّ "قذر" (Crapuleuse) يعارض "الرغبوي" (Passionnelle)، والأدب الأكثر إنسانية حسب برونتي هو المكان الأسمى للرّغبة.
وقد ولّد الألم في فرانز كافكا إحساسا بالخواء أو اللّامعنى، وفتح عينيه على حياة حزينة، وشبقيّة دون حبّ أو رغبة، وقد دوّن في يومياته : "كلّما كنت راضيا، أريد أن أكون غير راض، وأبحث عن عدم الرّضا بجميع وسائل العصر والانتقال المتاحة لي، ثمّ أرغب في العودة لذلك كنت دائما غير راض حتّى بعدم رضاي...".
فالكتابة في منظوره نزعت عنها آخر أوراق التوت، فتخلت عن الالتواء الاستعــاري، وتحللت من زخرفها اللفظي، وكأن الكلمات والتراكيب حطام نفس متألمة، بل هي كذلك، خاصّة أنّه "يكتب مستهدفا الألم من أجل الألم"1(D’objectiver la douleur dans la douleur).
ولئن عدّ الألم موضوعا أثيرا في الأدبيّات العربيّة المعاصرة ومثال ذلك كتابات جبران خليل جبران، وأبي القاسم الشّابي، فإنّنا سنقصر القول على الألم عند بدر شاكر السياب لأن تجربته الشعرية أو بعضًا منها ستكون مركز اهتمامنا.
فألمه كان لحال المجتمع ولقضايا الأمة العربية، ولكن عندما أعطبه المرض اتجه بتألمه إلى التعبير الذاتي، يعدد عذاباته، ويصف آلامه في صور دامعة، خاصة أنّ ألمه الجسدي وازاه ألم نفسي نتيجة الوحدة والغربة وتخلي الأصدقاء عنه. حتّى أنّه أضحى يناجي رفات أمّه وكأنّه شعر بقرب موعده مع عالم الأموات، فعمد إلى ضرب مصالحة معه.
ولعلّ تفكيك النصّ الشّعري سيكشف عن خصائص شعريّة الألم، أي عن كيفيّات التقاط ظاهرة الألم بالالتجاء إلى الآليّات الفنيّة التي وظّفها الشّاعر في خطابه ليبلغ ما يروم بلوغه. فاللّغة عندما تفارق المستوى التّواضعي، وتعمد عمدا إلى تثوير ممكناتها الكامنة، يتسنّى لها سبر أغوار الإنسان واستشعار مكنوناته في مبعدة عن المسالك السّالكة، إذ أنّ الأدب فضاء تنفيس وتخفيف أو فضاء تصعيد، و"الشّعر هو اللّغة الأولى للشّعب التّاريخي وبهـــــا يؤسّس الوجود ويتفتّح لــــــــه، والشّعراء العظام هم الشّعراء الّذين يعيدون للّغة أصالتهـــــــا، إنّها وعـــــــاء الوجود ولسانه".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عام على رحيل مصطفى درويش.. آخر ما قاله الفنان الراحل


.. أفلام رسوم متحركة للأطفال بمخيمات النزوح في قطاع غزة




.. أبطال السرب يشاهدون الفيلم مع أسرهم بعد طرحه فى السينمات


.. تفاعلكم | أغاني وحوار مع الفنانة كنزة مرسلي




.. مرضي الخَمعلي: سباقات الهجن تدعم السياحة الثقافية سواء بشكل