الحوار المتمدن - موبايل


الهزيمة التاريخية

راجي مهدي

2016 / 2 / 17
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


الموضوع الذي سوف أكتب فيه قُتل بحثا ، أريق فيه حبرا غزيرا ، لكني لازلت أري أن فيه تكمن دروس لا مناص من قراءتها ، أو علي الأقل ، التأكيد عليها ، خاصة في ظل حالة الضباب ، التشوش ، الزيف الذي يسيطر علي المشهد محليا و إقليميا و دوليا .
في 28 سبتمبر ، أعلن أنور السادات وفاة الزعيم جمال عبدالناصر إثر نوببة صدرية حادة أصابته بعد أن وَدّع الزعماء العرب و عاد إلي بيته . أعلن السادات الخبر في صوت يصطنع الحزن ، صوت مسرحي مبتذل يُخفي ما كان يدور في رأس السادات ، حيث كان يمتلك حظوظا للصعود بعد أن عينه عبدالناصر نائبا له . و قد بالغ السادات في إظهار حزنه ، اذ يحكي السفير السوفيتي " فلاديمير فينوجرادوف " في أوراقه أنه في جنازة ناصر و إذ كانت الحشود تحيط بجثمان عبدالناصر أثناء التشييع ، فوجئ السفير بشخص محمول علي كرسي ، مرفوع فوق الأعناق ، يسير في عكس اتجاه الجنازة عائدا إلي مقر الاتحاد الإشتراكي . كان هذا الشخص هو السادات الذي بدا ، أو أراد أن يبدو و كأنه غير قادر علي تحمل صدمة وفاة الزعيم المفاجئة !! هذا المشهد كان ليبدو طبيعيا ، لو أن السادات أظهر بعضا من الإخلاص لسيرة عبدالناصر . ما حدث أن هذا الذي انهار في جنازة الزعيم لم يعط نفسه أي فسحة من الوقت ، و شرع في الإستدارة ، هادما كل ما بناه عبدالناصر .
كان صعود السادات ، تكليلا لصعود البرجوازية البيروقراطية ، ذلك الجناح الذي نما في ظلال عبدالناصر ، و لم يكف عن الإفادة ، و تخريب التوجه الإجتماعي لعبدالناصر . كانت سلطة يوليو خليطا مزركشا من البرجوازية ، في وحدة و صراع دائمين ، في اطار ما بينهم من تناقض ثانوي ، كان عبدالناصر علي رأس ذلك الجناح من البرجوازية الصغيرة ذا التوجه اليساري . بينما كان زكريا محي الدين ممثلا لمصالح الرأسمال الكبير المعادي للتوجه نحو الشرق ، الضاغط بقوة من أجل فتح الطريق للأمريكان . في قيادة الجيش تواجدت أقوي مراكز البرجوازية البيروقراطية ، معادي أيضا للتوجه الإجتماعي للثورة ، و كان عبدالحكيم عامر مركز هذا التجمع في الجيش ، بينما إكتسب هذا الجناح من البرجوازية موقعا مؤثرا في القطاع المدني من جهاز الدولة و في المؤسسات الاقتصادية العملاقة التي نفذوا إليها بشكل فج .
