الحوار المتمدن - موبايل


المهنة جلاد

خيري حمدان

2016 / 9 / 2
الادب والفن


المهنة – جلاد
ألِك بوبوف

روائع الأدب العالمي
المهنة – جلاد

كنت على وشك التهام الصحيفة مع فنجان قهوتي، لكنّي قررت أن أمعن في قراءة الإعلانات لرغبتي بالتأخّر عن العمل ذاك الصباح. وقع بصري فجأة على إعلان غريب: "قطع رؤوس" وبجواره رقم هاتف جوّال. الإعلان كان منشورًا في قسم "الخدمات". لا يبدو مختلفًا عن العناوين الأخرى مثل "تركيب الشبكات"، "جلي البلاط دون غبار"، "أعمال حفر" وما شابه. ما طبيعة هذا الإعلان الغريب؟ أصابني العجب. لا بدّ أنّ الأمر مجرّد مزحة أم أنّ هناك خطأ مطبعي. مضيت في مطالعة الصحيفة، لكنّ بذرة القلق كانت قد نمت في ذاتي، لم أعد قادرًا على التركيز أكثر من ذلك. الكلمات تتدحرج أمامي بلا معنى. "قطع رؤوس". اشتدّ بي الفضول. وقفت وأخذت أسير جيئة وذهابًا في الغرفة. كنت على يقين بأنّي سأنشغل بالأمر طوال الأسبوع إذا لم أتصل بصاحب الإعلان.
- ألو؟ نبرات صوتي توحي بالرعب. أتصل بشأن الإعلان. قلت دون حماس.
- نعم، تفضّل. قال الرجل بحيوية على الطرف الآخر.
- آه، قلت بتردّد. ما الذي تقومون به تحديدًا؟
- قطع الرؤوس! قالها بلهجة رزينة. أعتقد أنّ الإعلان واضحٌ للغاية.
- رؤوس، أيّة رؤوس بالتحديد؟
- رؤوس المهتمين بالإعلان فقط.
- هل هذه مزحة؟ أجبت على الفور.
انقطع الخطّ. أغلق الرجل سماعة الهاتف. "لا شكّ أنّه غاضب، يا له من لعين!" كنت مستثارًا إلى أبعد الحدود بالطبع، ليس بسبب الفضول الذي ألمّ بي فقط. شعرت أنّ ريحًا غريبة قد عصفت بي مشعلة النيران في دمائي كأنّها زيوت نمور طبية. رفعت السماعة مجدّدًا.
- نعم. أجاب الصوت إياه.
بعد لحظات من التردّد والاعتذار خوفًا أن يغلق السماعة ثانية قلت.
- بودّي أن أعرف كيف تقومون بذلك؟ أبديت اهتمامًا حذرًا بالموضوع.
- الأمر في منتهى البساطة. تملأ بيانًا، نتّفق على موعد وننفّذ. كلفة العملية خمسون دولارًا. تملّكت نفسي بصعوبة وكدت أنفجر ضحكًا، استمرّ الصمت بيننا لقرابة الدقيقة.
- إذًا علينا أن نلتقي قبل ذلك؟ سألت بصوت خفيض.
- نعم، هذا ضروري، لكنّي اليوم مشغولا. اتفقنا على أن نلتقي في اليوم التالي، في الساعة الخامسة بعد الظهر. لم تكن لديّ رغبة أن أنفرد مع مثل هذا الصنف من الرجال. عرضت عليه اللقاء في مقهى فيينا المتواجد بالقرب من النصب الروسي. لم يعارض. سألته كيف سيتعرّف أحدنا على الآخر.
- لا تقلق، سأميّزك بسهولة. كان صوته يوحي بالثقة. في المساء أخبرت زوجتي بما حدث، وكنت قد وضعت دائرة حمراء حول إعلان الصحيفة "كلام فارغ"، صاحت زوجتي. كانت مرهقة ويصعب أن يلفت نظرها حدث أو خبر مشابه. اعترفت لها بأنّي قد هاتفت المعني على الرقم المكتوب.
- ماذا؟ قالت زوجتي بدهشة. أخبرتها على عجل بمجمل حديثنا.
- أنت إذن ترغب بقطع رأسك؟ سألتي زوجتي بصوت حادّ.
- لا أبدًا. أجبت على الفور.
- لماذا اتصلت بهم إذن؟
- وجدت القضية ممتعة وتستحقّ المتابعة والتحقيق. قلت متلعثمًا.
في اليوم التالي وفي تمام الساعة الخامسة سارعت بالحضور إلى المقهى. الريح في الخارج شديدة البرودة، لكنّ المكيّف في الداخل رفع درجات حرارة المكان. وضعت معطفي جانبًا ونظرت في أنحاء المقهى لأشاهد رجلا يلوّح لي بيده في عمق المقهى.
