الحوار المتمدن - موبايل


أكتوبر المسكوت عنه والوجه الآخر للعبور

راجي مهدي

2016 / 10 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


"تشكك في كل ما هو سائد، ربما تجد الحقيقة"

ما أكثر ما كُتب عن حرب أكتوبر، بحار من الحبر أسيلت، اطنان من الورق كُتبت، بعضها ينطق بالحق وبعضها لا يحمل الا الزيف. سنعود الي موضوع الحق والزيف لاحقا، لكن الأكيد أن ما تقدمه الدولة ووسائل اعلامها، والقوات المسلحة وشئونها المعنوية، والرأسمالية المصرية ومحطاتها الفضائية وكتائب "الكتبة" ممن يسمونهم زورا بالمثقفين، ما يقدمه هؤلاء كلهم عن حرب أكتوبر مثير للدهشة والاحتقار والشفقة في آن واحد. لكن أزمة هؤلاء الحقيقية، أن الحاضر هو بشكل ما امتداد للتاريخ، ولا يمكنه أن يكون سوي ذلك. ليس هذا المنشور اعادة سرد لأحداث الحرب وما ترتب عليها، هو تفنيد لبعض الخرافات التي تم ترسيخها في العقل الجمعي للمصريين.

في 6 اكتوبر 1973، الساعة الثانية ظهرا، انطلقت المقاتلات والقاذفات المصرية الي عمق سيناء تضرب مؤخرة العدو بعنف، تحرث أرض سيناء وتطهرها من الاستعمار الصهيوني، وتنسف استحكامات بارليف التي قالوا أنها غير قابلة للنسف. وفي أعقاب الضربة، عبرت قوات المشاة المصرية قناة السويس، كي تستولي علي الشاطئ وتفتح الثغرات في الساتر الترابي وتحتل رؤوس الكباري تمهيدا لعبور القوات المدرعة. ورفع المقاتلون العلم المصري علي أعلي منطقة في الساتر الترابي، كي يشهد وادي النيل كيف أن تضحية 6 أعوام أثمرت، وكي يشهد العالم ما تستطيع الإرادة المصرية فعله. كانت اللحظات الاولي من العبور مجيدة بشكل لا يوصف، بيد أنها كانت اللحظات الوحيدة الصادقة التي يمكن أن يذكرها التاريخ بلا زيف.

في 24 اكتوبر 1973، تقبل اسرائيل أخيرا وقف إطلاق النار بعد ضغوط سوفيتية وصلت لحد التلويح بالحرب، وتحريك قواته المحمولة جوا لاحتمال التدخل لردع اسرائيل، ما دفع الولايات المتحدة للضغط من أجل ان يتوقف الاسرائيليون عند هذا الحد. وقد كانت الغنائم الإسرائيلية في 24 اكتوبر ذات دلالات يراها الأعمي، القوات الصهيونية في الضفة الغربية للقناة، بعد اختراقهم الخطوط المصرية في منطقة الدفرسوار، فيما يُعرف تاريخيا "بثغرة الدفرسوار" ، حيث وصلت القوات الاسرائيلية علي الضفة الغربية للقناة الي ما يزيد علي 300 دبابة بأطقمها المعاونة، تحاصر وتعزل الجيش الثالث عن قواعده الادارية وتتحكم بتموينه، وتهدد الطريق الرئيسي للعاصمة، تلك التفاصيل يتم انكارها عمدا.

ان هذا التناقض بين بداية ونهاية المعارك الحربية علي جبهة السويس، غير حاضر في الرواية الرسمية للحرب، فالحرب يجري تقديمها علي انها انتصارا كاسحا لنا، لا تشوبه شائبة، لا أحد يجرؤ علي قول أن ما حققه السلاح في بداية الحرب، خانته السياسة في نهايتها. فطمس تلك الحقيقة كان ضروريا لطمس السؤال المحوري: لصالح من تعمل السلطة في مصر؟

ان التفاصيل موجعة بقدر ما هي صادمة، ما بين مشهدي 6 اكتوبر و 24 اكتوبر، قدمت مصر دماءا غزيرة في سعيها نحو الحرية والتحرر من الصهيوني، بعد 6 أعوام تحشد فيها طاقتها، تتقشف لتبني جيشا يسترد ما ضاع، تخرج الي الشوارع لتدفع نحو الحرب سلطة غير راغبة في القتال. لذا كان كل من صنعوا المشهد المزري في الحرب، غير مستعدين لأن يطرحوا علي الناس قصة هزيمة أخري، خيانة أخري. لم يكن من مصلحة السادات و تحالفه الطبقي الجديد أن يعلم المصريين أي شئ عن تفاصيل مثيرة للريبة كاتصالاته السرية بالأمريكان – مصنع سلاح الاسرائيليين أعداءنا – ولا رسالته لكيسنجر في صباح 7 اكتوبر. كيف كان سيفسر وقفته التعبوية المشبوهة في 9 اكتوبر حين كان التقدم ضرورة، وتطوير الهجوم في 13-14 اكتوبر حين كان التوقف امرا حتميا. ان العقل السوي سوف يستنتج سريعا أن هناك مؤامرة، وأن الأمر يتعدي كونه خطأ فنيا، ففي 9 اكتوبر كان السوفييت يصرون علي ضرورة التقدم للمضايق في ظل انشغال الاسرائيليين علي الجبهة السورية وانكسارهم التام علي الجبهة المصرية لكن السادات رفض رفضا قاطعا. في حين أنه عاد في 13-14 اكتوبر يصر علي تطوير الهجوم رغم ما تواجهه القوات المصرية من صعوبات في التمسك بخطوطها والحفاظ علي رؤوس الكباري، ورغم تركيز اسرائيل لقوتها الرئيسية علي الجبهة المصرية، ورغم معارضة قيادة الجيش لما اعتبروه تضحية بالقوات التي ستتقدم لاحتلال المضايق نظرا لخروجها بلا غطاء جوي يحميها من الدفاعات الاسرائيلية، الغطاء الذي لم يكن مطلوبا في 9 اكتوبر نظرا لما ذكرت من انشغال القوات الاسرائيلية علي الجبهة السورية الاكثر قربا من العمق الاسرائيلي. تمسك السادات بتطوير الهجوم، معرضا القوات لمذبحة، وخالقا فجوة غير مؤمنة في منطقة المفصل بين الجيشين الثاني والثالث، حيث كانت تلك من الاساس احدي المناطق الثلاث الضعيفة التي يحتمل ان يقوم العدو بمحاولة اختراقها. البعض يردون ما حدث الي قلة معرفة السادات بشؤون الحرب كونه كان مجرد ضابط في سلاح الاشارة ، لم يتطور لأبعد من ذلك وسنوات خدمته في القوات المسلحة قصيرة كونه قد تم فصله من الجيش علي خلفية اتصاله بالألمان في سنوات الحرب العالمية الثانية. لكن الأكثر واقعية أن السادات كان لديه فكرة، شئ ما يريد تنفيذه، يمكنك استنتاجه من كيفية تعامله مع الثغرة.

في فيلم أيام السادات، يعاملنا ممدوح الليثي كما لو اننا سنظل أطفالا، ننتظر 6 اكتوبر من كل عام كي نشاهد أفلاما من نوعية الرصاصة لا تزال في جيبي وابناء الصمت والعمر لحظة، وتلك الأفلام التي تخاطب خيالنا الناشئ ونحن نشاهد جيشنا مزهوين وهو يعاقب الصهيوني علي فعلته في 5 يوينو 1967، حيث تنتهي الأفلام نفس النهاية تقريبا بمشهد جنودنا يتنزهون في الارض المحررة، وحين كبرنا أدركنا أنه تم الاستخفاف بنا. فشريط من الارض عمقه 9 كيلومترات تم تصويره علي أنه كامل سيناء، أما الثغرة فلا وجود لها علي الإطلاق سوي في سؤال الرئيس المؤمن لقيادة الجيش "هي الثغرة دي حاجة تقلق ؟" فيأتيه الرد "أبدا يا افندم". هكذا تجاهل ممدوح الليثي أن ألوية مدرعة تلاشت من الوجود، وكتائب تمت ابادتها علي أيدي القوات الصهيونية في الدفرسوار. تركز تلك الافلام علي نقطة اساسية، المقاتل المصري الذليل في 1967، والقائد الأعلي المحنك في 1973. عبدالناصر الذي تسبب في ذبح عشرات الالاف من جنودنا، والسادات الداهية وهو يخلص مصر من قبضة الصهيونية قائلا "انا اتخذت القرار يا محمد". لكن تلك الأفلام لم تذكر اشياء كثيرة، ففي 1967، ورغم المجزرة المهزلة التي تعرضنا لها، فإن جنودنا الأبطال قاتلوا قتالا مريرا حيثما تمكنوا من ذلك، حيثما توفرت لهم اسباب القتال بينما فرت القيادة العسكرية، عبدالحكيم عامر ومجموعته التي كانت تدبر مقلبا ساخنا لعبدالناصر. وفي 1973 يجري التأكيد علي دور الداهية الذي استطاع خداع الأمريكان والصهاينة، وقائد الضربة الجوية الذي استخدم طائرات التدريب في العمليات، أما حقيقة أن الطيران المصري لم يشتبك مباشرة مع الطيران الصهيوني في معارك كبيرة سوي معركة المنصورة التي فرضت علينا فرضا في نهاية الحرب، تلك الحقيقة لا يجب أن يذكرها أحد حتي لا يتم الانتقاص من قدر قائد الضربة الجوية. لا تحتوي الروايات الرسمية للحرب سوي أن الولايات المتحدة فتحت جسرا جويا لإمداد الصهاينة بالمعدات، وهو ما دفع السادات لقبول وقف اطلاق النار طبقا لممدوح الليثي، لكن الثابت تاريخيا ان السادات اقترح وقف اطلاق النار منذ الأيام الأولي للحرب التي كان يعتبرها حرب تحريك مواقف لا اكثر ولا اقل.

ان تلك السحب الكثيفة من الزيف لا تدعمها حقائق كثيرة، فبناء علي الموقف الذي فرضته الثغرة، جلس الصهاينة علي طاولة المفاوضات كي يملون شروطا لم يستطيعوا فرضها في يونيو 1967. الثغرة "الغير مقلقة" كانت خنجرا في ظهر المصريين، فالجيش الثالث بكامله في الاسر، من خلفه القوات الاسرائيلية ومن أمامه صحراء سيناء و الطيران الاسرائيلي. كان الصهاينة يدركون انهم اصحاب الكلمة الطولي بدءا من مباحثات الكيلو 101 واتفاقية فض الاشتباك الاولي حيث بكي الجمسي، وانتهاءا بكامب ديفيد، فهل يوقع المنتصر وثائق استسلام كالتي وقعتها السلطة الساداتية؟ وبينما كان استيلاء قواتنا علي المضايق في 9 اكتوبر يمنحنا افضلية مهولة عسكريا وسياسيا، نظرا لكون المضايق منطقة حصينة ضد الهجمات الجوية، وحاكمة لسيناء، وقتها كان وقف اطلاق النار يمنحنا تفوقا اضافيا, وان قررت السلطة التفاوض فمن موقع قوة. لكن الحقيقة ان كامب ديفيد كان يتم التجهيز لها من 15 مايو 1971، فقد أرادت الطبقة الجديدة أن تفكك وضع التحفز في المنطقة، وأن تفكك ركنا حصينا في مشروع عبدالناصر، وهو وحدة الصف العربي في مواجهة الامبريالية، ولماذا نواجه الامبريالية، نحن بحاجة الي أن نحيا في ظل الامبريالية، هكذا كان منطق الطبقة التي استولت علي الحكم في 15 مايو 1971. كان مطلوبا أن يتم الترويج لما تم تحقيقه في الأيام الاولي من الحرب علي أنه وضع نهائي وأن الثأر قد تم والكرامة قد استردت، كان مطلوبا أن يتم تخدير الوعي المصري بنصر زائف، أو قل: نصرا عسكريا قوضته السياسة. وقد تلقي كل من شارك في المسرحية جائزته، انهالت الأموال علي الكمبرادور المصري من كل حدب وصوب، والقيادات التي شاركت في المهزلة تلقت جوائزها ترقيات ومناصب وانخراط في الأعمال المدنية لابد أن تصاحبه حالات ثراء فاحش لتلك القيادات.

وتبدو مشاركة الجيش في معركة التدليس تلك شيئا ملعونا، فالجيش الذي قاتل ببسالة وتمت خيانة تضحياته، يشارك في موكب تمجيد السادات وابراز عبقريته النادرة ووطنيته الأصيلة، وفي ابراز الحرب باعتبارها نصرا لا مثيل له. كانت الرشوة التي تلقتها القيادة للموافقة علي مسيرة الاستسلام غير مسبوقة. وكان الاستسلام غير مسبوقا ايضا وكانت شروطه شديدة الوطأة علي القوات المسلحة، فبعد الاذلال الذي تعرض له الجيش الثالث قبل العسكريون التفاوض، الذي كان يعني جلوسهم علي المائدة للتوقيع علي الشروط كي يتم فك الحصار عن الرجال المعزولين في سيناء. وكان اشد المواقف دلالة هو بكاء الجمسي حين قرأ الارقام الواردة في اتفاقية فض الاشتباك الاولي والتي كانت تعني تصفية العبور عمليا، وقد نال الجمسي ترقيات عدة واصبح وزيرا للدفاع كجزء من الترضية. ولم يتحدث الجيش ابدا عن الغبن الذي تعرض له والزامه بالتسلح من الغرب وتخفيض عدد قواته، وتقييد يديه في سيناء. كل ذلك يختبئ في الظلام الكثيف بينما المشهد السائد هو هالات من المجد تحيط بالرئيس المؤمن وفي خلفيته احمد اسماعيل علي مشير النصر المزعوم ينظر الي صورة عبدالناصر متشفيا بعد أن عزله عبدالناصر مرتين من الخدمة نظرا لقصوره عن اداء مهامه . ويتقدم الرئيس ووزيره فوق جثث شهدائنا كي يصافحا السفاح بيجن واياديهم تقطر دما مصريا خالصا .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بايدن يتطلع لدور الكونغرس لإقرار تشريعات تقيد انتشار الأسلحة


.. الانتهاء من عملية تطوير متحف -محمد محمود خليل- في القاهرة


.. موجز الأخبار - العاشرة مساء 17/04/2021




.. لحظة القبض على القنصل الأوكراني في سان بطرسبورغ


.. إليزابيث الثانية ومملكتها ودعتا الأمير فيليب في جنازة مهيبة