حيث كانت الثورة تعهد بقيادة مؤسساتها الاقتصادية التي تم تأميمها أو التي استحدثت الي عناصر رأسمالية تم تأميم مصالحها ، بل إن الأكثر فجاجة كان تولي سيد مرعي سليل الإقطاع وزارة الزراعة ، و قد كان سيد بيه مرعي موضوعا للهتاف الساخط في زمن السادات " سيد مرعي يا سيد بيه .. كيلو اللحمة بقي بجنيه " . استوطنت البرجوازية الكبيرة الصاعدة كل تنظيم سياسي استحدثه عبدالناصر ، و بدلا من ان تكون تأميمات الستينيات مقدمة لتصفية كل تواجد للرأسمال الكبير ، وجدت البرجوازية لنفسها في جهاز الدولة مركزا للتجمع ، بؤرة للتكاثر و للتجرثم و مركزا لتخريب التوجه اليساري الناشئ. لولا التأييد الشعبي الجارف لعبدالناصر لمثلت ضربة يونيو / حزيران فرصة لا حدود لها للبرجوازية للإستيلاء علي السلطة . لقد لعب مركز البرجوازية البيروقراطية في قيادة الجيش المصري دورا خيانيا مباشرا ، خيانة صريحة لدماء عشرات آلاف الجنود و الضباط الذين تم تسليمهم بدم بارد للصهاينة ، خيانة صريحة للقضية الوطنية المصرية ، لاستقلال هذا الوطن ، و توجهه نحو التحرر الإجتماعي . و قد كان الرهان علي أن الهزيمة سوف تعزل عبدالناصر عن جماهيره و من ثم يمكن التخلص منه ، و تستعيد البرجوازية مصانعها و امتيازاتها و أرباحها ، لكن الذي حدث أن الجماهير خرجت في 9 يونيو لتؤكد دعمها للقائد و للتوجه الذي يمثله و لتمثل حائلا منيعا أمام الرأسمال الكبير .
كان السبب في عدم الحسم ضد مواقع البرجوازية الكبيرة هو التشوش الذي تتميز به البرجوازية الصغيرة و ترددها ، حتي جناحها الذي وضع القضية الوطنية في صلب إهتماماته . لم يكن عبدالناصر يمتلك الحسم في الأدوات ، و قد كان واضحا أنه اعتمد التجربة أساسا ، و أنه نظر بعين الاحتقار لما أنتجه علم الإجتماع الماركسي علي وجه الخصوص . لم يكن يري تعارضا بين التحرر الوطني والرأسمالية . كان يظن أنه من الممكن أن تنال مصر استقلالا حقيقيا في ظل اعتماد الولايات المتحدة و المعسكر الغربي كحلفاء استراتيجيين ، و قد جاءت تجربة السد العالي لتغرس في نفسه شكوكا عميقة ، لكنه كان أبعد ما يكون عن الحسم ، فحتي أواخر الخمسينيات ، كان عبدالناصر يظن أن الرأسمالية يمكنها أن تضطلع بدور حقيقي في التخطيط ، و مرة أخري ، سقط ظنه و فشلت فرضيته . و قد كان أحيانا ما ينتج مقولات نظرية تدحضها تجربته ، و لكن بعد أن ندفع ثمنا كبيرا . فقد كان صاحب تصور يقول بوجود رأسمالية غير مستغلة ، ثم عاد و قدم نقدا ذاتيا لمقولته هذه . كان قد أنكر مرارا وجود الصراع الطبقي ، ثم عاد و اعترف في خضم التجربة . وقتها أدرك أنه لابد من توجيه ضربة للرأسمال الكبير فظهرت قرارات التأميم التي وصفت ب "القرارات الإشتراكية" .
كانت مأساة الوحدة و "الغدر" الذي تعرضت له التجربة ، ذات تأثير حاسم في دفع عبدالناصر شوطا كبيرا نحو اليسار و تطوير فكرته عن الصراع الطبقي . لكنها أبدا لم تدفعه للحسم بشكل رادع و قاطع ضد المراكز السياسية للرأسمال في سلطته و في جهاز الدولة . و لم يستطع تطوير أي صيغة للتحالف مع القوي الماركسية التي كانت تقدم شهدائها إبان محنة الإعتقال (1959 - 1964) دون أدني مبرر .
