الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


محنة التدويل والتقسيم

فلاح رحيم

2016 / 8 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


هنالك صورة طريفة تجمع بين أدولف هتلر ومفتي الديار الفلسطينية أمين الحسيني استخدمها الصهاينة مراراً لقلب الحقائق. وهذه الصورة تذكرني بحوار من رواية نجيب محفوظ "خان الخليلي" يقع عام 1941، يفزع فيه سكان عمارة في الحي من نومهم إلى الملجأ عند الثانية صباحاً يترقبون صوت الغارات الألمانية على القاهرة فيدور بينهم هذا الحوار:
" ـ لن يبلغ الأذى مهبط رأس الحسين.
ـ وهتلر ينطوي على احترام عميق للبقاع الإسلامية.
ـ بل يقال إنه يبطن الايمان بالإسلام.
ـ ليس هذا ببعيد، ألم يقل الشيخ لبيب التقي النقي إنه رأى فيما يرى النائم علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقلده سيف الإسلام؟
ـ فكيف ضُربت القاهرة في منتصف هذا الشهر؟
ـ ضربت السكاكيني وهو حي غالبية سكانه من اليهود!
ـ تُرى ماذا ينتظر الأمم الإسلامية على يديه؟
ـ سوف يعيد ـ بعد فروغه من الحرب ـ إلى الإسلام مجده الأول، وينشئ من الأمم الإسلامية اتحاداً كبيراً، ثم يوثق بينه وبين الألمان بعهود الصداقة والتحالف!
ـ لذلك يؤيده الله في حروبه!" (مكتبة مصر، ص. 67)
هنالك بين الصورة المذكورة وهذا الحوار من رواية محفوظ انسجام وتعاضد يؤكدان بديهية ترسبت في اللاوعي بين الكثيرين من العرب (وبعضهم مثقفون وخبراء استراتيجيون) مفادها أن خسارة ألمانيا للحرب العالمية الثانية كانت خسارة لهم وللقضية الفلسطينية على وجه التحديد، ولو أن موازين القوى انقلبت لما وُجدت إسرائيل أصلاً.
يرد في كتاب هاينز هوينه Heinz Hoehne "نظام رأس الموت: قصة قوات الأمن الهتلرية" The Order of Death’s Head: The Story of Hitler’s SS وصفٌ لحدث وقع في السادس والعشرين من أيلول عام 1937 عندما توجه أدولف أيخمان ( أحد كبار قادة الرايخ الثالث، كتبت حنا أرندت عن جرائمه في ما بعد " تفاهة الشر") مع أحد معاونيه إلى فلسطين. وكان أيخمان مفوضاً من حكومته النازية لتلبية دعوة فيفل بولكس أحد قادة منظمة الهاجانا السرية الصهيونية لزيارة تل أبيب ومناقشة التعاون بين المنظمات النازية والصهيونية على تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين. ذلك أن الجانبين اتفقا على الحاجة الماسة لدفع أكبر عدد من اليهود لمغادرة أوربا؛ الألمان يريدون التخلص من وجودهم في ألمانيا وأوربا الشرقية بينما يسعى الصهاينة إلى تحقيق زيادة عددية على العرب في فلسطين. لم يتحقق اللقاء في تل أبيب بسبب أعمال العنف فنُقل إلى القاهرة (انظر ص ص 336 ـ 337).
إذا وضعنا هذه المعلومة التاريخية - المؤسف أن صورة من هذا اللقاء النازي الصهيوني لم تبق لتوثقه وتصاحب الكلمات ـ إلى جوار صورة الحسيني مع هتلر اتضح أمامنا جانب جديد في العلاقة بين الكلمات والصور لم يشر إليه الفيلم. وأعني هنا علاقة التهكم المرير، ذلك أن التهكم irony لا يعني دائما السخرية ولا الاستخفاف. حين نقول عن أرملة شابة قُتل زوجها في الحرب بعد أشهر من الزواج إنها عروس فإن في قولنا هذا تهكم، لكنه مرير وحزين. يكفي أن نفكر في ما آل إليه حال اليهود في معسكرات الاعتقال النازية من جهة وما عاناه الفلسطينيون من جهة أخرى لندرك طبيعة المفارقة. الطريف أن كتاب هوينه قد نشر لأول مرة على شكل سلسلة من اثنين وعشرين مقالاً في "دير شبيغل" بين عامي 1966 و1967 وصدرت ترجمته الإنجليزية عام 1970 (الطبعة التي بين يديّ صدرت عن بنغوين عام 2000).
