الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


البراغماتية---القضية الكردية، المعارضة السورية

سلطان الرفاعي

2005 / 12 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


تجسدت الفلسفة البراغماتية منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الآن في اعمال كثير من الفلاسفة ، وقد اتسعت آراء البراجماتية لتشمل معظم الميادين الفلسفية والاجتماعية والسياسية . فالفكرة الصادقة لدى بيرس 1829-1914-هي التي يكون لها نتائج عملية مفيدة ، وصيغت البراجماتية في مؤلفات وليم جيمس -1842-1910- كمنهج لحل المنازعات الفلسفية بواسطة مقاربة النتائج العملية الناتجة عن نظرية ما ، فالصدق مثلا هو ما يقودنا الى الهدف الذي نطمح الى الحقيقة ، والفكرة هي أداة فعل لدى جون ديوي - -ولدى شيلر -- نجد أن المعرفة هي المجمل الكلي للحقائق الصادقة ، ، وقد تجلت أفكاره هذه في كتابه ((المذهب الانساني)) فارتبطت النزعة الانسانية بهذا المؤلف.
وفي علم الاجتماع تتنوع آراء البراغماتية : من تأكيد دور الأفراد البارزين عند ((جيمس)) والدفاع عن الديمقراطية البرجوازية عند ((ديوي))
كلمة براغماتية من الكلمة اليونانية براجما وتعني العمل أو الفعل . وأول من أدخل هذا اللفظ الى الفلسفة تشارلس ساندرس بيرس، في مقال له بعنوان((كيف نجعل أفكارنا واضحة ، وفي هذا المقال قرر بيرس أن معيار صدق أي فكرة يكمن فيما يترتب عليها من نتائج عملية 00وقد حدد بيرس منهجه بفكرتين رئيسيتين هما:
1- ان الفكرة الحقيقية هي التي تجد طريقها الى التطبيق العملي وتقودنا الى الهدف
2- ان فكرتنا عن موضوع ما ، هي فكرتنا عن النتائج المترتبة على الآثار العملية ، فالعمل اذا هو المعيار لصدق الفكرة المجردة وليس الوعي المجرد.

أكدت البراغماتية كثيرا على الحرية الانسانية في مقابل الحتمية التي أكدتها الماركسية ، ولكن القول بأن المواطن حر في أفعاله لا يكفي ، اذ لا بد من معرفة الكيفية التي يمارس فيها هذا المواطن حريته وبمعنى آخر يصبح السؤال :
كيف يمكن لهذه الحرية أن تتجسد في فعل انساني ملموس؟
كيف يصنع المواطن السوري تاريخه وكيف يحقق التغيير المنشود؟