كانت تلك القوي قد قدمت نقدا موضوعيا للوحدة في فترة اتسمت بصعود القوي الماركسية في سوريا ، و استيلاء تحالف قومي شيوعي علي السلطة في بغداد . كانت القوي الماركسية في مصر - سوريا - العراق ، ضد صيغة الوحدة التي قدمها عبدالناصر . كان عبدالناصر مصمما علي تصفية الوجود الحزبي في سوريا و العراق ، خاصة الحزبين الشيوعيين ، مع فرض حزبه - الاتحاد القومي - علي البلدين . من وجهة نظر مبدئية ، وجه الماركسيين في الأقطار الثلاثة نقدا موضوعيا و رفضا لهذا الشكل الإندماجي للوحدة ، مقترحين البدء بصيغة الكونفيدرالية . لم يستطع عبدالناصر تفهم الأمر ، ظن أن هناك تواطؤ ، و أن الاتحاد السوفيتي هو الذي دفع تلك الأحزاب لموقفها . كانت القوي الماركسية المصرية قد اتحدت في حزب واحد "الحزب الشيوعي المصري - 8 يناير" هو الأضخم في تاريخ الحركة الشيوعية المصرية حتي الآن . و قد كانت قضية الوحدة مع سوريا ثم العراق أحد مواضيع الخلاف الرئيسية التي استجدت ، أما قضية الديمقراطية فقد كانت محل الخلاف الدائم . كان عبدالناصر قد حسم موقفه منذ أزمة مارس ، و لكنه حين اختلفت الظروف ، و وطدت السلطة مراكزها ، لم يستطع تطوير مفهوم آخر عن الديمقراطية . كان دائم التأكيد علي الديمقراطية الإجتماعية ، باعتبار أن لا ديمقراطية سياسية مادامت الجماهير جائعة . و هو مفهوم صحيح ، فبخلاف الديمقراطية البرجوازية ، طرحت الماركسية الديمقراطية الشعبية . الديمقراطية ليست التعددية الحزبية ، و هي مفهوم طبقي بحت . و الموقف الصحيح الذي اتخذه عبدالناصر إبان أزمة مارس ، لم يستطع تطويره ، ضمن ما طوره من مفاهيم . لم يستطع استيعاب إمكانية التحالف و العمل مع الماركسيين ، حتي مجموعة شهدي عطية المؤيدة بشكل قاطع لعبدالناصر ، لم تسلم من الاعتقال و التعذيب ، بل ان شهدي نفسه قد سقط شهيدا تحت آلة القمع . ففي المعتقل تواجد خليطا عجيبا ، الاخوان المسلمين الذين كانوا بطبيعة الحال في تناقض رئيسي مع عبدالناصر و توجهه الإجتماعي . و الماركسيين ، الحليف المنطقي . كانت وحدة الشيوعيين تؤرق عبدالناصر ، فأوفد السادات للتفاوض مع أمين العالم علي حل الحزب و الدخول في حزب السلطة - الاتحاد القومي - افواجا . إمتدت الجلسة حتي الفجر ، قيل فيها كلاما غليظا ، رفض العالم حل الحزب ، بعدها بيومين دارت ماكينة القمع و لم تكتف حتي اعتقلت اللجنة المركزية و المكتب السياسي، ثم القيادة الاحتياطية التي تشكلت ، و أخيرا كل قواعد الحزب دخلت الي المعتقل كي يدخل الماركسيون المصريون المحنة الأقسي في تاريخهم . و يقدموا عديد الشهداء و المصابون بتشوهات جسدية .
دفع الماركسيون المصريون ثمن موقفهم الداعي إلي تبني مفهوم آخر عن الديمقراطية . إتمام مقرطة النظام عن طريق تكوين جبهة مع الحليف الطبيعي في إطار من الوحدة و الصراع . لم يدع الماركسيون الي منح تلك القوي التي تعارضت مصالحها مع الثورة فرصة اخري للظهور ، فلا ديمقراطية لأعداء الشعب حقا و صدقا . و الحقيقة أن أعداء الشعب اكتسبوا مساحات للنمو في الجيش و الاتحاد الإشتراكي و جهاز الدولة و المؤسسات الإقتصادية . دعي الماركسيون إلي الديمقراطية الشعبية كي يتولي الناس الرقابة ، و حماية مكتسباتهم الإجتماعية . لم يرق الأمر لعبدالناصر ، وقف يصم الماركسيين بالعمالة ، هاجم الاتحاد السوفيتي . كانت تلك هي الفترة التي شحذ فيها عبدالناصر و كل مكونات سلطته أسلحتهم و هممهم ، ووقفوا يتناطحون مع كل ما لونه أحمر ، تناطح مفتوح مع حليفه الطبيعي لابد أنه سر أعداء التوجه اليساري كثيرا . فها هو عبدالحكيم عامر ، و هيكل كلا من منصته يفتحان النار بعد أن أعطي الزعيم إشارة البدء . أما زكريا محي الدين فقد أدار الحرب بشكل أكثر ضعة ، أدارها معركة جسدية ضد آلاف من المعتقلين . و معركة نفسية لكسر اليسار . و بشكل طبقي ، مثلت المعركة بين عبدالناصر و الماركسيين تناقضا بين جناحين من البرجوازية الصغيرة ، تناقضا ثانويا ، دفع به أحد الأطراف إلي خانة التناقض الرئيسي .
