الحوار المتمدن - موبايل


أزمة الهوية العربية كأحد انعكاسات «الربيع العربي»

جاك جوزيف أوسي

2016 / 3 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


سلّط (الربيع العربي) الضوء على ثلاث أزمات بنيوية تهدد وحدة المجتمع وتماسكه في بلادنا، وهذه الأزمات هي: أزمة الهوية الوطنية - بنية المجتمع - مفهوم الدولة.

فحتى الآن لم نستطع أن نؤسس قاعدة واضحة وثابتة نسبياً تكون قادرة على أن تحافظ على الحد الأدنى من الروابط الأهلية، وتحمي شبكة العلاقات الاجتماعية بمختلف تنوعاتها القومية والدينية والمذهبية. فقد كان المحرك الأساسي لهذه الروابط هو الخوف والإلغاء، إذ إن كل الروابط الطائفية والمذهبية، القبلية والعشائرية، يتراوح سلوكها بين هذين المحركين: خوف من الآخر يؤدي بالنتيجة إلى الانغلاق، أو الهروب، أو محاولة إلغاء وجوده. وسبب ذلك يعود إلى عقدة الأكثرية (مذهب الأغلبية في منطقتنا وإرث الحروب الصليبية) وما رافقها من إنكار وجود المخالف دينياً ومذهبياً ومحاولة تصفيته (حضارياً وجسدياً)، وخصوصاً على أيدي المماليك ومن بعدهم العثمانيين. وزاد الوضع سوءاً مع إلغاء مصطفى كمال للخلافة في تركيا عام ،1924 عندما ظهر رأي يقول بأن عدو الداخل لا يقل هَوْلاً عن عدو الخارج الاستعماري و(الصليبي). وكانت الأقليات هي المؤهلة، مرة أخرى، لتلعب دور العدو الداخلي لا لشيء إلا لأنها أرادت أن تتحرر من القيود التي كبلتها بها الدولة العثمانية، والانطلاق إلى الحياة.

والطريف وذو الدلالة أن أكثر الذين تّلوَّعوا من ذهاب الخلافة كانوا من الهنود الباكستانيين والمصريين والجاويين، وهي بلدان لم تكن خاضعة وقتئذ للسيطرة العثمانية، وإن كانت خاضعة للنفوذ البريطاني. ومنها بدأت تظهر القراءات المتشددة والمتطرفة، وخصوصاً على يدي أبي الأعلى المودودي الباكستاني، وتلميذه سيد قطب المصري. الأمر الذي أدى إلى فقدان حلقة الوصل والتواصل بين مكونات المجتمع وانعدام الثقة بين بعضهم بعضاً. الأمر الذي يظهر بوضوح عند تعرّض المجتمعات لهزات اقتصادية أو ثقافية وحتى سياسية، عندذاك تستدعى أشباح الماضي لتُعمم أخطاؤها على أبناء الحاضر.

وأبسط مثال على ذلك هو المعلم يعقوب (المعروف أيضاً باسم الجنرال يعقوب)، وهو قبطي عَمِلَ مع القوات الفرنسية إبان غزو نابليون لمصر، وأصبح رمزاً لخيانة الأقباط (في الماضي والحاضر وفي المستقبل) عند قطاعات واسعة في الشارع المصري. مع العلم أن هناك من المسلمين من فاق المعلّم يعقوب عمالة للفرنسيين وخيانة لمصر وللمصرين في تلك الفترة، كمراد بك الذي وقَّع معاهدة (سلام وتحالف Paix et alliance) مع الفرنسيين، والتي بمقتضاها حكم الصعيد (بداية من محافظة سوهاج) باسم الجمهورية الفرنسية، على أن يؤدي إلى السلطات الفرنسية (الميري) الذي كان يدفعه لحكومة السلطان من قبل، وأن يتكفل بتموين الحامية الفرنسية المرابطة في ميناء القصير، وأن يساعدها في حالة وقوع اعتداء عليها. وبشروط مماثلة وُقعت اتفاقيات مع مماليك آخرين في كل من الوجه البحري والقبلي، من أمثال عثمان البرديسي وعثمان عسكر وحسين كاشف، فلماذا لم يوصف هؤلاء بالخيانة؟!

