الحوار المتمدن - موبايل


الإعلانات السياسية وصراع الاستيراتيجيات في سورية

غياث نعيسة

2005 / 12 / 6
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي


القوة المهيمنة والايديولوجية السائدة؟‏
ترافقت الحرب الانجلو-امريكية على العراق ومن ثم احتلاله وسقوط بغداد في 9 نيسان/ أبريل 2003 ‏بحملة تهديدات شديدة من المسؤولين الامريكيين (بوش، رامسفيلد ورايس ..) ضد النظام السوري. ‏واليوم، يمكن القول، دون ان نرتكب خطأ كبيراَ في التقدير، ان احتلالاً امريكياً "مريحاً" في العراق، كان ‏دفع بالولايات المتحدة الى حسم سريع لبقاء النظام السوري (انظر بول ماري دو لاغورس، لوموند ‏دبلوماتيك، تموز/ يوليو 2004). ولكن الصعوبات الجمة التي يواجهها هذا الاحتلال، ولا سيما المقاومة ‏الشرسة التي يتعرض لها، ما تزال تجعل الوضع في العراق قلقاً ومنهكاً لها. وربما يكون هذا هو احد ‏الاسباب في عدم انتقالها الى الخيار العسكري تجاه النظام السوري.
في الوقت نفسه، تتعرض بلدان المنطقة الى ضخ اعلامي وايديولوجي من الدول الكبرى وبالأخص ‏امريكا، لتسويق "مشروع الشرق الاوسط الكبير" و"لأنموذج" الديمقراطية التي تعدنا به. فـ"الثورة ‏الديمقراطية" العتيدة التي يدعو لها الرئيس الامريكي بوش في المنطقة تستند على "نموذجين". ‏الأول هو افغانستان، وهو انموذج ما يزال عقيماً وسخيفاً "لديمقراطية" امراء الحروب والعشائر". ‏والثاني هو العراق، الذي لا يمكن ان يكون، ولا بحال، أنموذجاً جذاباً للديمقراطية في منطقتنا. لسبب ‏بسيط انه بلد تم تفكيك وتحطيم القوات الامريكية لدولته، بعد ان كانت قد فككت وحطمت بنى المجتمع ‏العراقي عبر أكثر من عقد من الحصار الرهيب. وبالتالي، فان "الديمقراطية" التي تبنيها قوات الاحتلال ‏الامريكية في العراق هي "ديمقراطية" طائفية، ولأنها كذلك - كالتجربة اللبنانية - فإنها تحمل في ‏طياتها عوامل أزمة دائمة.
بالرغم من ذلك، لا بد من القول إن مجمل هذه العوامل من التواجد الامريكي العسكري المباشر في ‏المنطقة (تحت شعار محاربة الإرهاب والتي بدأت باحتلال افغانستان) اضافة الى المشروع ‏الأيديولوجي لإدارة بوش - والذي يجد جذوره لدى المحافظين الجدد وخاصة بعد انهيار الاتحاد ‏السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة - والجيوسياسي لإعادة صياغة منطقتنا، دون ان ننسى حقيقة رفض ‏او استعصاء الانظمة العربية - وخاصة السوري منها - لأي اصلاح سياسي ذو قيمة، ادت الى تبني ‏النخب العربية ومنها السورية بشكل صريح او موارب لهذه المواقف الايديولوجية. فأصبحت الليبرالية - ‏والجديدة منها - هي الايديولوجية السائدة لديها، وأصبح التغيير من "الخارج" هو الإمكانية الوحيدة، ‏ويجب التعامل معه. وأصبحت الديمقراطية، هي ماحدث في افغانستان او هي "الديمقراطية الطائفية‏‏" في عراق اليوم .. إلخ.
في سورية، صرح مثلاً احد "نشطاء حقوق الإنسان" المعروفين بخصوص احد الاعتصامات التي دعت ‏لها بعض اطراف المعارضة السورية في 10 آذار/ مارس 2004 في دمشق: "نحن نمثل 85 في المائة ‏من السكان" في إشارة منه لنسبة العلويين التي تقدر ب 15 في المائة (انظر ميكايل جاكوبسون، معهد ‏واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، 2005).