لقد أسهبت في تفصيل الخلاف الناصري الماركسي ، لأنه كان كاشفا لنقطة ضعف قاتلة . و لكنه أيضا كان كاشفا لمحدودية الشوط الذي كان يمكن أن يقطعه عبدالناصر نحو تجذير وجهة نظره .
وقد بدا الأمر مزحة ، حين ظهرت صيغة قوي الشعب العاملة التي ضمت ما سُمي بالبرجوازية الوطنية إلي العمال و الفلاحين و المثقفين . اتضحت كل لا علمية النظام ، انكشف كل ما فيه من تناقضات بنيوية . لم تكن قيادة هذا التحالف بطبيعة الحال للعمال و الفلاحين ، كانت القيادة برجوازية بالذات . تناوبت اجنحة البرجوازية علي قيادة هذا التحالف الي أن تفكك عمليا .
و عليه ، حين توفي عبدالناصر ، كانت الظروف قد نضجت لإتمام عملية الانتقال التي عطلها وجود عبدالناصر ، إنتقال السلطة للرجعية التي طالما ناصبها عبدالناصر العداء . كانت أطراف التناقض في الصيغة المعيبة التي طرحها عبدالناصر في حركية دائمة . و قد نضج التناقض في ظروف الهزيمة ، و عززت البيروقراطية المدنية مواقعها رغم الضربة التي تلقتها البيروقراطية العسكرية بتنحية مجموعة عامر و شمس بدران .
من السمات المميزة للبرجوازية الصغيرة تاريخيا ، ميوعتها و ترددها ، بالإضافة لإفلاسها التاريخي ، استنفاذ امكانياتها التاريخية كجزء من البرجوازية الساقطة تاريخيا . و عليه فقد عجزت البرجوازية الصغيرة عن التصدي لصعود البيروقراطية . تلاشت قدرة الماركسيين علي فعل ثوري مكتمل ، بعد أن تم حل تنظيمهم في 1965 . و بالنظر إلي أن حركتهم قد تحولت أكثر فأكثر نحو النخبوية ، و سيطرة البرجوازية الصغيرة عليها بشكل متزايد عبر مراحلها التاريخية ، عجزت الشيوعية المصرية عن اقامة قواعد عمالية حقيقية ، و تميزت بكونها حركة مثقفين . صحيح أنه في الفترة من 1968 حتي 1977 استطاعت الحركة الشيوعية تحريك الشارع المصري في موجات انتفاضية ، الا انها كانت تفتقد العمق اللازم للتغيير الثوري . أما الناصريون لم يكونوا بأي حال قوة تنظيمية أو جماهيرية ، و انما كانت قوتهم الحقيقية في نقاط ارتكازهم داخل جهاز الدولة (الاعلام و الجيش و الداخلية و اللجنة التنفيذية العليا ) و قد فضلوا خوض المعركة دفاعا عن مقدرات الشعب بطريقة تليق ببرجوازيتهم ، التقدم بإستقالات اجتماعية !!. إخلاء مواقعهم للرأسمال الكبير بكل أريحية . أما علي المستوي الجماهيري ، فقد افتقد الناصريين الأطر التنظيمية التي تمكنهم من النهوض بفعل حقيقي ، إضافة الي افتقادهم للإطار النظري . و ظلوا دوما ملحقين علي حركة اليسار الماركسي ، و الحق يقال ، استطاع الماركسيين و الناصريين تأجيج غضب السادات ، و تلقي الشتائم و أقذع النعوت منه .
