الحوار المتمدن - موبايل


عن الازمة الوطنية وهوية السلطة في مصر

راجي مهدي

2016 / 8 / 26
مواضيع وابحاث سياسية



هل عشت عصر السادات ؟ اذا كانت الاجابة لا ، فعليك ان تشد حزام الأمان ، لأنك ستنطلق في رحلة محاكاة للعصر الساداتي المبارك . واذا كانت الاجابة نعم ، فلا بأس من ان تعيش نفس المشاعر والانفعالات سلبية كانت او ايجابية . و قد حل السادات بشخصه وبانتمائه الطبقي ، كي يمدد أزمة الوطن الغارق في مستنقع الفقر والطائفية ، كي يخلق مزيدا من محفزات الحرب الأهلية ، في ظرف انعدم فيه البديل الوطني الحقيقي ، زمن أزمة اليسار وضياع الهوية الوطنية بعد سنوات طويلة تم فيها نسف كل الثوابت الوطنية التي أرستها دولة عبدالناصر .

استولت البرجوازية علي الحكم وسخرت جهاز الدولة لتصفية الشعب المصري علي كافة المستويات . وقاد السادات التحول ، مضفيا عليه طابعا يمكن تشبيهه بالكوميديا السوداء . رئيس جاهل ، منبهر بالنموذج الامريكي ، يعاني من عقدة نقص انعكست علي اداؤه المسرحي . تحولت الدولة علي ايدي بيروقراطيتها الي جهاز للجباية يعمل بكفاءة في خدمة مختلف شرائح البرجوازية المصرية . الدولة ، آلة القمع ، وظيفتها تركيع الفقراء طالما هي ليست دولتهم ، سيفا علي اعناقهم ، سيفا في يد العدو الطبقي . هذا السيف ما ان يستولي عليه الفقراء سوف يكون سيفا علي رقاب البرجوازيين . هكذا هو حال الدولة منذ نشأت ، إما هي دولة المستغِلين او دولة المستغَلين . ولم يعرف تاريخ الدولة كجهاز قمعي أي حالة ثالثة ، الدولة لا تعرف الحياد ، لا يمكنها ان تكون جهازا للتوفيق بين طرفين متناقضين ، لأنها نشأت أساسا لابقاء احد الطرفين خاضعا للطرف الآخر ، ينسحب ذلك علي كل دولة ، حتي الدولة المصرية مهما قيل عن تاريخ نشأتها و ظروف تكوينها هي اداة قمع في التحليل الأخير . الذي حدث أن البرجوازية البيروقراطية استولت علي جهاز الدولة في أواخر الستينيات ، وتجسد الاستيلاء عمليا بالإطاحة برؤوس الناصريين المتواجدين في قمة جهاز الدولة في 15 مايو 1971 ، بعدها اصبحت البرجوازية تمارس سلطتها بشكل علني ، تدعمها بتشريعات وادوات قمع مستحدثة تلائم التحول من اقتصاد الدولة الوطنية ، الي اقتصاد التبعية والارتهان للغرب و التسليم للصهاينة . بقي هذا الوضع منذ هزيمة مشروع عبدالناصر حتي الآن ، بقيت الدولة للبرجوازية ، لم تغير في الوضع توازنات القوي و" الشلل" داخل التحالف الحاكم ، الثابت ان الدولة في ايدي الكمبرادور بأي زي أو هيئة . لم يغير في الأمر هبات شعبية ذُبحت علي مذبح غياب التنظيم الشعبي .

هل اختلف سلوك السادات عن سلوك من تلاه ؟ جوهر الخط العام للحكم واحد ، تفكيك الاقتصاد الوطني كان مهمة السادات ، ربط مصر بتبعية مُذلة لمراكز الرأسمال العالمي هو من بدأه ، الانبطاح للصهيوني ، وكسر الصف العربي تم علي ايديه ، ثم استكمل التالون الرحلة . الم تنفتح مصر علي صندوق النقد الدولي في عهد السادات ؟ الم تبدأ اولي محاولات رفع الدعم عن السلع الاساسية علي ايدي سلطة السادات ؟ ما أشبه الليلة بالبارحة !  تحدثنا السلطة اليمينية عن عجز الموازنة ، الفجوة بين الموارد والمصروفات ، تلك المصروفات ليست خططا للتنمية ، انها انفاقا بذخيا لطبقة سفيهة . سيتم سد الفجوة بتلال من الديون تتراكم كالجبال علي كاهل الفقراء . لكن الفجوة سوف تتزايد في الاتساع حتي تبتلع النظام كما الثقب الاسود .