أزمة النظام السوري وازدياد عزلته:
استطاع النظام السوري خلال أربعين عاماً من إرساء أسس سلطة استبدادية ونظام شمولي، وسحق ‏خلالها كل القوى السياسية او الاجتماعية والنقابية المناهضة له، وكان الطرف المنتصر في "حرب ‏أهلية" شنها ضد المجتمع السوري. لم تصادر السلطة السورية الحقل السياسي فحسب، بل وضعت يدها ‏على الثروات، وخلقت حولها ومعها شرائح اجتماعية واسعة اغتنت من نظام للفساد مرعب. كما انها ‏صادرت الحقلين الاجتماعي والى حد ما الثقافي، وفرضت هيمنة الحزب الواحد.
وفرغت المجتمع، من خلال حرب استنزاف متواصلة، من افضل ممثلي نخبه السياسية والفكرية من ‏خلال اعتقالها وزجها لهم في السجون لسنوات طوال، او دفعها الى المنافي. لقد تم تذرير المجتمع ‏السوري بكامله وفق منظومة ولاءات ومصالح متشابكة حول طغمة حاكمة تربطها وشائج عائلية ‏وشبكة من مجموعات مصالح موالية. وبرزت في سورية طبقة "جديدة " من رجال الاعمال ‏والبورجوازييين اغتنت ونمت فقط بفضل ولائها واندماجها بالسلطة.
كانت ذروة التجلي الاستبدادي في مسار النظام السوري هو الصراع المسلح بينه وبين جماعة الاخوان ‏المسلمين والذي دام بين عامي1977 و1982 والذي قام خلاله كلا الطرفين بعملية تحشيد طائفي ‏للمجتمع السوري، ما تزال تحمل سورية آثاره. وكرس النظام السوري طبيعته كنظام بوليسي يقوم على ‏اجهزة الأمن التي اصبح عددها كبيراً (يقدر بـ 15 جهازاَ) وبصلاحيات غير محدودة، ومعياره الوحيد ‏هو مدى الولاء له.
ومع الانتقال الوراثي لسدة الرئاسة عام 2000، اعلن الرئيس الجديد بشار الاسد في خطاب القسم ‏في 17 تموز/ يوليو عن وعود اصلاحية عديدة، وساهم هذا في ارتخاء العنف الامني وشجع عدد من ‏شرائح النخبة على استعادة نشاطها واهتمامها بالشأن العام، بعد مرحلة طويلة اقتصر فيه النضال ‏المعارض والسري على عدد قليل من المجموعات المعارضة ومنظمة حقوق إنسان وحيدة (لجان ‏الدفاع ..). وانتشرت الهيئات والمنتديات في إرجاء سورية.
لكن سياسة المنع والقمع للسلطة السورية عادت سريعاً الى عادتها القديمة، وتنطح نائب رئيس ‏الجمهورية عبد الحليم خدام في شباط/ فيراير 2001 للتهديد بمنع تحويل سورية الى "يوغسلافيا او ‏الجزائر" وتلى ذلك حملة اعتقالات طالت ما عرفوا بنشطاء "ربيع دمشق" لا يزال اغلبهم قيد الاعتقال. ‏ومنعت المنتديات والاجتماعات العامة. زاد تعزيز السلطات من سياساتها القمعية، منذ ما سمي بأحداث ‏القامشلي (شمال سورية) في اذار/ مارس من العام الماضي، مع مظاهرات الاكراد. بل تتفاقم هذه ‏السياسة القمعية في الاشهر الاخيرة، لتعيد اغلاق ما تبقى من منافذ قليلة للتعبير والنشاط السلمي.
بينما جاءت نتائج مؤتمر حزب البعث الحاكم في شهر حزيران/ يونيو من هذا العام لتحبط أي رهان ‏على قدرة - او رغبة - النظام السوري في اصلاح نفسه ولو جزئياً.
هذا الاستعصاء الداخلي فاقم من اهمية وأولوية دور العامل الخارجي في "التغيير" في سورية في ‏الوعي العام، وبالأخص لدى النخب. وأضاف على عزلة النظام السوري الدولية عزلته وانفصامه عن ‏شعبه. ولكن السلطة السورية تعتقد انها بذلك تمنع توفر بديل عنها جدي ومقبول أمريكياً، هذا من جهة ‏‏. وتظن انها بهذا تكون في وضع يحسن من وضعها التفاوضي مع الإدارة الامريكية، بصفقة ما تزال ‏تأمل انها ممكنة مع الأخيرة.