هكذا اذن كان الانتقال سلسا . و كان السادات شخصا ملائما ، و كان الإرتداد هائلا بشكل أذهل الأعداء و الأصدقاء قبل أن يصبح الأعداء أصدقاء و الأصدقاء أعداء . و السادات ، الذي كان بالأمس القريب موضوعا لسخرية زملائه في مجلس الثورة ، الأمر الذي عزز شعوره بالنقص ، ها هو قد وجد فرصته كي ينتقم من كل من رأي في عيونهم ضحالته . وجدت البرجوازية الكبيرة ضالتها في السادات ، الذي كان لا شئ ، أصبح قائدا لأكبر عملية انبطاح في التاريخ، و ابشع عملية تفكيك تعرض له مشروع وطني . كان السادات غير راغب في تحرير الأرض عسكريا ، و قد سعي منذ البداية نحو حل سياسي يجنبه الاصطدام بالصهاينة عسكريا . كانت أمامه مشكلتين ، أولهما الرأي العام . كان الشارع المصري مستعدا نفسيا للمعركة ، و قد بدأت حرب الاستنزاف مباشرة بعد الهزيمة ، عاشها الناس بكل تفاصيلها ، و عاشوا معها انتظار لحظة التحرير و الانتقام ممن هزمونا غدرا . و لما تأخرت لحظة الحسم انطلق اليسار الماركسي في الجامعات يؤجج بعنف ، و يدفع بحدة انتفاضة طلابية ، تزامنت مع احتجاج عمالي كانت حلوان مركزه . و قد رفعوا شعارات تتعلق بالديمقراطية و الحرب الشعبية . أما عن الديمقراطية فقد رد السادات بحملة اعتقالات كثيفة ، داحضا بنفسه كل ما أعلنه بشكل مسرحي عن نهاية عصر المعتقلات . أما الحرب الشعبية ، فإنه لم يكن ينتوي الحرب من الأساس و انما دفعه إليها هذا الغليان الشعبي . كما دفعه إليها قلقه من القوات المسلحة . فرغم إزاحة محمد فوزي مع من تمت إزاحتهم في 15 مايو ، و الإتيان بالفريق صادق - الدساس - علي رأس الجهاز . كان السادات يدرك أن جسد الجيش لن يصمت كثيرا ، خصوصا أن المعارك توقفت منذ قبول عبدالناصر بمبادرة روجرز في أواخر عام 1970 . في هذا السياق ، كان تعيين صادق ذا مغزي ، إذ أنه كان معاديا بشكل تام للتعاون مع السوفييت ، و قد دبر عدة أحداث إستفزازية ضد الخبراء السوفييت العاملين في مصر . و هو ما يتماشي مع نزوع السادات ، الذي لم يكف أبدا عن الشكوي من ضخامة الرواتب التي تدفعها مصر للخبراء - كان الضباط السوفييت يتقاضون رواتبهم من الجيش السوفييتي - في إطار ما اعتاده السادات من كذب و إدعاءات من نوعية عدم إجابة السوفييت لكل طلباتنا من الأسحة ، و هو ما نفاه الشاذلي في مذكراته . و قد كان الرئيس المؤمن ذرائعي بشكل يليق به . كان يطلب من السوفييت أسلحة لازالت لم تدخل الخدمة في الجيش السوفييتي . كما يحكي فينوجرادوف أنه طلب من السوفييت إقامة مصنع لصناعة طائرات ميج 23 ، و قد أجاب السوفييت أن المشروع معقد ، و سيستغرق وقتا ، و تكلفة ، و عرضوا بدلا من ذلك اقامة مصنع لتجميع طائرات ميج 21 ، رفضه السادات و قطع زيارة وصفت بالسرية في 1971 . و علي متن الطائرة راح يصيح انهم "السوفييت " لم يقتنعوا انه الرجل القادم في مصر ، و راح يقول "ها انا قد جئت إليكم" . هذا طبقا لفينوجرادوف .