- مرحبًا، اقترب الغريب منّي ومدّ يده مصافحًا معرّفًا بنفسه - كورت. كان قصير القامة للغاية، عريض المنكبين. وجهه أسمر، وجنتيه بارزتان ورأسه كبير، يده ضخمة وصلبة كالعظام. يرتدي سترة جلدية وبالقرب من قدميه علبة طويلة قد يكون وضع فيها سكسفون أو مزمار. جلسنا وكان يشرب حليبًا ورديّ اللون من مصّاصة امتدّت في كأس طويل. عيناه اللامعتان السوداوتان المتفحّمتان لم تتوقّفا عن تفحّصي بدقّة وعناية.
- إذن أنت الجلاد. حاولت أن أبدو طبيعيًا دون تصنّع، أعتقد أنّك أجنبي؟
- لا، قال بغموض:- لكنّي أعيش في بلغاريا منذ خمس سنوات.
- وكيف تسير الأمور؟ هل أنت موفّق في عملك؟
- أوه..نعم. لا مجال للشكوى. أخرج ورقة صغيرة الحجم ومدّها نحوي. البيان لو سمحت. كان النص مطبوعًا على آلة طباعة قديمة وبأحرف كبيرة: أنا الموقع أدناه...، الرقم الوطني...، العنوان...، أقرّ بأنّي أرغب طوعًا بقطع رأسي، وأعلن بأنّي قد اتّخذت قراري بكامل وعيي وإرادتي دون ممارسة أيّة ضغوط أجنبية تجاهي. أصادق على هذا الإقرار مدركًا التبعات التي ستترتب على العملية المذكورة "قطع الرأس عن الجسد بضربة واحدة وحيدة". التوقيع، التاريخ.
نظرت إليه بذهول.
- هل تملك الصلاحية للقيام بذلك؟
- طبعًا. هزّ رأسه موافقًا. ثمّ مدّ لي تصريح عمل يحمل الرقم 1645789 K صادر من بلد الوليد في إسبانيا، مركز مؤسسة الجلادين العالمي. الصورة الملصقة على التصريح تتطابق مع ملامح الرجل، ما تبقّى من النصّ كتب بخطّ قوطي لم أفهم منه شيئًا.
- ساري المفعول والصلاحية في كافّة أراضي القارة الأوروبية. أكّد كورت لي ذلك.
- وكيف ستتم العملية على وجه التحديد؟ أقصد فصل الرأس. بلعت ريقي بصعوبة. انحنى الجلاد نحو العلبة التي يحملها، نظرت إلى داخلها بحذر، وفي داخلها شاهدت ساطورًا ثقيلا حادًّا. ارتجف فكّي، ولم أتمكن من الردّ سوى بكلمة واحدة.
- متى؟ تصفّح الرجل دفتره وقال.
- الخميس في تمام الحادية عشرة والنصف، موافق؟ بات الأمرُ بالنسبة لي سيان. ملأت البيانات المطلوبة ثمّ أمسك كورت محرمة ورقية وخطّ عليها العنوان الذي يجب أن أتواجد فيه في الموعد المحدّد. تجرّع بعد ذلك الحليب الوردي من كأسه دفعة واحدة بصوت عالٍ.
- إلى اللقاء قريبًا، ربّت على كتفي ومضى في سبيله. أصيبت زوجتي بالحيرة والدهشة ما أن عرفت بتفاصيل ما حدث. ثمّ استعاد وجهُها وضعيته اللامبالاة الزجاجية. صبّت كأسًا من الحليب وقضمت حبّة التفاح.
- إذن قرّرت بجدّ أن تفعل ذلك؟
- لا، هذا هراء. أردت فقط أن أتأكّد..ألا ترين أنّ علينا إبلاغ الشرطة؟
- مم، لماذا؟ رفعت حاجبيها بعجب.
- كيف يمكن ترك الأمور على علاتها؟ شخصٌ ما يتجوّل ببساطة في الأنحاء، حاملا معه ساطورًا ويعرض خدماته بقطع الرؤوس مقابل 50 دولار. هل تجدين الأمر طبيعيًا؟
- لكنّك وقّعت على البيان. ذكّرتني زوجتي بذلك. أنت من بحث عن هذا الرجل. برأيك من هو المعتوه والأكثر جنونًا بينكما؟
عليّ أن أعترف أنّ كلماتها تحتوي على الكثير من المنطق. كان من الممكن أن يهزأوا منّي في قسم الشرطة، ومع هذا لم تكن لديّ رغبة بأنّ أتراجع وأرفض المضيّ حتّى النهاية. كنت مصرًّا على كشف كافّة الملابسات في هذه القضية! طلبت منها أن تحضر معي يوم الخميس، لكنّها رفضت بصورة قاطعة. قالت بأّنّها لا تشتكي من مشاكل في رأسها، يعجبها رأسها في وضعيته ومكانه الأنيق. شعرت بنبرة السخرية في نبرات صوتها لكنّي أصرّيت على حضورها معي.
- حسنًا، كما تشاء. أخيرًا وافقت على طلبي. لن أقف حجر عثرة في وجه رغباتك.

كنت مضطربًا خلال الأيام التالية. أسير دون هدف في الشوارع وأتنهّد بحرقة، ألامس رقبتي كأنّي أستعدّ للخلاص من رأسي. احترت، كيف يشعر المرء في مثل هذه اللحظات؟ تذكّرت كيف وصف لي أحدهم شخصًا قطعوا رأسه، ليتناوله تحت إبطه ويهرب. بحثت في الإنترنت لكنّي لم أجد ما يثبت صحّة هذه الحادثة، كلّ ما عثرت عليه مجرّد صور لرؤوس قطعت بالمقصلة الشهيرة.
حضرت عربة الأجرة لنقلنا إلى العنوان المطلوب بعد الحادية عشرة بقليل. النهار مشمش، لم تنبس زوجتي طوال اليوم بكلمة واحدة. طعم قهوة الصباح ما يزال مرًّا في فمي، لم أتناول طعامًا منذ الأمس. شعرت بالغباء. غادرنا العربة في حيّ "الدرفنيتسا" بالقرب من مدينة الطلاب. إلى اليمين شاهدت محل لتصليح السيارات. مررنا بجوار جبل من دواليب السيارات ومضينا في طريق سوداء طينية ضيّقة. اتّسخ حذاء زوجتي وأخذت تشتم وتشتكي. أخيرًا وجدنا أنفسنا أمام باب مسيّج وعليه علّقت يافطة كتب عليها بالبنط العريض "قِفْ".
- هذا هو العنوان.
- يبدو المكان مغلقًا. ردّت زوجتي. في تلك اللحظة حاول كلب هائج ينبح بكلّ ما أوتي من قوة أن يقفز من فوق السياج. كنّا على وشك المغادرة والعودة، حين خرج كورت من مكانٍ ما لكز الكلب وفتح الباب أمامنا. اعتذرت لحضوري مع زوجتي دون إعلامه بذلك مسبقًا. لوّح بيده دون اكتراث ودلفنا إلى داخل الكوخ في عمق الحديقة.
- أرجو منك قبل ذلك أن تدلي بتصريح قصير. قال كورت.
كنّا نقف في وسط غرفة خالية من الأثاث، أرضها إسمنتية وفي منتصفها جذع خشبي ملطّخ بدم متخثّر. وفي الجوار رجل مسنّ هزيل يرتدي مريولا أزرق مرتكزًا على ساطور عظيم. قدّمه كورت لنا بصفته مساعد، أمّا زوجتي فبقيت واقفة خلفنا مخفية يديها في جيبي معطفها حتى الرسغين. وعلى الطاولة جهاز تسجيل شغّله كورت وقال:
- عليّ أن أوثّق هذه العملية. أرجو أن تجيب باختصار، لماذا تريد قطع رأسك"؟
- آه، في الواقع انا لا أرغب بذلك. أجبت بتردّد. كان القرص القديم يدور في باطن الجهاز بصعوبة مصدرًا صريرًا مزعجًا.
- هكذا إذًا، ما الذي تفعله هنا ما دمت لا تريد ذلك؟ قال كورت مندهشًا.
- أردت أن أتأكد من جدّية المشروع. حاولت بلساني ترطيب شفتي الجافّتين. أضفت قائلا:- ساورني الشكّ أنّ أمرًا مثل هذا قابل للتنفيذ.
- والآن، هل اقتنعت بجدية المشروع؟
- نعم، طبعًا اقتنعت. أجبت بجرأة. بالتأكيد سأدفع لك المبلغ المطلوب – 50 دولارًا، لا تقلق بهذا الشأن. وأخذت أبحث في جيبي عن المال.
- إضافة للغرامة. أضاف كورت بسخط. 5000 دولار.
- ماذااا؟ أجبت مصعوقًا. ألم نتفق على دفع 50 دولارًا فقط!
- كلفة هذه الخدمة أكثر من ذلك بكثير، ابتسم الرجل بتواضع. أخذًا بالاعتبار قلّة المنشغلين بتنفيذ هذا النمط من المهام، قرّر صندوق الدعم الأوروبي تمويلها لحماية المهن التقليدية الآيلة للاندثار. وإلا أصبحنا عاطلين عن العمل يا رجل. للأسف يقدّم الدعم المالي مقابل تنفيذ المهمّة، لكنّ الزبون يتحمّل الفارق من جيبه حال رفضه..
- لكن هذا غير معقول! صحت معترضًا.
- هذه هي قواعد اللعبة ولا يمكننا تجاوز القوانين. أعتقد أنّ زوجتك قادرة على إحضار المبلغ المطلوب حتى المساء، وإلا فإنّي سأجد نفسي مضطرًا لتنفيذ المهمّة.
التفتّ فرأيت وجه زوجتي المغتمّ وقد اختلفت معالمه من شدّة الغضب.
- أرأيت النتيجة يا غبيّ! صاحت بي زوجتي. لا يمكنك إنجاز أمرًا ما بحذق مهما كان بسيطًا! يا لك من بائس، تستحقّ حقًا أن يقطعوا رأسك! ثمّ غادرت المكان على عجل.
أحضر المساعد ثلاثة كراسي. أوقف كورت جهاز التسجيل. وجلسنا حول الجذع الخشبي ننتظر.

ترجمة وتقديم: خيري حمدان
ولد ألِك بوبوف في صوفيا عام 1966، صدرت له المجموعات القصصية التالية: "الموت الآخر"، "أحلام قذرة"، "لعبة السحرة"، "الطريق إلى سرقوسة". صدرت له الروايات التالية: "المهمة لندن - 2001" حوّلت إلى فيلم سينمائي ناجح، "ميثولوجيا المرحلة الإنتقالية" وغيرها. حائز على جوائز وطنية عديدة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أول مرة من أوضة العمليات?.. عشنا مع الفنانة الكويتية هند الب


.. الكوميدي اللبناني چاد بو كرم في مواقف طريفة مع أمل طالب في ا


.. Go Live - الممثل علي منيمنة




.. Go Live - الممثل علي منيمنة


.. صباح العربية | استمع إلى موسيقى من آلات إثنية ونادرة