الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العقد الاجتماعي أم العدالة الاجتماعية؟

فلاح رحيم

2016 / 5 / 15
مواضيع وابحاث سياسية



انتهت العلوم السياسية في عالمنا المعاصر، بعد تطور ألفي طويل، إلى موقفين أساسيين من قضية العدالة. كلاهما تبلور خلال عصر التنوير ودافع عنه فلاسفة ومفكرون كبار تأكدت مكانتهم في الفكر السياسي المعاصر. الأول هو موقف دعاة العقد الاجتماعي والثاني موقف دعاة العدالة الاجتماعية. الموقفان متضادان يناصب أحدهما الآخر العداء، وقد شهد التاريخ مراحل ظنّ فيها الكثيرون أن الخلاف قد حُسم لطرف دون آخر، ثم عادت الأحداث السياسية على الصعيد المحلي والعالمي لتقنع الفرحين بتفوقهم أن الطرف المنافس يستحق وقفة جادة ومراجعة محايدة. تدفعنا التطورات المتسارعة في العراق وفي منطقة الشرق الأوسط عموماً إلى مراجعة بديهياتنا وعقائدنا التي ننطلق منها إلى الفعل السياسي. وهذه المقالة تهدف إلى زحزحة البديهيات التي وصلت بنا إلى طريق مسدود واستجلاء طبيعة المشكلة قبل التورط في محن جديدة أشد.
يقود جماعة الداعين إلى التشبث بالعقد الاجتماعي توماس هوبز (القرن السابع عشر) وبين أفراد جماعته أعلام مثل جون لوك وجان جاك روسو وعمانوئيل كانط. والفكرة المحورية في هذا المدخل إلى العدالة أن ضمانتها تتمثل في الاتفاق على ترتيبات مؤسساتية عادلة تعكس عقداً اجتماعياً يمثل الجميع. ما أن يتحقق الاتفاق على هذه المؤسسات حتى تصبح العدالة معرّفة بالانصياع لها والدفاع عنها وعن قوانينها. وهنالك افتراض ثابت في هذا المدخل يرى أن الشعب سيعمل بدأب على تعزيز هذه المؤسسات ليضمن قيامها بواجباتها بكفاءة ونزاهة. تكون العدالة بحسب هذه النزعة المؤسساتية المتعالية (أي الترنسندنتالية) قيمة معرّفة ثابتة ومطلقة تستمد ثباتها وتعاليها المطلق من قدسية العقد الاجتماعي نفسه لا من مصدر خارج العقد. ولا تنطوي النظريات التي أسست لهذا الفهم على شك في سلامة المؤسسات والقائمين عليها أو في استجابة الجمهور المتفاعلة إيجابياً مع أدائها. هنالك افتراض ضمني أهم في هذا المدخل يجعل العدالة مفهوماً محلياً يقتصر على الجماعة التي اتفقت على العقد الاجتماعي لا يتعداها إلى من هم خارج هذه الجماعة. لذلك يمتنع هذا المدخل عن التورط في مقارنة ثوابت عقده الاجتماعي مع المفاهيم السائدة في مجتمعات أخرى ولا يقبل الخضوع لمعيار مقارن يحاكم مؤسساته على أساس قيم وافدة من خارج العقد.
هنالك على الطرف المضاد دعاة العدالة الاجتماعية المقارنة، وهؤلاء يوجهون اهتمامهم إلى تقويم ما يترتب على القوانين من نتائج عند تطبيقها. القضايا التي يغض العقد الاجتماعي الطرف عنها ويقبلها ما دامت مقبولة في بنوده، يصرّ دعاة العدالة المقارنة على إثارتها وقياسها بحسب ما ينجم عنها من منفعة أو ضرر. قضايا مثل العبودية والاستغلال الطبقي واضطهاد المرأة على سبيل المثال تثار على أساس ما تعنيه من ضرر ومعاناة لا على أساس أنها جزء من العقد الاجتماعي لابد من