الحوار المتمدن - موبايل


-جامبيت- عربي في الانتخابات الأميركية... لم لا؟

خليل عيسى

2016 / 7 / 12
السياسة والعلاقات الدولية


ليس صحيحًا أنّ العرب لا يمتلكون أسلحةً في مواجهة ما أسميه التحالف الاستعماري الأميركي-الإيراني ضدّهم، والذي رغبت الإدارة الأميركية بتظهيره، منذ وصول باراك أوباما إلى سدّة الرئاسة عام 2008. هذا التحالف الذي وصل، أخيراً، إلى أعلى مراحله الشكليّة فيما عرف "بالاتفاق النووي مع ايران"، وما تلاه من تطوّرات سريعة، واتخذ الأمر منذ أشهر منعطفًا جديدًا، قوامه تقوية أميركا تحديداً النظام الإيراني اقتصاديّاً وعسكريّاً وبشكل عدواني، في وقتٍ لا تتوقّف فيه مساعي الحاكمين في طهران لضرب الدول العربية وتدميرها، بدءا من العراق وسورية واليمن، وانتهاء بزعزعة استقرار دول الخليج. ولئن تمثّل جديد ثمرات هذا المسار بالهديّة "الأوبامية" الأحدث لإيران، أشهر قليلة قبل مغادرة الرئيس الأميركي، في إعلان البيت الأبيض إتمام صفقة هائلة مع إيران بقيمة 17 مليار دولار ثمن أكثر من مائة من طائرات مدنيّة من تصنيع شركة "البوينغ" الأميركية، كانت قد جمّدتها إدارة بيل كلينتون منذ العام 2005، في سياق العقوبات حينها، كانت قد وُعدت المملكة العربية السعودية بها.
ولكن، لا يعني ذلك كله أنّ الأمور محسومة سلفًا بالنسبة لنا نحن العرب، دولًا وشعوبا. فالإمبراطورية الأميركية لا تعمل دوماً كماكينة مزيّتة المسنّنات، وما الانتخابات الرئاسية الأميركيّة المرتقبة سوى الدليل الساطع على ذلك. إنّ وجود مرشّحين "مفاجئين" قدِما من خارج سرب "الاستابلِشمنت" شكّل كلّ منهما تهديدًا حقيقيا للمرشحين النمطيين الآخرين، واحد عند الديمقراطيين هو بيرني ساندرز، وآخر عند الجمهوريين هو دونالد ترامب، شهادة على أنّ ثمّة أمر لم يعد يعمل كما يجب في عملية إعادة توليد السيطرة الداخلية للنخب في الولايات المتّحدة. فها هو "الإستابلِشمنت" بأسره، من جمهوريين وديمقراطيين، يتحالف ضدّ المرشّح الفائز في الانتخابات الأوليّة لحزب الجمهوريين دونالد ترامب، الذي أغنته ثورته الهائلة عن تبرّعات ودعم الحزب الجمهوري له. فمنذ البداية، كان هناك اجتماع سرّي لأثرياء من أصحاب المليارات ومديرين مسؤولين تنفيذيّين في شركات التكنولوجيا العالية، ومسؤولين حزبيين جمهوريين مرموقين، "للتخطيط من أجل إيقاف ترامب" ("هفّنغتون بوست"، 7 مارس/ آذار 2016). أمّا هيلاري كلينتون، وهي مرشّح "الإستابلشمنت" الوحيد الذي بقي، فهي سكرتيرة الخارجية السابقة في عهد أوباما، وقبل ذلك بسنوات، ساندت غزو العراق، ثم شاركت في عملية قصف ليبيا، وساندت سياسات أوباما الداعمة لإيران واتفاقه معها. وهي دعمت، أخيراً، القانون الذي مُرّر في مجلس الشيوخ من أجل مقاضاة أيّ دولةٍ يثبت ضلوع مواطنيها في هجومات 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية. وهو قانون موجّه في إطار الحملة الأميركيّة-الغربية العدائية، والاستعمارية الأهداف، تجاه السعودية خصوصاً، والدول الخليجية والعرب بشكل عام.