الاستراتيجية الامريكية تجاه سورية:
تبدو الاستراتيجية الامريكية، وتشاركها الدول الاوربية الموقف نفسه، تجاه النظام السوري وكأنها ‏تقوم (حتى الآن، على الأقل) على مبدأ "الضغوط السياسية - الدبلوماسية المتصاعدة في شدتها مع ‏التلويح الدائم بالخيار العسكري". فقد استطاعت الإدارة الامريكية، وفي خلال الثلاث اعوام الأخيرة، ‏من تجريد النظام السوري من دوره الإقليمي، وخاصة بعد فرض انسحابه المهين من لبنان في أواخر ‏شهر نيسان/ ابريل من هذا العام. وتحاصره اليوم داخل حدود سورية وتضيق عليه الخناق.
بدأ الضغط الامريكي على النظام السوري بإقرار الكونغرس الامريكي في 11تشرين الثاني/ نوفمبر 2003 ‏‏"لقانون محاسبة سورية واستقلال لبنان"، وصادق بوش على العقوبات في 11 ايار/ مايو 2004.
واتفقت دول الاتحاد الاوربي (25 دولة) بكامل عددها على "تأجيل" اتفاق الشراكة مع سورية بتاريخ ‏‏25 ايار/ مايو 2004. وصدر قرار مجلس الامن رقم 1559 في ايلول 2004. لكن ما فاقم من ‏ازمة النظام السوري هو اغتيال رئيس الوزاء اللبناني السابق رفيق الحريري في 12 شباط/ فبراير ‏‏2005، الذي اتهم به فوراً النظام السوري، وأدى الى تشكيل لجنة تحقيق دولية برئاسة القاضي ‏الألماني ديتليف ميليس على اساس قرار مجلس الامن رقم 1595. لقد فجر عمل هذه اللجنة تماسك ‏النظام السوري وافقده توازنه، ليأتي انتحار- او نحر - وزير الداخلية السوري غازي كنعان قبل ايام من ‏اعلان ميليس لتقريره في 21 تشرين الأول/ اكتوبر 2005 الذي يتهم فيه الحكومة السورية بعدم التعاون معه ‏ويعلن عن دلائل تشير على تورط مسؤولين سوريين كبار في عملية اغتيال الحريري، فأتى قرار ‏مجلس الامن رقم 1636 بعد تقرير ميليس بأسبوع ليزيد من ورطة النظام السوري وخنقه، لأن جوهر ‏هذا القرار يعطي للجنة التحقيق الدولية صلاحيات تمس "السيادة الوطنية"، مما يعني انها أصبحت ‏ناقصة (كما حصل في عراق صدام حسين)، هذا من جهة. وأعطاها صلاحيات مطلقة للتحقيق وإصدار ‏مذكرات اعتقال بأي فرد كان، مهما كان موقعه، والمسؤولين الذين ذكرهم ميليس في تقريره يشكلون ‏‏"مركز " وقلب السلطة السورية. لهذا السبب يمكن ان نفهم ما كان يعنيه الرئيس بشار الاسد في خطابه ‏الأخير بداية الشهر الجاري (تشرين الثاني/ نوفمبر) بقوله انه - أي القرار - يقول لنا: "اقتل نفسك او اقتلك". اذن‏، فإن قبول النظام السوري بهذه الضغوط والقرارات الدولية يعني امكانية تفكيكه داخلياً. في المقابل، ‏فإن رفضه لها سوف يعرضه الى عقوبات وضغوطات اشد قد تصل الى استخدام القوة ضده، بعد إنهاكه، ‏للإجهاز عليه.
والحال، فإن الإدارة الامريكية - ودول الاتحاد الاوربي - تسعى، من خلال تشديد الحصار والهجوم ‏المتواصل على النظام السوري، وعلى كافة الجبهات، من اجل دفعه الى السقوط "كثمرة ‏ناضجة" (انظر جيو سياسية اغتيال الحريري، بوبل دو موند، بيروت، اذار/ مارس 2005).