ان موضوع الحرية والحتمية موضوع ميتافيزيقي . لا يمكن الخروج منه الا ضمن اطار واقعي ملموس . لذا يصح السؤال عن القوى الفاعلة للتغيير ؟ كيف يصنع المواطنون السوريون تاريخهم؟ وما هي القوى الفاعلة في هذا التغيير المطلوب؟
ترى البراغماتية أن الحرية والتغيير المطلوب يتحققان من خلال الفعل الارادي . ولكن هذا الفعل لا يمكن تحقيقه بنجاح ،ولا يمكن أن تكون له نتائج مرغوبة ، الا اذا سبقه اعتقاد بفكرة ما . وهنا نصل الى ارادة الاعتقاد . فالإرادة هي التي تفصل في أسئلة مثل:
هل نحن على صواب أو خطأ فيما اخترناه من مسائل؟
هل توصف المعارضة في ذاتها بأنها خير أو شر ؟
هل القضية الكردية عادلة أم غير عادلة؟
وبالتالي فان مهمة الارادة تكمن في الحسم بين مجموعة من الأفكار . ثم يأتي دور الاعتقاد بالفكرة المختارة يلي ذلك مباشرة فعل المواطن وبالتالي فان سوريا اليوم هي ما نعتقده ونصنعه ، وكما أن الخير والشر نسبيان يتوقفان على اعتقادنا نحن ، وكذلك التفاؤل والتشاؤم ، أي أن المواطن السوري اذا اعتقد أن المعارضة مطلوبة اليوم ، وسار فيها وفق اعتقاده بأنها الطريق الوحيد المتبقي من أجل حياة أفضل له ولأولاده فان المعارضة تصبح خيرا حقا.
وكذلك القضية الكردية ، اذا اعتقد المواطن السوري بعدالتها ، وسار فيها وفق اعتقاده بأنها الطريق الوحيد المتبقي من أجل سوريا أقوى وأجمل ، وأكثر انسانية وحضارة،. فان عدالتها تصبح خيرا حقا.
فالاعتقاد اذا هو الايمان بشيء يمكن الشك فيه من ناحية نظرية ، وبما أن معيار الاعتقاد هو الرغبة في العمل . فانه يمكن أن يقال ان الاعتقاد هو الاستعداد والتأهب للعمل في كل الحالات التي ليس لدينا برهان سابق على صحة نتائجها وبالتالي يجب التأكيد على الجدلية الضرورية بين الاعتقاد والإرادة كعملية اساسية لإنجاز الأفعال الهامة في تاريخ المواطن.
ان الانجاز الأسمى للارادة يكمن في استخدام الأفكار وتعبئة التصورات في نمط فكري موجه ، تفتقده كوادر المعارضة في الوقت الحاضر . اذ ان الارادة قد تخلق مركبات جديدة من الأفكار وتصنع أهدافا جديدة للسلوك . وهذه الارادة على صلة وثيقة بالوعي لذا فهي ارادة واعية ، لم نصل اليها حتى الآن بالتأكيد. وترى البراغماتية أن الارادة لا تظهر الا مع اكتمال الوعي ، أما الأفعال السابقة فلا تعدو كونها حركات وأفعال غريزية.
ان كل ما قيل ، ويقال ، وكُتب وسيُكتب عن القضية الكردية ليس أكثر من حركات وأفعال غريزية ، لا تسمن، ولا تغن عن جوع. فالمطلوب في البداية صنع اهداف جديدة لسلوك المواطن السوري تجاه هذه القضية. اضافة الى توعية حقيقية لكل ملابسات هذه القضية ، ومن ثم نصل الى ارادة واعية للمواطن السوري تجعله واعيا لكل ابعاد هذه القضية .