منذ البداية كان السادات ينتوي تصفية العلاقات المصرية السوفيتية ، تلك التي تم بناؤها بدأب علي مدي سنوات . و قد كانت التصفية فجة ، و تعرض السوفييت لوقاحات الحاكم التابع . تفتيش مهين في المطارات ، حملات إعلامية وقحة تمهيدا للفعل الأكثر وقاحة . الذي اتخذه السادات قربانا يقدمه للأمريكيين ، إجلاء مايزيد عن 12 الف خبير سوفيتي في مدة أسبوع . و راحت القنوات السرية تنشط مع عدونا الرئيسي ، كان حافظ اسماعيل هو بطل الإتصالات الخلفية . كان السادات مؤمنا أن لا مستقبل إلا مع الأمريكان ، راحت الاستثمارات و أحلام الانفتاح تراود البرجوازية الكبيرة ، و لا مجال للربح في ظل الحرب . اذن فلتنته الحرب بأي شكل ، بأي ثمن . و قد كان الثمن الذي دفعته مصر نظير خيانة البرجوازية ، رهيبا .
فعلي الصعيد الإجتماعي ، ذبح السادات القطاع العام ، و بدأ عصر التعاون الفاجر مع صندوق النقد الدولي . و تم فتح باب الاستدانة علي مصراعيه ، و تخريب كل المكتسبات الإجتماعية التي حققتها الثورة . استعاد الإقطاعيين نفوذا كبيرا ، و سمحت قوانين الإستثمار الجديدة التي صدرت في 1974 بالملكية الخاصة . استولت الطفيلية علي المشهد ، و نمت الرأسمالية العقارية بشكل سرطاني في ظل رعاية السادات شخصيا . باختصار ، أخلت الدولة مواقعها إجتماعيا ، وسلمتها للرأسمال الكمبرادوري ، و كفت عن أن تكون دولة ، بل أصبحت أقرب إلي الكيان المافياوي .
كانت نتيجة هذا التوجه مدمرة ، إذ تزايد أكثر من أي وقت مضي بؤس الجماهير العمالية و الفلاحية ، و راح التضخم يحرق الأرض تحت أقدام الفقراء . دفعت الرأسمالية بالمزيد من الجماهير إلي هوة البؤس .
علي الصعيد السياسي ، كان لابد من إستخدام أقصي درجات البطش في مواجهة القلاقل الإجتماعية التي خلقتها خيانة الدولة و الطبقة الرأسمالية للقضية الوطنية ، و التهامها لمقدرات الجماهير و تهديدها الدائم لمصادر القوت الضروري . و هكذا فإنه في مواجهة فورة النشاط التي دبت في اليسار طوال السبعينيات ، و التي ارتكزت أساسا علي جمهور البرجوازية الصغيرة الساخطة علي خسارة مواقعها ، و التي يتم الدفع بها أكثر فأكثر إلي قاع الهرم الإجتماعي ، في مواجهة انتفاضات 1972 ، 1973 ، 1975 ، 1977 ، استخدم السادات كل ما تحت أيديه من أدوات ، هرعت البرجوازية لتجنيد كل إمكانياتها من أجل تصفية "الخطر الشيوعي" . ضرب الأمن بقسوة ، و ضرب الإعلام المزيف ، و استعانت الدولة بتيارات الفاشية الدينية التي حولت الجامعات الي ساحات للعنف الجسدي . كان السادات بحاجة لتمرير خيانته بهدوء .