تحيا مصر علي المسكنات ، ويجد الحكم من يبرر له الهوان . فالمنطق السائد هو ان السلطة لا قبل لها بمواجهة الطبقة !! هل السلطة راغبة في المواجهة ؟ الرغبة ليست قرارا فرديا يتخذه التافه ضيق الأفق محدود المواهب والامكانيات ، ان المواجهة رهن بانتمائك الطبقي . السلطة غير متجانسة ، بداخلها " شِلل" . شلة المؤسسة علي رأس الجهاز ، عليها يرتكن كل المنطق القائل ان السلطة راغبة لكنها غير قادرة . كأن انحدار السلطة من المؤسسة العسكرية هو الحاسم في انتمائها الطبقي . والحقيقة أن الأمر بحاجة الي تبيان . السيسي يعتمد في الحكم علي المؤسسة العسكرية ، بمعني ان الجيش هو نقطة ارتكازه . مستشاريه من العسكريين ، جولاته ، المشاريع التي يعلن عنها بصرف النظر عن حقيقتها هي من اخراج الجيش . وفي ما يبدو كأنه مواجهة لأزمة ارتفاع اسعار السلع دفع الجيش بعربات تابعة لجهاز الخدمة الوطنية تقدم المنتجات الغذائية الاساسية بأسعار أقل من اسعار طرحها في السوق . يبدو هذا و كأنه دخول الجيش كمؤسسة من مؤسسات الدولة في منافسة مع التجارة التي يسيطر عليها الكمبرادور . هذه نقطة ، ان رأيتها في ضوء الموافقة علي شروط الصندوق واقتراض 12 مليار دولار ، سوف تعلم أن الأمر لا يتعدي كونه محاولة لامتصاص الحنق الشعبي . الناس لا يجدون قوت يومهم ، وان خرجوا الي الشوارع مجددا فلن يذروا علي الارض لا شِلة المؤسسة ولا المؤسسة ولا كامل تحالف النهب الحاكم . كيف يبدأ الأمر بمنافسة القطاع الخاص في التجارة الداخلية ، لينتهي بأن تسلم الدولة سراويلها لصندوق النقد الدولي كمنظمة تشرف علي ادارة الفوائض النقدية في بلاد الاطراف بما يخدم النمو في بلاد المركز ، منظمة مهمتها تعميق تبعية العالم الثالث لمراكز الرأسمال الامبريالي ؟

ان من يريد المنافسة سوف يؤسس منافذ ثابتة للتجارة في كل شئ ، ان لم يتجاسر علي تأميم التجارة . سوف يدعم ما تبقي من مصانع الدولة كمصنع قها للمنتجات الغذائية ، بدلا من بيع بسكو مصر . من يريد المواجهة لن يخسر كل معركة . الدولة مررت كل زيادة في الاسعار علي كل سلعة ، لازالت تسير في طريق التطبيع  الذي يعد خطا احمر تجاوزته الدولة المصرية تجاوزا يظل بلا رجعة طالما انها دولة البرجوازية و يحتاج لمقالات عدة سرد تجارب تاريخية لدول استطاعت النفاذ من خلال الطوق الامبريالي ومواجهة برجوازيتها المحلية ، دول استولت شعوبها علي سلطتها بتنويعات عديدة . ان الحجة القائلة بأن السلطة راغبة في المواجهة لكنها غير قادرة ثبت زيفها . قرض الصندوق والخطاب السائد يفضح ويسقط كل تلك الادعاءات . التوقيع مع الصندوق هو انتحار ، هو حد فاصل بين الوطنيية والخيانة ومن هو وطني حقا سوف يختار ان يموت مقاتلا ضد التبعية وادواتها و من فرضوها علي أن يوقع صكوك الاستسلام . السلطة هي سلطة الرأسمالية حتي في ظل المجموعات المختلفة بداخلها . ليس الخلاف علي رفض التبعية من عدمه ، الخلاف هو الحصص ، ومعدلات النهب التي تتناسب طرديا مع تصاعد الغضب الاجتماعي .    

ويبدو الخطاب المصاحب للاجراءات الاجتماعية المعادية للفقراء وقحا كالعادة . يطل علينا رأس الدولة ليعلن بنفس الزيف الذي مارسه السادات ومبارك وطنطاوي ومرسي وكل أعداء الشعب ، أن سبب الأزمة هو الحروب التي أرهقت الاقتصاد ، والموظفين الزائدين عن الحاجة . أي بئر حقير ينهل منه هؤلاء ، أي مدرسة للزيف تربوا فيها ؟ يحدثنا الرجل عن مصر ، الأسرة الكبيرة التي يتعين علي الفقراء ان ينهضوا بأعبائها ، أن يتحملوا . هل يتحمل ابناؤك الجوع يا هذا ؟؟ هل تخرج امرأتك الي السوق كل صباح بملاليم لا تكفي لشراء لوازم وجبة من ثلاث وجبات يحتاجها الفرد ؟؟ هل شعرت يوما بضغط عدم كفاية راتبك للعيش ؟؟ هل مرض احد ابناؤك ولم تستطع شراء دواء له ، ولم تجد مكانا ادميا تعالجه فيه ؟ انت وكامل الشريحة الاجتماعية التي تمثلها لا كفرد ؟ هل هذا هو الحسم في مواجهة الفاشية الدينية وتنظيماتها التي تحول الصعيد وكامل الوطن المصري الي مستودع قابل للانفجار الطائفي ؟ ام ان الميوعة من شيم البرجوازيين ؟ بعد ثلاثة اعوام من هبة يونيو ، لم تلق قيادة فاشية جزاءها ، هذا بخلاف تبرئة سلطة مبارك . اظن ان السيناريو الذي سارت عليه البلد منذ 11 فبراير 2011 حتي اليوم هو التبرئة الحقيقية لمبارك وعصابته . فالعصابات تتناوب علي هذا الوطن منذ مايو 1971 . التبرئة التي هي انتهاج نفس الخط السياسي والاجتماعي .