وكذلك فكرة المعارضة ، فلا يمكنها أن تنجح في سوريا، وتستقطب الشارع الوطني ، ما لم يكن هناك ارادة واعية للشعب السوري ، يشعر بها ويمارسها ، مدركا واعيا أنها خياره الوحيد لإنهاء الاستبداد الممارس عليه بكل أشكاله، اضافة الى بناء وطن أكثر انسانية وحضارة، فالمواطن السوري الواعي لحقيقة حياته التي امضاها في الحروب والأزمات آن له أن يفكر بطريقة ما تجعله يعيش باستقرار ورفاهية أفضل.
كيف يحاول الوعي صنع التغيير؟
بالإرادة فهي لم تعد ذلك الجهد الذي يدفع الجسم الى تنفيذ حركات معينة . ولكنها ذلك الجهد الذي يحفز العقل على ابراز فكرة وتقديرها وإعلائها على بقية الأفكار .
وهكذا ففعل المعارضة عند المواطن السوري لا بد أن يمر بعدة مراحل . تبدأ بوجود مجموعة من الاختيارات.(بين الحرية والقمع، بين التخلف والحضارة، بين العيش الكريم والعيش المهين، بين الفساد المستشري والوطن النظيف، بين السلام والحرب، بين المستقبل الآمن والمستقبل الغامض، بين المكانة العالية للوطن وبين العداء ، بين احترام الآخر وإهانته بين التوزيع العادل للثروة الوطني وبين نهبها الجائر، بين فساد القضاء والعدالة، ----) ويقوم العقل بفرزها وتصنيفها ، ثم يقوم بعملية الاختيار حسب اهدافه . ثم تأتي مرحلة الاعتقاد بالفكرة ، وهنا يصبح للارادة دور في حسم الاختيار من جهة ، وفي البدء بالعمل بعد الاعتقاد من جهة أخرى.
كيف يتم تحقيق الفعل الارادي الواعي؟
1-فكرة في عقل فرد ما
2- ثم تحول هذه الفكرة الى فعل حركي :
فكرة المعارضة والتغيير والبحث عن حياة أفضل ، لا بد أنها مرت بملايين العقول السورية. ولكن كيف ستتحول هذه الفكرة الى حركة:
الفعل الحركي هو الأثر الناتج لسيطرة الفكرة على عقل الفرد : وتسمى دليل الحركة وميزتها أن الفكرة التي ستتحول الى حركة هي أن ينشأ معها توقع الآثار الحسية للحركة ، فان لم يصاحب الفكرة هذا التوقع فلن تتحول الى حركة ابدا.
ولكن ما هي الآثار الحسية لفكرة المعارضة على المستوى القريب والبعيد؟ الاعتقال، الطرد من الوظيفة، النفي، التعذيب، الغد المشرق، المستقبل المنير، الحياة الأفضل،انسانية، حرية، تعايش سلمي، ----
فالمعارضة اذا ليست سوى نتاج لفكرة نؤمن بها ونناضل من أجل تحقيقها ، وبالتالي فان البراغماتية ترى أن الاعتقاد هو المبدأ الأول الذي يسبق فعل المعارضة ، فالاعتقاد بصحة فكرة المعارضة يعد دافعا قويا للنضال من أجل تحقيقها .
((ان ارادة الانسان لفي حاجة دائمة الى قاعدة تعمل وفقا لها ، فإذا لم تجدها اخترعتها)) والقاعدة التي يعنيها فيلسوف البراغماتية وليم جيمس هي فرض أو برنامج للمستقبل نضعه كهدف أمامنا . ونعمل من أجل انجازه ، هذا الفرض يمكن أن يكون فرضا ناجحا اذا عقدنا العزم على تحقيقه .((المعتقدات الحقيقية تعد قاعدة ناجحة للفعل))

هذه النزعة الارادية عند البراغماتية ما هي الا رد فعل على الفلسفة العقلية التي تسخر من أي فعل ارادي لأنه حسب تصورها لا يغير من الواقع المعطى والمعد سلفا . فمعارضتنا وفقا للمذهب العقلي ، لا يمكن أن تضيف أو تعدل شيئا من الواقع الاستبدادي القائم . والبراغماتية ترفض هذا الطرح لأنه يدعو الى التوقف عن المعارضة وللانتظار ثم انه يخلق فينا اللامبالاة على أساس أن كل شيء يتم بشكل مستقل عنا ، وبمعزل عن ارادتنا، وإننا لسنا سوى مشاهدين فقط لفلم قمعي طويل.

اما البراغماتية فإنها تدعو الى المعارضة والعمل ، اذ تؤكد انه لا يمكننا الانتظار حتى تكتمل الشروط الموضوعية ولا يجب ان ننتظر بل لابد أن نعارض على أكثر الفروض رجحانا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رابعة الزيات تثير الجدل برا?يها الصريح حول الحرية الشخصية لل


.. مقتل هاشم صفي الدين.. هل يعجز حزب الله عن تأمين قياداته؟




.. قراءة عسكرية.. كيف يدير حزب الله معركته بعد سلسلة الاغتيالات


.. نشرة إيجاز - مصدر أمني للجزيرة: فقدان الاتصال بصفي الدين




.. صفارات الإنذار تدوي في حيفا مع إطلاق صواريخ من لبنان