الحوار المتمدن - موبايل


أمين نخلة في أمر عجب ...

سعيد عدنان

2016 / 7 / 19
الادب والفن


أمين نخلة أديب ؛ كاتب ، شاعر ، من سادة البيان العربيّ في القرن العشرين ؛ يكتب فترقص الحروف على قلمه ، وينشد الشعر فيملك الأسماع ، ومفكّرته الريفيّة نمط فريد في النثر العربيّ كلّه . على أنّه ، مع ذلك كلّه ، مؤلّف يضع الكتب ؛ فقد ألّف في القانون ، وهو موضع دراسته الجامعيّة ، وميدان عمله ، والّف في النثر العربيّ كتاباً نافعاً ممتعاً جعل عنوانه : ( أساتذة النثر العربيّ ) . يقرؤه قارئه فيطوف بالنثر العربيّ منذ نشأته قبل الإسلام حتّى زمن عبد العزيز البشريّ ، وإبراهيم عبد القادر المازنيّ ، وماري عجمي . ومنهجه فيه ؛ أن يذكر الكاتبَ المنشئ معرّفاً به ، مورداً بعض ما قيل فيه ، ثمّ يأتي بأمثلة من نثره . ولا ريب في سداد المنهج واستقامته وجدواه ؛ إذ يروم الكتابُ أن يُدني النثر العربيّ من القارئ ، ولكنّه ليس من مرامه أن يبحث ، وينقّب ، ويصل بين الأشباه والنظائر ، ويربط بين الأدب ومحيطه .
ولا عجب في ذلك ؛ إنّما العجب يجيء حين يختتم حديثه عن الجاحظ ، ويشرع بإيراد أمثلة من نثره ؛ فقد أتى بنصّ سمّاه : ( حريّة الكلام ) وقال عنه : ( كتب إلى محمد بن عبد الملك الزيّات الوزير ، وقد انتهت إليه رقاع فيها ذمّ له ، وتشنيع على بعض أعماله .) ثمّ ساق النصّ على أنّه من الأمثلة على نثر أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ : ( سمعتُ بأنّ شعراً قد رفع إليك ، فيه عيب لك ، ونقد لبعض عملك ، فغضبتَ له ، وضقتَ به ،وأمرتَ بالبحث عن قائله ، لتُذيقه غضبك ، وتصبّ عليه عذابك ، وتعلّمه عاقبة الطيش ، ومغبّة استخفافه بالسلطان ، واجترائه على الحكّام . ثمّ لم يكفك ذلك ، ولم يقنعك ؛ فأمرت أعوانك من الكتّاب والعمّال أن يتقدّموا إلى أصحاب الشعر المنظوم ، والكلام المنثور ، وإلى ذوي الأقلام المشرعة ، والألسنة المنطلقة ؛ الّا يذكروك فيما ينظمون من شعر ، أو يكتبون من نثر ، أو يديرون من حديث ، إلّا بالخير ! وإن جنح منهم عن ذلك جانح ، وانحرف منهم منحرف ؛ فإنّ السجن له مهيّأ ، والعقاب له مرصد ، والعذاب عليه محتوم ، ... وأنت ، بعد ذلك لا تستطيع أن تعقل الألسنة المنطلقة ، ولا أن تحطّم الأقلام المشرعة ، ولا أن تمنع القلوب من الشعور ، والعقول من التفكير ؛ فدع الناس وما يشاؤون أن يقولوا فيك من الخير والشرّ ، ومن الحمد والذمّ ، وانتفع من ذلك كلّه في إصلاح نفسك ، وفي تجنّب ما يشينك إلى ما يزينك .)
ولا أدري كيف خفي على أمين نخلة ؛أنّ هذا النصّ ليس ممّا كتب الجاحظ ، ولا أدري كيف فاته ؛ أنّ نظراً يسيراً في نسيجه ، وفي معانيه ؛ يُظهر أنّه ليس ممّا جرى به قلم أبي عثمان ؛ فليست الصياغة صياغته ، وليست المعاني معانيه . وإذا بدت بين صياغة هذا النصّ ، وصياغة كلام أبي عثمان مشابهة ؛ فإنّها مشابهةٌ أرادها كاتبه حتّى يصطبغ كلامه بصبغة كلام الجاحظ ، وحتّى يتمّ له ما أراد من إيهام .