قبوله لأنه تأسس واكتسب الشرعية. كان أول من بلور هذا الاتجاه المفكر الأسكتلندي الكبير آدم سمث الذي جادل في كتابة المهم والمغمور "نظرية العواطف الأخلاقية" (1759) دفاعاً عن معيار للعدالة عابر لمؤسسات العقد الاجتماعي يعتمد "الراصد المحايد" وقيم اللياقة والحق والعدل التي يكتسبها الإنسان بفطرته السليمة وبحكم ميل الطبيعة إلى ترتيب نفسها على وفق سنن متأصلة. تنتمي إلى هذا الفهم بتنويعات ثانوية أسماء كبيرة لا تقل في أهميتها عن دعاة العقد الاجتماعي بينهم جيرمي بينثام والماركيز دي كوندرسيه وماري ولستنكرفت وكارل ماركس وجون ستيوارت مل، وهم جميعاً من المعجبين والمتأثرين بآدم سمث (انظر مقدمة أمارتيا سين لطبعة بنغوين الجديدة لكتاب سمث المذكور بمناسبة مرور 250 عاماً على صدوره، وفيها طرح مفصل لهذه الضدية في الفكر الغربي).
من المؤكد أن الرأي العام السائد في العراق والبلدان العربية الأخرى سيميل إلى المدخل الثاني. هنالك من يردد باعتزاز هذه الأيام بيت الشعر الذي قاله معروف الرصافي بغضب:
"علمٌ ودستور ومجلس أمة/ كلٌ عن المعنى الصحيح محرّفُ"
يعرف العرب خطورة المنظور الذي يعتمد العقد الاجتماعي بقدر تعلق الأمر بتاريخهم الحديث. المستعمر الغربي عاث فساداً في هذه الأصقاع المنكوبة دون أن يرف له جفن أو يردعه وازع من ضمير، والسبب أن هذا المستعمر فهم العدالة على أساس أنها تبدأ وتنتهي ضمن قيود العقد الاجتماعي الخاص به في حدود دولته ودساتيرها. ما يقوم به خارج بلده يقيّم على أساس نفعه أو ضرره لبلاده هو ولا يهم ما يترتب عليه من دمار وظلم على شعوب العالم. يجادل جون راولز أبرز المنظرين السياسيين في الغرب اليوم في كتابه المعروف "نظرية العدالة" (1971) أن ما يقرر العادل هو المؤسسات الوطنية وما تؤسس من قوانين وترتيبات خاصة بها. وهو لا يبدي استعداداً لإخضاع فهمه هذا لمعيار إنسانوي شامل.
ربما يكون السبب في الموقف المعادي لنظرية العقد الاجتماعي في المنطقة العربية أيضاً ميراث التيارات اليسارية والقومية والدينية. هذه التيارات ظلت تؤكد دائماً على ضرورة محاكمة الدولة على وفق معاييرها الأيديولوجية الخاصة وفهمها هي الذي يمثل الضامن الوحيد للعدالة. وبالرغم مما شاع طوال العقدين الأخيرين من شجب وتنكر لدعاة الأيديولوجيات وضيق أفقهم، فإن الفكر السياسي العربي لا يزال متشبثاً بالنموذج السياسي الذي كرسته الأنظمة القمعية التي حكمت بعد حقبة الاستعمار وناصبت دعاوى العقد الاجتماعي والحياة الدستورية السليمة العداء. لنقارن بين استقلال من المستعمر في بلداننا العربية تم على أيدي ضباط "أحرار" حكموا بالنار والحديد واستقلال تحقق بقيادة رجل قانون يفهم معنى المؤسسات ويفصل بينها وبين المستعمر الذي تستر خلفها هو المهاتما غاندي.