المجتمع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم يسر بالطريق الصحيح لبناء دولة عصرية مبنية على عقد اجتماعي يحدد حقوق جميع أفراد المجتمع وواجباتهم، فوجوده في منطقة كانت ولا تزال ساحة الصراع الرئيسية للقوى العظمى لم يسمح له ببناء قاعدة مجتمعية متماسكة، الأمر الذي أدى إلى تحوّل المذاهب والطوائف والقوميات إلى بيادق على رقعة الشطرنج الدولية، يحرّكها اللاعبون الكبار تبعاً لاستراتيجياتهم وتكتيكاتهم. الأمر الذي يفسر مشكلة صياغة الهوية الوطنية في الدول التي تشكلت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وخروج المستعمِر العثماني من المنطقة. ففي بلاد الشام على سبيل المثال، مزّقت اتفاقية سايكس - بيكو بين فرنسا وبريطانيا العظمى، سورية الطبيعية إلى أربع دول هي: سورية ولبنان والأردن وفلسطين. الأمر الذي فرض على الرأي العام السّوري صعوبة في التسليم بالحدود التي فرضت عليه. (وفاقمت عملية زرع إسرائيل في المنطقة من هذا الشعور)، الأمر الذي أدى إلى عدم تنامي إحساس الولاء والانتماء إلى الدولة في أوساط كثيرة من المواطنين.

وفي ظل هذا الوضع مال كثير من السوريين إلى البحث عن مصادر أخرى للهوية ما وراء حدود الإقليم السّوريّ، كطرح فكرة الوحدة على أساس الوطن العربي من المحيط إلى الخليج عند حزب البعث بوجه خاص، والقوميين العرب بشكل عام، أو فكرة إعادة توحيد سورية مع ضم العراق وقبرص عند دعاة الحزب السوري القومي الاجتماعي، أو البحث عن فكرة الوحدة على أساس ديني (إعادة إحياء الخلافة الإسلامية) عند التيارات الإسلامية، وخصوصاً الإخوان المسلمين. وفي أتون هذا الصراع الإيديولوجي حول كيفية تحقيق الوحدة أصبحت أطراف الطيف السياسي والعسكري في سورية تتراشق تهم: الخيانة والعمالة والتآمر والانفصالية وغيرها من الكلمات التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من قاموس المصطلحات السياسية السورية حتى وقتنا الحاضر. وفي الوقت نفسه حافظ السوريون على الولاء للمنطقة وللطائفة والعشيرة، وفي بعض الأحيان للعائلة التي تشكّل الإطار الأول للانتماء.

هذا الأمر يعطي مشكلة الهوية تفسيراً، فعدم استقرار المنطقة بسبب الحالة السياسية، أدى إلى اضطرابات بين المجموعات الطائفية والمذهبية والقومية. الأمر الذي أدى إلى سوء إدارة هذا النسيج الاجتماعي. وما زاد الوضع سوءاً محاولة (صهر) جميع العناصر المجتمعية في بوتقة واحدة عن طريق إلغاء الهويات الفرعية في المجتمع مقابل هوية واحدة. ذلك أن محاولة فرض هوية قومية عن طريق إعادة تشكيل المجتمع بالاعتماد على القوة الصلبة فقط أدى إلى بروز نزعات الانفصال والمطالبة بالحكم الذاتي، بعد أن انهارت الحكومة المركزية، وعدم قدرة النظام الذي بدأ بالتشكل في دول (الربيع العربي) على بعث رسائل التطمين للأقليات الدينية والعرقية والقومية (الأقباط في مصر، والحوثيين في اليمن، والأقليات الدينية والعرقية في ليبيا وتونس).








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جمعتنا بتحلى مع أحمد حسن | الحلقة 1 | بيسان إسماعيل


.. حمدوك يدعو مدبولي وآبي أحمد لقمة ثلاثية مغلقة


.. لقاءات لديفيد هيل مع المسؤولين اللبنانيين




.. توصيات أميركية بتعليق استخدام لقاح جونسون آند جونسون


.. الازدحام يعود إلى الشوارع مع بدء تخفيف الإغلاق