في يومنا العصيب هذا بدأت تتعالى من جديد في ظل خسائر داعش وتراجعه دعوات إلى تدويل القضية العراقية بحجج واهية، وكأن القضية العراقية لم تدول بعد! يعلم الجميع أن العراق دخل حسابات القوى الكبرى في العالم والجوار منذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، وتأكد تدويل مواجعه مع إحتلال الكويت ومحنة الحصار ثم الاحتلال الأمريكي. يبدو لمن يسمع دعوات التدويل وكأن العراق ظل حتى الآن شأناً عراقياً لا علاقة للعالم به! هنالك حراك سياسي محموم استعداداً لما سوف يترتب على هزيمة داعش، وهو حراك يكشف العلة الكبرى في النخبة السياسية التي تقود البلد، وأقصد بها رهان أطرافها جميعاً على قوى خارجية مشغولة بمصالحها الخاصة. يبدو واضحاً أن التقسيم على أساس الطائفة والقومية هو ما تميل إليه أغلب الأطراف. ومشكلة التقسيم أنه ليس حلاً للمعضلة بل بداية معضلة جديدة أنكى من سابقتها، ذلك أنه سيعني حروباً مستقبلية لتقرير الحدود ينجم عنها موجة قتل وتدمير وتهجير جديدة. كما أنه يعني ظهور ثلاثة دول سبب وجودها أنها أخفقت في التعايش مع الاختلاف، أي أنها دول أحادية استبدادية بالضرورة. أما أخطر ما يترتب على التقسيم فهو نشوء جبهة مواجهة مباشرة بين المجالين الحيويين السعودي والإيراني تقع داخل العراق، ولن يصعب تخيل شرارة الحرب الكبرى وسط التصعيد الطائفي المجنون في المنطقة.
نعود إلى الكلمات والصور (لم نذهب بعيداً لأن لنا موعظة في تدويل فلسطين وتقسيمها) فنقول لسياسيينا اليوم إن الرهان على قوى خارجية تحقّ الحق وتعيد ما ضاع رهان خاسر دون شك. ولن يُقبل منهم ادعاء الغفلة. الرهان الحق هو استعادة سيادة العراق وتماسكه وخلق نظام سياسي دستوري سليم يحتوي كل أبنائه دون تمييز ويستمد قوته من ولائهم. من يبد الاستعداد للتواطؤ على تقسيم البلاد من أجل أطماع وأوهام أنانية ضيقة سيتحمل مستقبلاً كل ما يترتب على التقسيم من أهوال.
في مسرحية برترولد برخت "دائرة الطباشير القوقازقية" تتنازع أم طبيعية مع خادمتها على طفل صغير لدى قاض. كانت الأم قد تخلت عن الطفل في زمن الحرب والمحنة فقامت الخادمة بتربيته ورعايته، ثم عادت الأم في زمن السلم لتطالبها به. يرسم القاضي دائرة طباشير على الأرض يضع فيها الطفل ويطلب من المرأتين المتنافستين أن تسحب كل واحدة ذراعاً وسيكون من حصة من تخرجه من الدائرة. عندما يبدأ التنافس ترفض الخادمة سحب الطفل بشدة شفقة منها عليه. وعلى خلاف النسخ المعروفة من الحكاية يجعل برخت القاضي يحكم للمربية على حساب الأم لأن العبرة في من يرعى الطفل ويحنو عليه حقاً.
يرى الناقد البريطاني ريموند وليامز أن برخت هو أول من قلب الحكاية بهذا المعنى، لكن كُتب الأحاديث النبوية الشريفة تدلنا على أن المسلمين أولى بهذه الحكمة من غيرهم. ورد في الحديث النبوي الشريف: " كانت امرأتان معهما ابناهما فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا إلى سليمان بن داود فأخبرتاه فقال ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله إنما هو ابنها، فقضى به للصغرى "مُتفقٌ عليه أيها الأخوة الأعداء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السياسي شارل بليه غوديه يعود إلى ساحل العاج بعد تبرئته من ال


.. وسط تجدد للغارات التركية على مواقع في ريف حلب، قوات سوريا ال




.. زيارة جديدة لرئيس كردستان العراق إلى بغداد.. هل ستنجح في حل


.. الآلية الثلاثية تبحث مع عدد من القوى السياسية السودانية مشرو




.. بغداد وأربيل.. بحث تأمين حدود كردستان | #رادار