‏ مما يدعو للقول إن سيناريو الإدارة الامريكية - والى حد ما الدول الاوربية - بالضغوط المتزايدة على ‏السلطة السورية هو سيناريو ديناميكي، حده الأدنى هو تطويع النظام السوري وإعادة هيكلته وصولاً ‏الى احتمال إسقاطه، وعلى ارضية استنزاف النظام السوري - وإفقاده - لأي هامش للمناورة ان كان على ‏الصعيد الدولي او الداخلي. وإن كان برزت مؤخراً مؤشرات على محاولة السلطة السورية شد لحمة ‏صفوفها وتماسكها، وخاصة الحلقة الضيقة لها وعمودها الفقري.
محاولات الاصطفافات:
على خلفية ما ذكر اعلاه، وفي الايام التي سبقت اعلان تقرير ميليس، صدر في دمشق في 16 تشرين الأول/ ‏أكتوبر بياناً باسم "اعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" بتوقيع التجمع الوطني الديمقراطي (يضم ‏خمسة احزاب هي الاتحاد الاشتراكي وحزب الشعب الديمقراطي وحزب العمال العربي وحركة ‏الاشراكيين العرب وحزب البعث الديمقراطي) وتحالفين للأحزاب الكردية ولجان احياء المجتمع المدني ‏وعدد قليل من الشخصيات. وفور صدوره بسويعات اعلنت جماعة الاخوان المسلمين انضمامها وكذلك ‏فعل فريد الغادري، المقيم في الولايات المتحدة، وحزبه (حزب الاصلاح السوري) وتحالفه، وتلاهم ‏اخرون.
اثار صدور الإعلان ضجيجاً إعلامياً، وكيف لا؟ وسورية اليوم في قلب العاصفة، كما آثار، وما يزال ‏لغطاً حوله وأيدته مجموعات وتحفظت عليه اخرى وعارضه آخرون .. إلخ، لماذا؟
في الواقع، ان اول ما يثير الانتباه هو الشكل المحدود والضيق والإقصائي - بخلاف ما هو وارد في ‏نص الإعلان - لآليات الإعداد له. فأية عريضة او بيان حول الديمقراطية تحوز اليوم على ‏التوقيع "السهل" لعشرات الاحزاب والهيئات والشخصيات. وثاني الأمر، هو ان الإعلان والانضمام ‏المباشرة - بسرعة مذهلة - لجماعة الاخوان المسلمين، كشف عن كونه حصيلة توافق وتنسيق بينهم ‏مع استبعاد التشاور مع العديد من القوى والشخصيات داخل سورية.
لم يخلق هذا الإعلان التفافاً حقيقياً حوله حتى الآن. ولكنه سارع، بسبب السجال حوله، الى الدفع ‏السريع للواجهة لقضية "البديل"، كما دفع حكماً الى اعادة اصطفافات سياسية جديدة. على سبيل ‏المثال صدر في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري "اعلان حمص"، ويتضمن افق سياق ديمقراطي مختلف عن ‏اعلان دمشق وأكثر تماسكاً منه. وهذا لم يمنع حوارات اخرى تدور بين عدد اخر من القوى السياسية ‏والشخصيات لإدار اعلان ثالث يقال انه سيكون اكثر وضوحاَ وتوافقية، وربما اعلان رابع او ‏خامس.
من جهة اخرى، لا بد من القول ان نص الإعلان لم يأت بجديد، فأغلب ما ورد به من مطالب ومحاور ‏إنما هي تكرار لما كانت تطالب به العديد من الأحزاب والهيئات السورية في الداخل منذ سنوات. لكن ‏الجديد فيه هو تبني - أخيراً - التجمع لهذه المطالب، بعد ان التصقت به سمة سعيه الدائم لإرضاء كل من ‏النظام السوري والمطالب الشعبية بالديمقراطية .. لذلك فإن التحاق التجمع الوطني الديمقراطي، ‏ولو متأخراً، بالمطلب العام بضرورة "التغيير الديمقراطي الجذري" هو موقف ايجابي (انظر محمد ‏مقداد، اعلان دمشق ومأزق قواه السياسية، اخبار الشرق، تشرين الأول/ اكتوبر 2005).