قد تثير الطريقة التي أعرض بها المدخلين البلبلة لدى القارئ. أيهما أصح ولماذا هذا اللف والدوران؟ يسأل سلافوي جيجيك وهو من دعاة اليسار وأكثر المنظرين المعاصرين عداوة لسياسات الغرب: إذا كانت المؤسسات الدستورية والحياة الديمقراطية التي يتمخض عنها العقد الاجتماعي زائفة ومقطوعة عن المجتمع ولا تمثل إلا مصالح فئة صغيرة، لماذا ظل المستبدون يخافونها طوال التاريخ؟ وهذا السؤال يعني أن جيجيك يبقى بالرغم من حرصه على العدالة المقارنة متشبثاً بالمؤسسات التي يتمخض عنها العقد الاجتماعي بوصفها الوسيلة السياسية الوحيدة لمنع الاستبداد المطلق والتعسف وتكميم الأفواه. يقدم لنا التاريخ أمثلة لا تحصى على ثورات على الفساد والظلم تحوّل قادتها ما أن أستتب لهم الأمر إلى أعتى المتعسفين الفاسدين مع فارق بسيط أن أحداً لا يجرؤ على كشف مفاسدهم دون عقوبة قاسية.
نخلص مما سبق إلى أن الموقف الحصيف من هذه الثنائية المعقدة هو المحافظة على قطبيها كليهما والتأكيد على حركة ذهاب وإياب بينهما تضمن هيبة المؤسسات الدستورية من جهة والقدرة على إخضاعها للمساءلة والنقد والمقارنة من جهة أخرى. لا أمل في مؤسسة دستورية ينخرها العجز والفساد، ولكن لا أمل في بديل استبدادي يدّعي احتكار الحق ويفهم العدالة فهما أحادياً. الشعوب الحية تسائل مؤسساتها وتهزها وتنظفها ولكنها لا تفرط بها أبداً لصالح داعية سميناه "المستبد العادل" دون أن نرى التناقض المخل في هذه التسمية.
بدأت خسارتنا عندما أدركنا أن الثمن الذي يتوجب على العراقيين دفعه للتخلص من الطاغية بسبعة أرواح هو التفريط بسيادتهم والقبول بالاحتلال الأمريكي للبلاد. وقد تمت الصفقة بالرغم من الشك الذي داخل معظم العراقيين في نتائجها. ما داخل الكثيرين في ما بعد من حنين إلى "الزمن الجميل" لم يكن في حقيقته حنيناً إلى همجية النظام المقبور بل إلى السيادة التي فرط بها ذلك النظام. بعد أكثر من عقد أتضح أنها صفقة خاسرة وأن بديل السيادة المتمثل في المؤسسات الديمقراطية معطوب لأكثر من سبب داخلي وخارجي. أمامنا الآن صفقة جديدة لا تقل خطراً من سابقتها: أن نُسقط المؤسسات والعملية السياسية ونسلم البلاد لديكتاتورية جديدة تحت مسمى حكومة الإنقاذ أو الطوارئ مقابل التخلص من الفساد والشلل اللذين لازما الدولة الجديدة. إن تمت هذه الصفقة نكون بعد كل التضحيات المؤلمة منذ عام 2003 وبعد كل أنهار الدم الذي سفكه أعداء الديمقراطية في العراق قد عدنا إلى المربع الأول وكأن شيئاً لم يتحقق. ليست المؤسسات الديمقراطية في العراق مظهراً من مظاهر الاحتلال بل هي استحقاق دفع العراقيون من أجل الحصول عليه أثماناً باهظة وهي فرصة فريدة لابد من التشبث بها وإصلاحها لا التفريط بها والدخول في حلقة مفرغة وعودٍ غير حميد.
الخميس 6/5/2016








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. موسكو: مقتل 200 جندي أوكراني و100 مرتزق أجنبي


.. القوات الروسية تقصف خيرسون والجيش الأوكراني يتصدى




.. سوريا..المقاتلات التركية تشن غارات على مناطق بريف حلب الشمال


.. العراق..نيجيرفان بارزاني في بغداد لبحث الملفات العالقة بين ا




.. السودان..اجتماع الآلية الثلاثية مع القوى السياسية لبحث الاتف