أليس هناك مخرج ؟

مخرجنا بأيدينا ، انشاء منظمة تعي أن لا أمل في البرجوازية المصرية الساقطة تاريخيا . منظمة تحشد الجماهير الشعبية لكسر السلطة ، الظرف الموضوعي حاضر و ينضج باستمرار ، والجماهير لديها من السخط ما يكفي لهدم الكون فوق مستغليه ، لكن الثورة ليست فوضي ، انها فعل يستثمر قوة الفوضي في اعلي اشكال التنظيم لاسقاط نظام واقامة نقيضه . الجهد المهدور للشعب المصري في هبات انتفاضية عدة كان سببه غياب التنظيم الشعبي القائد ، ليصبح البديل هو الجيش او تنظيمات الفاشية الدينية لنظل نراوح نفس المكان بخطر يتعاظم ، خطر حرب اهلية ذات نزعة طائفية ، بعد ان استطاعت التنظيمات الفاشية خلق حالة من الاحتقان الطائفي كتنفيس للأزمة الاجتماعية الحادة الناشئة عن الانقسام الطبقي العميق في صفوف المجتمع المصري .

ان المقاومة تتمثل في نبذ هذا السقط ، واقامة منظمة شعبية تسعي للاستيلاء علي السلطة بدلا من تذيل هذا الطرف البرجوازي او ذاك .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - سؤال
محمد البدري ( 2016 / 8 / 25 - 23:40 )
ما هي الثوابت الوطنية التي أرستها دولة عبدالناصر؟ فالسادات لم ياتي علي طريقة جبريل من حيث لا يدري مستقبليه انما جاء باختيار من عبد الناصر شانه شان جميع الخيارات التي اتخذها منفردا دون استشارة أحد، بل لم يجد في مصر كلها الا السادات. لكن علي اي اساس وقواعد اجتماعية واقتصادية تمكن السادات من القيام بافعاله؟ اليس علي نظام عبد الناصر الذي وجده جاهزا لان يقول كن للفساد فكان، الم يكن آدم ممددا قبل ان يقال له قم؟ الم يكن الفساد ينخر في القطاع العام وفي الجيش والمخابرات طوال عهد عبد الناصر؟ انها يا سيدي تركة واحده يصعب فصلها عن بعضها لانها متجانسة منذ التاسيس لها مع الحركة (المباركة) ليلة 23 يوليو (المجيدة). لكن اكثر ما اعجب له ما يسمي بالثوابت الوطنية التي ارساها قائد الانقلاب المبارك، لقد اضاع الرجل الوطنية المصرية من اجل مشروع عروبي فاشل وكاذب وجعل مصر تابعة للعرب كما كانت تابعة للخلافة قبل سقوطها المبارك في العام 1924. لقد احل الرجل العروبة محل الوطن فما كان من خليفته الا باستعادة الاسلام في دائرة لا مخرج منها الا بشئ واحد يجبن علي اليسار والقوميين العرب الاعتراف به.


2 - احب الجعجعة
هانى شاكرn ( 2016 / 8 / 26 - 18:25 )

احب الجعجعة
__________

الجعجعة من القعقعة .. و الاثنين ازفت من بعض

خلاص مصر يكون بهلاك السيسى و الاخوان و ... الجعجعة

مائة عام ينزل فيها التعداد من 90 مليون ال 15 مليون. ينزل فيها الفساد من 100 بالمائة الى 20 بالمائة ... و فصل الدين - الاسلام - عن الدولة

ماعدا ذلك سراب و تضليل و جعجعة

دى مصيبة سودة يا جدعان

....

اخر الافلام

.. بريطانيا تودع الأمير فيليب.. وبصماته حاضرة في جنازته | #غرفة


.. الدكتور أحمد المشتت: هذه السلاسلة بالكامل هي مزدوجة التحور و


.. المسؤول عن انفجار نطنز معروف الهوية.. لكنه خارج إيران | #غرف




.. كورونا يتفشى.. وقلق من تفاوت توزيع اللقاحات بين الدول الغنية


.. العائلة المالكة تودع الأمير فيليب