علي الصعيد الإقليمي ، كان واضحا تماما أن النظام قد قدم - ضمن ما قدمه - مواقع نفوذنا الإقليمي هدية . كفت مصر عن أن تكون اللاعب الإقليمي الأول في المنطقة ، بل كفت عن أن تكون لاعبا . و قد كانت خيانة النظام لقضية التحرير ، و التخلي عن السوريين بعد أن دارت معارك أكتوبر بأيام ، كانت تلك المظاهر مجرد مقدمات لما هو آت . فقد أخلت مصر مواقع نفوذها الإقليمي في المنطقة العربية ، و راحت تشاهد بعجز ، العربدة الوهابية الصهيونية الموجهة أمريكيا ، و تواطأ النظام لتصفية الثورة الفلسطينية . و في افريقيا ، خسرت مصر سنين من العمل المضني في القارة السمراء . فقد آمن عبدالناصر ، أن أمننا القومي يكمن في التواجد خارج حدودنا ، في مد علاقاتنا و تأثيرنا في الدوائر المحيطة . و قد كان لإفريقيا اهتماما خاصا ، افريقيا التي اضناها الاستعمار ، كبلتها الامبريالية بقيود التبعية و الفقر ، راحت تجد في مصر الثورة حليفا قويا دعم مساعيها التحررية . كان تحرر افريقيا و انعتاقها مهما لمصر ، ليس فقط لأنه ضربة للاستعمار و دعما للكتلة الصاعدة بعد الحرب العالمية الثانية ، تلك الكتلة الطامحة للاستقلال و الانعتاق من النير الإمبريالي ، بل ايضا لانه في افريقيا لنا مصالح حيوية ، وفي افريقيا يمكن أن ينفذ اعداؤنا و يسببون لنا بالغ الضرر . كل هذا تخطاه السادات و نظامه ، فقد انبطح لاعدائنا و لم يعد بحاجة لتحصين الوطن ضدهم .
علي المستوي الدولي ،كانت البرجوازية قد دمرت كل الجسور مع الاتحاد السوفيتي ، قربانا للأمريكيين. و راحت مصر تعمل في الحلف المعادي للوجود السوفيتي في الشرق الاوسط ، و للوجود السوفيتي أساسا . وضع السادات نظامه في خدمة الإمبريالية ، ووقع وثيقة الذل و الاستسلام في كامب دافيد .
و خان نضال الشعوب العربية ضد الصهيونية ، و أخلي موقع مصر القائد في قلب محور المقاومة . كانت النتيجة هي عزلة مصر عربيا ، سقوطها من الموازين الدولية بعد ان كفت عن ان تكون بلدا مستقلا .
استكملت كامب دايفيد او بالأحري ، كللت كامب دايفيد مسيرة الخيانة . بعدها توالت العصابات علي حكم مصر ، خادمة للنظام العالمي معادية لكل قوي التحرر . و تحولت مصر الي حظيرة خلفية للامبريالية .

ملاحظات :
1 - للقراءة عن حرب أكتوبر و كامب دايفيد بشكل تفصيلي يمكن الإستعانة :
حرب اكتوبر السلاح و السياسة لهيكل ، مذكرات الفريق الشاذلي
مذكرات محمد ابراهيم كامل "السلام الضائع"
2 - لا يكف الإعلام الرأسمالي و المؤسسة العسكرية عن تقديم السادات في ثوب البطل ، و لاندري أية بطولة في خيانة دماء الشهداء و كفاح الشعب المصري ، أية بطولة في الانبطاح للأمريكان و الصهاينة ؟ اية بطولة في تفكيك القطاع العام و تسليم مقدرات الناس للصوص ؟
3 - يوما ما ستجد الحقيقة طريقها للناس . فالزيف لا يمكنه الانتصار مهما كانت قوة من روجوا له .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مقتطفـات | ابن حتوتة - مالم أتوقع وجوده في ألبانيا


.. مقتطفـات | ابن حتوتة - يومين في بلد النوافير


.. مقتطفـات | ابن حتوتة - النار التي لاتنطفئ




.. مقتطفـات | ابن حتوتة - جولة أكل الشارع في الصين


.. مقتطفـات | ابن حتوتة - أطول مصعد في العالم