من الواضح لكل مطلع على الوضع السوري، بأن جماعة الإخوان المسلمين قامت خلال السنوات ‏الخمسة الماضية بمراجعة هامة لخطابها، الذي تحول الى خطاب "ديمقراطي" وشبه ليبرالي، يقول ‏انه يعترف بالآخر ويدعو الى تداول السلطة. كما لا يخفى على احد بأن جماعة الاخوان هي اكثر اطراف ‏المعارضة تنظيماً وكفاءة ودينامية في نشاطها، حتى لو لم يكن نشاطها الخاص بارزاً حالياً داخل ‏سورية. كما انها استطاعت، وخاصة في الأعوام الثلاث الأخيرة، من نسج شبكة علاقات مع معظم ‏اطراف المعارضة السورية ودخلت الى المعادلة السياسية كطرف رئيسي فيها، بالطبع هذا لا يعني انها‏ ،أو أي حزب اخر غيرها، ذات نفوذ جماهيري، وفتحت قنوات حوار مع عدد من حكومات الدول ‏الكبرى.
لذلك يمكن القول إن صدور اعلان دمشق ليس بعيداً عن هذه المعطيات، ويجب قراءته وفقها.‏ لكن "اعلان دمشق" يعاني كنص من اشكالية اساسية، قد تكون مقصودة او فرضها الاتفاق بين ‏اطرافه، هي انه نص ملتبس في كثير من فقراته ومتناقض.
وسنعطي مثالين: الأول، تقول احدى الفقرات في الإعلان "بناء دولة حديثة، يقوم نظامها السياسي ‏على عقد جديد، ينتج عنه دستور ديمقراطي عصري .. المواطنة معياراً للانتماء" وفقرات اخرى عن ‏الحريات الديمقراطية وتداول للسلطة وانتخابات حرة ودورية.
في الوقت نفسه، نجد فقرة اخرى كانت وما تزال اساس سجال ونقد شديدين للإعلان، وهي فقرة كما ‏وردت في الإعلان توشك ان تشكك بصدقية اجزائه الأخرى. يقول الإعلان:" الإسلام دين الأكثرية ‏وعقيدتها .. مع الحرص الشديد على احترام عقائد الآخرين .."، ان يكون الاسلام بمذاهبه المتعددة ‏هو دين الأغلبية وأنه مكون اساسي لثقافتنا فهذا امر متفق عليه. ولكن ان يضع سلفاً افقاً "عقائدياً" ‏لأكثرية على اساس مذهبي في مشروعه "للتغيير الديمقراطي" يعيد الى الذاكرة التجربة العراقية ‏الجارية. وهذا بخلاف مع جاء في فقرة سابقة من الإعلان تنص على "دولة حديثة .. والمواطنة ‏معياراً". وما يعزز من هذا الميل هو استناد النص على كلمتي "نحن" و"الآخرين" المكررة في ‏العديد من فقراته. وما قد يؤكد الى استناد اعلان دمشق على فرضية انه ينطق باسم الأكثرية التي ‏دينها وعقيدتها الإسلام، ولكنه بالرغم من ذلك يمد يده للآخرين من الأقليات الدينية او القومية هو الفقرة ‏التالية: "اننا ندعو ابناء وطننا واخوتنا من ابناء الفئات السياسية والثقافية والدينية والمذهبية الى ‏المشاركة معنا ..". وهنالك امثلة اخرى على تكبيل الفقرات التي تعني بمتطلبات التغيير الديمقراطي من ‏اجل بناء تجربة ديمقراطية تقوم على مبدأ المواطنة بغض النظر عن الجنس او العرق او الدين .. بفقرات ‏ذكرنا اهمها تعكس وعياً لا يرى من إمكانية، سوى إعادة بناء سورية الديمقراطية من خلال تفاهم ‏وديمقراطية "الطوائف"، وهذا ما لا نأمله لبلادنا. ولو حصل ذلك لسبب او آخر، مثل انهيار الدولة ‏والمجتمع بعد غزو خارجي مثلاً، فأغلب الظن ان ما سيحصل سيكون اقرب لتجربة افغانستان او العراق ‏التي ستسود في "ديمقراطيتها" جيل جديد من امراء الحروب والطوائف.
المثال الثاني او "الالتباس" الآخر في اعلان دمشق يتعلق بمدى وضوح مواقفه من النظام القائم؟ فمن ‏جهة نجد الإعلان يقول بـ"ضرورة التغيير الجذري في البلاد، ورفض كل اشكال الإصلاحات الترقيعية ‏او الجزئية او الالتفافية" وتأكيد الإعلان على "اننا نتعاهد على العمل من اجل انهاء مرحلة الاستبداد" ‏.. إلخ.