أمّا المعاني فإنّها بعيدة عن معاني الجاحظ في كتبه ورسائله ؛ وبحسبك أنّ هذا النصّ قد أقام من الجاحظ ناصحاً ينصح الوزير محمد بن عبد الملك الزيّات ، ويُريه وجه الصواب في علائقه مع الكتّاب والشعراء ؛ وهو مقام ما كان الجاحظ ليقومه من الزيّات على أيّ حال من الأحوال . ثمّ إنّ هذه المعاني التي انطوى عليها النصّ ، ممّا يتّصل بحريّة القول ، لم تكن ممّا يفكّر فيه الكتّاب في القرن الثالث من الهجرة .
نعم ! إنّ كلّ شيء في هذا النص يجهر أنّه ليس من آثار الجاحظ . ثمّ ها هي ذي كتب الجاحظ ورسائله ؛ فأين هذا النص فيها ؟!
لا أدري كيف خفي على أمين نخلة موضعه ، وكيف اشتبه عليه الأمر ؛ وهو الكاتب المبين الذي يعرف نسيج الكلام ، ويزن مواضع الألفاظ ، ويدرك مسارب المعنى ؟!
ولكن ما هذا النصّ ؟ ومن صاحبه ؟
هذا النصّ جزء من مقالة عنوانها : ( رسالة الأمر والنهي ) لطه حسين منشورة في كتابه : ( مرآة الضمير الحديث ) . وقد بنى طه حسين كتابه هذا على نقد أشياء رآها قد أفسدت الضمائر ، وانحرفت بها ؛ وقد كان يتّجه في نقده إلى رجال بأعيانهم ممّن تولّى أمور الدولة يومئذٍ ؛ فأراد أن يوهم ، بنحو ما ، أنّ هذه الرسائل شيء قديم انحدر إليه من الأدب العربيّ ؛ فقال في صدر كتابه : ( هذا رسائل تنسب إلى الجاحظ وأراها محمولة عليه لأنّ تكلّف التقليد فيها ظاهر ) وهي جملة بارعة تثبت وتنفي معاً ! ثمّ قال : ( أقبل عليّ صاحبي مبتهجاً ، باسم الثغر ، مشرق الوجه والنفس جميعاً يقول : لقد جئتك بطرفة ما أشك في أنّك ستنعم بها بالاً ، وسترضى عنها كلّ الرضى ، وستؤثرها على كثير من الطيّبات في هذه الأيام التي تقلّ فيها الطيّبات . قلت : وما ذاك ؟ قال : كتاب مخطوط لم تعرفه المطبعة بعد ، ظفرت به عند بعض الورّاقين ، وفيه رسائل مختلفة للجاحظ ، وغير الجاحظ ، من كتّاب القرن الثالث والرابع للهجرة . ولم أكد أنظر فيه حتّى بهرني وسحرني ، وكرهتُ أن أوثر نفسي بقراءته ، فجئت أظهرك عليه وأشركك في الاستمتاع به . ثمّ أخذ يقرأ عليّ من رسالة للجاحظ كتبها إلى محمّد بن عبد الملك الزيّات وسمّاها " رسالة الشكر والكفر " وابتدأها على هذا النحو : )
ولا ريب في أنّ الرسائل كلّها من قلم طه حسين ، وليس الجاحظ فيها إلّا تكأة يتكئ عليه ليعرب عن رأيه في ما كان يقع . إنّها ضرب من الصنعة الفنيّة التي يحدثها خيال ذكي يقظ . ثمّ إنّ هذا الضرب من الإيهام ؛ أن تقع للكاتب نصوص قديمة فيسارع إلى نشرها ، شيء معروف في الأدب ولا سيّما عند الروائيين .
ولا أدري كيف خفي الأمر على أمين نخلة ؛ فأخذ نصّ طه حسين وجعله مثالاً على نثر الجاحظ ؟!
لكنّ أميناً لا يخفى عليه أمر كهذا ، ولا يلتبس ، وهو الكاتب الصناع !
ولم يبق لدي إلّا أمر واحد أفسّر به مجيء هذا النص في غير موضعه ، حتّى يخفّ العجب شيئاً ؛ هو أنّ المؤلّف أمين نخلة حين وضع هيكل كتابه أوكل اختيار النصوص إلى غيره ؛ فوهم الموكّل باختيار النصوص ، وجاز عليه مكر طه حسين ، فوضع للجاحظ نصّاً ليس له !
قال صاحبي وهو يضحك ؛ إنّما هذا تفسير أملاه عليك حبك لأمين نخلة ..!
قلت : ربّما ..!










التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما