الحوار المتمدن - موبايل


الرجل ذو الأسماء الكثيرة

خيري حمدان

2016 / 9 / 27
الادب والفن


الرجل ذو الأسماء الكثيرة
غيورغي غوسبودينوف
ترجمة وتقديم: خيري حمدان

الخطوات العابثة وحدها الرابحة – غاوستين
لم يكن هناك أحد في المدينة يعرف كيف ومن أين ظهر، وما اسمه الحقيقي! يختار الرجل الاسم المناسب لكلّ عمل يقوم به. وها قد انقضى عشرون عامًا منذ وصوله إلى هنا. البعض يؤكّدون أنّه في بداية المطاف وحين كان سويًا أكثر من حالته في الوقت الراهن، أفاد إنّ اسمه الحقيقيّ غاوستين. لكنّ غاوستين هذا لا يعني شيئًا لأهالي المدينة، لذا أقدموا على استبدال اسمه بآخر، "غوشو" - غوشو مركز المدينة، لكثرة تواجده في مركز المدينة، واعتبر أحد مجانين المدينة اللطيفين والهادئين، وغالبًا ما كان يشاهد أمثاله في كلّ مدينة آنذاك. انتشرت شائعات تفيد إنّ الرجلَ مصابٌ بلوثة لكثرة قراءته في مرحلة الشباب (هذا سبب كافٍ للجميع لتأكيد جنونه)، ويعرف اليونانية واللاتينية ويُقال كذلك بأنّه قد تمكّن من قراءة كلّ ما كتب بتلك اللغتين، الإشاعة على أيّة حال ساعدت الكثيرين لتفسير قدراته المتميزة وصحّته الجيّدة.

غاوستين أو غوشو مركز المدينة يحبّ التنزّه ليس فقط في الساحة ولكن في السوق أيضًا (هو نفسه أطلق على السوق اسم المجمّع) ويحبّ التفلسف في كافّة القضايا والمسائل، وكان من الممكن رؤية الكثير من الجماعات المتحلّقة في حضرته، يستمتعون بمعاشرته مستمعين لحكاياته. أهل المدينة يحبّونه ويقدّمون له الطعام وهو بدوره يدفع الثمن بمزيد من الحكايا وسرد الأخبار، كان هذا مصدر رزقه ولم يخشَ يومًا من الجوع. منذ وقت قريب والأهالي يتذكّرون حكايته عن الذبابة والدودة، اللتان كانتا في الواقع ملاكي الخلود السماويين وحالات التحوّل الأبدية، لأنّ جهديهما المضني يتمثل بإعادة كلّ جيفة فانية إلى أديم الأرض. تعملان على تحليل المواد العضوية لمكوّناتها غير العضوية ومن المعروف أنّ كلّ ما هو غير عضوي خالد.

يتذكرون أيضًا تلك الندوة التي تحدّث فيها عن الزهرة التي نمت ليس مصادفة دون قامة الإنسان، كي يتمكّن الأخير بشمّ رائحتها الزكية حين يرغب منحنيًا لها تكريمًا واحترامًا. أتعرفون لمن ينحني الإنسان أيضًا حين يفعل ذلك أمام الزهرة؟ وإذا سارع أحدهم بالردّ "للزهرة طبعًا"، عندها يضيف قائلا "وهل ينحني لهذه الزهرة فقط أم لكلّ الزهرات في الحديقة، وقد ينحني لزهرة مثالية بحدّ ذاتها تتواجد في مكان ما!". عندما يجدون أنفسهم في حيرة أمامه سيعترف هو أيضًا بعدم معرفته للإجابة الدقيقة وضرورة البحث عنها بجدّ مطوّلا. ويضيف، "يمكن القول أيضًا بأنّك حين تنحني لشمّ زهرة، تنحني إكرامًا للمزارع الذي اعتنى بها".

هكذا كان يتحدث والعدم رفيقه، من سيرة زهرة عابرة يقودك حيث يشاء في سبل التحليل. لذا لم يبذل الكثيرون جهدهم للاستماع إليه باهتمام وتركيز، ولم يفهموا كلّ ما يقول، لكنّهم يدركون بأنّ ما يقوله ليس هذرًا على الإطلاق.
يسألونه هل حقًا اسمك غاوستين؟ ويجيب: أحيانًا، وفي أيام التسوّق يكون اسمه سقراط. سيشرح عن طيب خاطر كيف أنّ أحدهم يمكن أن يحمل اسم "كراتيل" أكّد إنّ الأسماء صحيحة وفقًا للطبيعة، لكنّ كراتيل هذا يجهل إنّ الطبيعة متقلبة، وحسب الطبيعات الكثيرة، يمكن لشيء واحد أن يحمل تسميات عديدة، والعلاقة مرتبطة، لا يمكن لأحد أن يتذكّر وينطق كلماته بدقّة.

أحيانًا يجلس غاوستين، "غوشو مركز المدينة" أو سقراط على الرصيف أمام مدخل أحد المباني، يتناول من جبيه دفترًا متجعّدًا وقلم حبرٍ نتَفَ طرفه حتّى ازرقّ لسانه ليبصقه بعد ذلك. يكتب شيئًا في الدفتر، وإذا ما سأله أحدٌ ما في الوقت نفسه "ماذا تكتب الآن يا سقراط؟"، سيجيب دون أن يرفع رأسه: "عندما أكتب لا أعود سقراط، أصبح أفلاطون".

هذه هي أنماط أحاديثه، التي كان من خلالها يقدّم معلومات جمّة للمواطنين، فأفلاطون بالنسبة إليهم أمرٌ غامضٌ وغير مفهوم والمثقّفون يربطون اسمه بالحبّ العذري فقط، الأمر الذي يرفضونه جملة وتفصيلا.

إذا صادفه أحدٌ يومًا يصطاد السمك متفكّرًا في مياه نهر تونجا الكسولة، وسأله على سبيل المثال: - يا غاوستين، غوشو، سقراط أو أفلاطون، هل نلت نصيبك من السمك؟". عندها يجيب بهدء، "حين أكون بمحاذاة النهر لا يمكن لاسمي أن يكون سوى هيروقليطس". وكان سيضيف أيضًا "لا يمكن لأحد أن يصطاد سمكتين في نهر واحد".

من المؤكّد أن هذا الإنسان يغيّر أسماءه أكثر ممّا يغيّر ملابسه، وكان يرتدي بلوزة واحدة صيفًا وشتاءً ويسير دومًا حافي القدمين. هو محظوظ لأنّ الشتاء قصير في هذه الأنحاء. لحيته ما تزال سوداء تنمو كما يحلو لها، مع أنّ البوليس حلقها لأكثر من مرّة لمخالفتها للذوق العام، لكنّهم تخلّوا عن هذه الممارسات فيما بعد وسلّموا بالأمر الواقع. لا ينام خلال ساعات الليل، بل يواصل مسيرته الطويلة في الساحات، يهبط إلى جسر الحديقة، يسير بمحاذاة النهر وغالبًا ما يلقي محاضراته أمام الضفادع لخواء المرافق العامة من البشر ليلا.

مع اقتراب رأس السنة يتحوّل لبابا نويل (وكاد أن يصبح فيما بعد سانتا كلوز). إدارة المتنزّه تقدّم له البزّة الحمراء ذاتها التي خيطت من لحاف، يعطونه جزمة طويلة ويرشّون لحيته ببعض النخالة، ليسارع الأطفال بالتقاط الصور التذكارية معه. كان بإمكانه أن يرتدي البزّة الجديدة ويحتفظ بالاسم الجديد لبضعة أيام، يبقي خلالها على ابتسامة مشرقة على وجهه وذقنه. راوي هذه الحكاية يفخر أيضًا بالحصول على صورة تذكارية معه، وتلك كانت الصورة الأخيرة التي التقطت معه أثناء أعياد الميلاد. بعد أسبوع وجدوه قد غرق في مياه كانون الثاني لنهر تونجا الباردة. لكنّ هذه حكاية أخرى، وقبل سنوات أخبرني صديق عائلة الدكتور أسيزوف حكاية شارك فيها الرجل ذو الأسماء الكثيرة. أقصّ تاليًا حكاية الدكتور (شارك بنفسه في تلك الحادثة) كما دوّنتها في ذلك المساء.

كنّا قد اجتمعنا في الأول من شهر كانون الثاني مساءً عند هوميروس كي نصحو من سُكرنا. هوميروس يمتلك مرآب أسماه "إلياذا"، وعلى مدخله درع آخيل القديم مطليًا بالزنك - أحد أملاك المسرح، يشبه غطاء برميل لغلي الفواكه أكثر منه درعًا ولكنّ هذه حكاية أخرى. هوميروس صاحب ذوق فني ومن هنا جاءت التسمية. تأخّر الوقتُ بنا وبقينا ثلاثة أشخاص فقط في المرآب، أنا وهوميروس وأحد الأصدقاء، يعمل محرّرًا في صحيفة محلية ساخرة هو بحدّ ذاته يبدو دائمًا ساخرًا للغاية. نحتسي القليل ونتسامر، كنت قد بدأت أقصّ حكاية حين دخل علينا سقراط. كانت رغبته أن يكون سقراط في ذلك المساء وناديناه كما يحلو له. دعوناه على الفور لينظم للمائدة وطلبنا له كأس نبيذ أحمر، قدّمنا له شوكة واقترح هو أن نشكّل ندوة ما دمنا قد اجتمعنا أربعتنا. حاول هوميروس أن يعترض، وكان يكره الشيوعيين والمؤتمرات والندوات، لكنّ سقراط أوضح بأنّ كلمة ندوة “Symposium” هي من أصول يونانية ويمكن أن تعني أيضًا احتساء الشراب ومداولة الحديث لمجموعة من الأشخاص، ويمكن أن تعني كذلك وليمة. وافقناه على أن تبدأ الوليمة فورًا. ثمّ استحدث سقراط لكلّ منّا اسمًا، "أنت اركسيماك" موجّهًا حديثه لي. من هو اركسيماك هذا يا سقراط؟ سألت بدوري. "طبيب مثلك" أجاب باختصار. ثمّ منح صديقي الساخر اسم أرسطو وكان يليق به حقيقة، أمّا لهوميروس صاحب المرآب فقدم له اسمًا مجهولًا تمامًا – أغاتون، اسم أحد المضيفين في بلاتون.

كنت قد بدأت أقصّ حكاية في مرحلة صباي عند مجيء سقراط وقرّرنا أن أكملها، ثمّ يقصّ كلّ منّا حكاية ما لأوّل حادث مؤذٍ تعرّض له أو قصّة ذاتية أخرى، كما دعا لذلك سقراط. حذّرتهم بأنّ حكايتي مقرفة ولا تتناسب مع المأدبة، لكنّهم أصرّوا على سماعها حتّى النهاية، ومضيت في حديثي:
- كم كرهت مخلّل الخيار حين كنتُ طفلا، ذلك لأنّ والدي يطلب منّي عادة أن أذهب للقبو لإحضار عبوات كبيرة من مخلّل الخيار كلّما قدم إلى بيتنا ضيوف، أنا وحدي أدرك حجم الخوف الذي كان يعتريني في كلّ مرّة أهبط خلالها إلى القبو!
في ذلك اليوم تلقّت عائلتي دعوة لتناول العشاء مع شخصيات هامّة من كبار الحزبيين والمتنفذّين في المدينة. أذكر يومها إنّ عائلتي بدأت بالتحضير لحفل العشاء منذ ساعات الظهر. استبدلت أمّي ثلاثة أثواب، حتى تمكّنت من اختيار الأكثر مناسبة للعقد الذي وضعته خصّيصًا لهذه المناسبة، أمّا والدي فجرح وجهه خلال الحلاقة في مكان تحت الأنف مباشرة وشتم مطوّلا في الحمام. ألبسوني بدلة أنيقة كنت أرتديها خلال الحفلات الموسيقية والأعياد في المدرسة. كدنا نتأخر لكنّنا وصلنا أخيرًا، ضغطنا على جرس الباب، واستمعنا لنصف لحن أغنية "كاتيوشا" قبل أن ندخل. لن أشرح تفاصيل الأجواء الداخلية وتوصيف أرائك الجلد الفاخرة الكبيرة. شعرت بأنّ أهلي قلقون أيضًا، لكنّي سرعان ما تناسيت كلّ هذا حين رأيت الابنة. يا لها من شقراء، أوشكت أن أقول مخلوقًا أشقرَ وعدا عن هذا وذاك اسمها زينائيدا. حظينا بمكانٍ بين كبار القومِ المتواجدين، قدّموا لنا في نهاية المائدة صحنًا من الخيار المخلّل وعصير الكرز وطلبت أم زينكا "اسم الدلال لزينائيدا" أن نستمتع بالرفقة لتقارب عُمْرينا. كنت خجلا للغاية ولم أتفوّه بكلمة واحدة وانشغلت بالتهام مخلّل الخيار كمبرّر لتمرّدي وعنادي. أعرف بالطبع ضرورة تجنّب الحديث خلال تناول الطعام، لم أشعر بالطبع بطعم المخلّل الذي سئمته وفي فترة قصيرة من الزمن التهمت كلّ محتويات الصحن أمامي. سألوني إذا رغبتُ بمزيد من المخلّل، هززت رأسي علامة الموافقة ولا أدري كيف أتيتُ على محتويات الصحن الثاني تبعه ثالث. شعرت بنظرات زينكا المندهشة من قدراتي الفائقة، والدي نظر إليّ لأكثر من مرّة مستفهمًا، أمّي نوهّت بأنّي لم أغرم بالخيار المخلّل هكذا من قبل، دون التوصّل إلى نتيجة في نهاية المطاف. شعرت بالارتياح حين عرضت والدتها علينا أن نذهب لنلعب في غرفة الأطفال. لم أعارض هذه المرّة وما أن أغلقنا باب الغرفة حتّى شعرت بألم حاذّ في معدتي، تمكّنت من الإنطواء على نفسي..والمعذرة منكم خريتُ في لباسي فورًا. نظرت للحظة كالأبله نحو الفتاة المذهولة وهرعت إلى الحمام. أغلقت الباب بالمفتاح، فتحت صنبور الماء وطفقت بالبكاء. بعد قليل حضر أبي وأمي وحاولوا إقناعي بفتح باب دورة المياه. كان من المستحيل أن أوافق على فتح الباب ومواجهة الحضور. رغبت بالموت في تلك اللحظة هناك، أن أغرق جسدي بأكمله في حوض دورة المياه وأفتح شلال الماء فوقي لأغوص في العدم نهائيًا. بعد ساعة ونصف الساعة وافقت على الحديث بحشرجة ووضعت شروطي للموافقة على الخروج. طلبت من الجميع الابتعاد عن الباب وإطفاء الأنوار في كلّ مكان، وحين خيّم الهدوء والصمت من حولي فتحت الباب بنزق وقفزت بخطوات سريعة نحو الباب الخارجي وهرعت إلى العتمة المخيّمة في الحيّ. يا للخجل، أن تخرى أمام أوّل امرأة تقابلها في حياتك؟

ضحك الجميع حتّى أدمعت عيونهم لحكايتي خاصّة سقراط. حلّ دور هوميروس، عفوًا أقصد دور أغاتون ليبدأ حكايته، وسيضيف بأنّه يكتب سرًا - ما يعني كذلك أنّ قرّاءه أكثر من هذا الجمع لو قدّر لنصوصه أن تُنشر في مكان ما. على أيّة حال، هو أصغرنا وكان قد استقال حديثًا، حدّثنا عن احتفال عيد ميلاد أحد التلاميذ في الصفوف الإبتدائية. عندما أكل التلاميذ الساندويتشات والفطائر قرّروا أن يمارسوا لعبة العبوة الزجاجية الفارغة، لعبة جريئة آنذاك واعترف أراغون بأنّ الفضل يعود لتلك اللعبة كي يحظى بالقبلة الأولى في حياته، لكنّها تحوّلت لحادث بل لمأساة في حضرة الجنس الناعم. أطفأوا الأضواء كي يقبّل أغاتون الفتاة، عثر عليها بصعوبة في العتمة وتمكّن من تقبيل وجنتها. غرق المتواجدون في الضحك حين أناروا المكان، لأنّ آثار مسحوق الطماطم على شفتيّ أغاتون قد انطبعت على وجنة الفتاة، هذه التجربة أجبرت صاحبنا أن يحذر القبل طوال السنوات الثماني التالية. استحسنّا حكاية أغاتون ودعونا أرسطو ليبدأ حكايته. حسب ما أذكر حكى لنا على ما يبدو ما يشبه النكتة، لكنّ أرسطو أقسم إنّ القصّة حقيقية حتّى وإن بدت نكتة بل ويفخر لأنّها بدت نكتة ظريفة. باختصار، تعود القصّة إلى الزمن الذي عمل فيه أرسطو كطاهٍ في أحد المطاعم التابعة لفندق لعدّة سنوات. في إحدى الأمسيات ارتاد المطعم مواطن وقح من صوفيا، نادى الطاهي ليعرف ما يمكن تحضيره من الطعام، أجاب أرسطو مفاخرًا بقدرته على تحضير أيّة وجبة تخطر على بال ضيف المطعم، عندها طلب الرجل عين إبل مقلية بالبصل. تفكّر أرسطو قليلا وأجاب "بعد ساعتين ستحصل على طلبك". وعد الضيف بمنحه مئة ليفا إذا تمكّن من تقديم الطبق المطلوب خلال ساعتين وإذا فشل فعليه أن يعتذر للضيف طوال المساء أمام ميكروفون فرقة المطعم الموسيقية. تشارط الطرفان وغادر الضيف للتنزّه في المدينة حتّى يحين الوقت، وحين عاد بعد ساعة من الزمن وجد الزبون لدهشته ناقة تلتهم زهر البنفسج أمام الفندق وعينها مغطّاة بقطعة قماش. دخل إلى المطعم محزونًا وأخرج الورقة المالية من جيبه، لكنّ أرسطو عاجله طالبًا منه أن يعيد ماله، لأنّه وجد الناقة لكن الحيّ يعاني في تلك الأوقات من أزمة بصل، وأوضح بأنّه قد تعذّر عليه العثور على رأس بصل واحد.
"خسرت مئة ليفا لأنّي عجزت عن العثور على رأس بصل واحد" قال أرسطو، وكان عليه أن يعتذر للزبون رسميًا أمام ميكرفون الفرقة الموسيقية، جيّد أنّني لم أفقأ عين ناقة فرقة السيرك الذي كان يزور المدينة في الأثناء، وضعت العصابة على عينها لأفقد الرجل رشده ولم تكن لديّ نوايا سوى ذلك.

كانت تلك حكاية أرسطو وأنا مصرٌّ حتّى اللحظة أنّها من نسج خياله. أخيرًا جاء دور سقراط ليقصّ علينا حكايته، صمت في البداية لبضعة دقائق وحين توقّعنا أن يبدأ حكايته طفق بالبكاء كطفلٍ صغير، سالت الدموع من عينيه واحترنا ما نفعل حيال ذلك. هدأ بعد قليل، مسح دمعه بكمّ ردائه وقال بأنّه لا يمتلك حكاية شخصية واحدة، قال بإنّه قادر على أن يقصّ علينا كلّ الحكايا التي وردت في الكتب التي قرأها، أن يناقش معنا أبعاد القصص التي استمع إليها للتوّ، لكن مهما بحث في ذاكرته لن يتمكّن من استهلال قصة ذاتية واحدة. قصصنا الشخصية هي الخطوة الوحيدة القادرة على تأجيل النهاية المحتومة لوقت قصير، ورغم أنّنا خاسرون للعبة من الناحية الإستراتيجية، تساهم خطواتنا العبثية لقصصنا الذاتية على تأجيل لحظة النهاية، حتّى وإن كانت القصص كوارثية ومأساوية، قال سقراط مبتسمًا وكانت عيناه مبتلّة بالدموع، ولم نكن نعرف وقتها بأنّ لقاءنا معه هو الأخير.
تلك كانت حكاية الندوة المثيرة التي أخبرنا بها الدكتور. بعد أيام من تلك الحادثة كنّا سنجد الرجل ذا الأسماء الكثيرة غريقًا في النهر. جسده متعلّقٌ بالأعشاب الغزيرة بالقرب من جسر الحديقة. يُقال بأنّه وخلال تنقلاته ونزهاته الليلية الطويلة قد أصبح رغمًا عنه شاهدًا على عملية قتل أو سطو وقد كثر هذا النمط من العمليات الإجرامية مؤخّرًا في أنحاء المدينة. وربّما ببساطة، حاول القيام بخطوة استباقية لاصطياد السمك برفقة هرقليطس في إحدى تجمّعات نهر تونجا السمائية. في اليوم الثاني على وفاته ظهر نعيه وأعلن فيه عن وفاة غاوستين، غوشو مركز المدينة، سقراط، بلاتون، هرقليطس، بابا نويل وسانتا كروز.



غيورغي غوسبودينوف
ولد الأديب غيورغي غوسبودينوف عام 1968، صدرت له العديد من الدواوين أهمها "رسائل لغاوستين"، "شجرة كرز لأحد الشعوب". شاركت قصائده في العديد من المختارات الأدبية. صدرت روايته "رواية طبيعية" في ستّ نسخ باللغة البلغارية وترجمت لما يزيد على عشر لغات عالمية الفرنسية، الإنجليزية، الإيطالية، الدنماركية، التشيكية وغيرها. تناولت الصحف الصادرة باللغة الإنجليزية “New York Times”, “Guardian”, “Frankfurter Algemaine Zeitung” وغيرها أعماله بالدراسة والتحليل. مجموعاته القصصية مترجمة للعديد من اللغات العالمية. حازت مسرحيته “D.j” على الجائزة الوطنية "إيكار". وله العديد من الأعمال في معظم الأصناف والفروع الأدبية. روايته "فيزياء الحزن" قيد الترجمة للغة العربية، كما ترجمت قصائده للغة العربية. يحمل شهادة الدكتوراة في الأدب البلغاري الحديث من معهد الآداب في أكاديمية العلوم البلغارية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تم اختياركم ممثلاً لمؤسسة قوس قزح
أفنان القاسم ( 2017 / 9 / 18 - 11:18 )
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=572460

اخر الافلام

.. أول مرة من أوضة العمليات?.. عشنا مع الفنانة الكويتية هند الب


.. الكوميدي اللبناني چاد بو كرم في مواقف طريفة مع أمل طالب في ا


.. Go Live - الممثل علي منيمنة




.. Go Live - الممثل علي منيمنة


.. صباح العربية | استمع إلى موسيقى من آلات إثنية ونادرة