في الوقت نفسه، فإن الإعلان يقول في فقرة اخرى: "ان عملية التغيير قد بدأت .. وهي ليست موجهة ‏ضد احد" ودعوته للمشاركة فيها لمن اراد من "اهل النظام".
يمكن ان نجد نفس الالتباسات تجاه قضية "الخارج" - مثال ثالث - فمن جهة يقول اعلان دمشق ‏‏"رفض التغيير الذي يأتي محمولاً من الخارج". بينما تعلن التوضيحات التي صدرت معه بأن الاعلان ‏يتوجه الى الرأي العام الخارجي "للقول إن سورية ليست قوقعة فارغة سياسياً .. وهي تتمتع اليوم ‏بوجود قوى شعبية لها تاريخ طويل في النضال الديمقراطي، جديرة بالثقة ويمكن الحوار معها".
كما تجاهل اعلان دمشق الطابع القومي للقضية الكردية، مثلما تجاهل تماماً قضية العدالة الاجتماعية ‏واعادة توزيع الثروة الاجتماعية في بلاد اكثر من نصف سكانها (ومن مختلف الأديان والمذاهب ‏والطوائف والقوميات و..) يعيشون في فقر مدقع او تحت حافة الفقر.‏
بالنسبة لنا لا يشكل اعلان دمشق سوى "لحظة" - بالتأكيد هامة - من لحظات دينامية الحراك والصراع ‏السياسي والاصطفافات الجارية في سورية اليوم. ومن الضروري التعامل معه ومع الاعلانات الأخرى ‏بروح التعاون والحوار والسجال، من اجل التوصل الى افضل توافق للقوى السياسية (اليسارية ‏والقومية والليبرالية) والاجتماعية في سورية لبناء اوسع تحالف ممكن للانتقال الديمقراطي على ‏اساس برنامج واضح ومكثف ضد العدوان والتبعية وضد الدكتاتورية ومن اجل الديمقراطية والحرية ‏والعدالة. ديمقراطية تنهض على اساس المواطنة، وفصل الدين عن الدولة، والمشاركة المباشرة ‏والواسعة والواعية للمواطنين. وأخيراً، تبقى الممارسة الفعلية على الارض هي المحك والاختبار ‏الحقيقي لأي برنامج او اعلان.
مما لا شك فيه ان الحراك العام في سورية ما يزال محصوراً على النخب، ولم تنزل الشرائح الاجتماعية ‏الواسعة بعد الى ساحة الفعل. وما تزال النخب المعارضة أسيرة صراع الإرادات والاستراتيجيات بين ‏الدول الكبرى، وعلى رأسها زعيمة الامبراطورية الولايات المتحدة، من جهة، وبين سلطة استبداية في ‏سورية، من جهة اخرى. ورهانات اغلب هذه النخب تنوس بين الاثنين.
ما ندعو إليه هو التوجه الى ‏غالبية الشعب السوري من المنتجين و المفقرين والمهمشين وصانعي الثروة والحياة والثقافة (النقابات ‏والمنظمات المهنية والمعلمين والطلبة ..)، انها المعنية الأولى بمصيرها ومصير بلادها وهي الضحية ‏الأولى لآليات القهر والاستغلال للنظام الدكتاتوري، وهي التي سيكون الضحية الأولى في أي عدوان ‏عسكري امريكي او دولي على سورية. قد يكون هذا هوالمدخل الحقيقي لما يسمى الخيار الثالث، اما في ‏حال غيابه فلا شيء يبشر الآن بمستقبل قريب مزهر لسورية. والسير على الطريق ما يزال شاقاً وصعب








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يطالبان الإسرائيليين والف


.. ولي العهد السعودي يستقبل أمير قطر بجدة في ثاني زيارة له إلى


.. هدى رؤوف: الطرفان الإيراني والأمريكي يريدان إعادة إحياء الإت




.. وزير الخارجية الأردني: لن تنعم إسرائيل بالأمن ما لم ينعم به


.. شاهد: جسر سورهوف الجديد يسير على طول النهر في روتردام الهولن