لكن لماذا كلّ هذا العداء لترامب؟ وما علاقة ذلك كله بالعرب؟ إنّ ما يعنيننا هو التالي: إنّ الخطّ الأساسي الذي يفصل بين دونالد ترامب و"الإستابلشمنت" وممثلة الأخير هيلاري كلينتون هو أنّ سياستها استكمال لسياسة التحالف الإمبراطوريّ الأوباميّة مع إيران، ما سيكون ضدّ مصلحة العرب الاستراتيجية، بينما سيكون ترامب خصماً لدودًا لكلّ هذا التوجّه. إنّ باقي المسائل التي تُناقش داخلياً في أميركا حول الهجرة وإقفال الحدود مع المكسيك والبطالة، وغيرها من الأمور، لا تعنينا فيما خصّ أولوية مصالحنا، دولاً ومجتمعات عربية مهدّدة من إيران ومليشياتها الاستعمارية، على المدى القريب والمتوسّط. ما يجب أن يعنينا، هنا، أنّ دونالد ترامب كان أصلاً ضد الحرب على العراق (مدح الرئيس الشهيد صدّام حسين أخيراً!). وفي خطابه المتعلّق بسياسته الخارجية، قال إنّه ضد "الإسلام الراديكالي" وليس الإسلام ("نيويورك تايمز" 27 أبريل/ نيسان 2016)، وأنه يبقى المرشّح الوحيد الذي يرفض الاتفاق النووي مع ايران والتحالف معها والذي لديه حظّ بالوصول إلى المنصب الرئاسي. وهو يعتبر أنّ هذا التحالف "سيّئ" وهو تعهّد "بتمزيقه" ("نيوزويك"، 27 أيّار/مايو 2016) مما أدّى إلى جنون الحكّام في طهران وتخوّفهم العلني من هذا الاحتمال ("فوكس نيوز"، 15 حزيران/يونيو 2016).
والآن، ماذا على العرب أن يفعلوا؟ عليهم أن "يشطرنجوا" سياستهم. في لعبة الشطرنج ثمّة ما تُدعى "جامبيت"، وهي عملية يقوم فيها اللاعب بالتضحية ببيدق أو اثنين، من أجل أن يزيد من احتمالاته الهجومية، وليأخذ المبادرة ويعقّد الأمر على الخصم. هذا هو تحديدًا المطلوب هنا: "جامبيت عربي" تقوم به حكومات دولنا العربية بدعم ترامب انتخابيًّا، بالدعاية الكثيفة له بين الأميركيين من أصول عربية في جالياتها في الولايات الأميركيّة. قد تكون في دونالد ترامب هذا "عِبَر الدنيا كلّها" على حدّ قول المصريين، لكن ذلك لا يعني أنّ على العربية السعودية، أو غيرها من الدول العربية، إذا ما نجح أن تعتبره "رجلها"، فهو حينها لن يكون رجل أيّ أحدٍ، بل سيكون رئيس الولايات المتحدة الأميركية فقط. وقد لا يكون بالضرورة منحازاً للعرب، في جميع المسائل والملفّات، لكن كل هذه المساوئ الواقعية فيه ستكون محسوبة ويمكن التضحية بها، لا بل يمكن أن نتحمّلها، لأن ثمّة شيئاً واحدا موجودا لدى ترامب ليس موجودًا عند كلينتون، وهو الأهمّ لنا: الرجل ليس صديقا لإيران ألبتة، وهذا يجب أن يكفينا في هذه المرحلة. لذلك، فعبر مشاركة أبناء العرب وبناتهم، ناخبين لترامب في الانتخابات الأميركية الأكثر مصيريّة بالنسبة لنا على مرّ تاريخنا الحديث، سيكون هذا "الجامبيت العربي" محاولةً لتحقيق اختراق في التناقضات الداخلية الاميركيّة لمصلحتنا، دولاً وشعوباً عربيّة تواجه أخطاراً استعمارية حقيقية جدًّا. وهذا إذا ما تمّ سيكون أحد أسلحتنا المتوفّرة، لنا نحن العرب، في التأثير على أقدارنا، وقطع الطريق على من يريد الشرّ بنا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قرار إغلاق المطاعم والمقاهي في رمضان.. مع أم ضد؟ | #نقاش_تاغ


.. بدء تنفيذ إجراءات الحجز التحفظي على السفينة -إيفرغيفن-


.. مجموعات الشارع وأحزابها تجتمع لطرح مشروع لإنقاذ لبنان




.. أمريكا.. توصيات بإيقاف استخدام لقاح جونسون أند جونسون


.. تايوان تدشن أول سفينة حربية برمائية