الحوار المتمدن - موبايل


محاكمة جديدة لمفهوم النّسوية

حلا السويدات

2016 / 11 / 8
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


ليس من الجيّد لأنثى في القرن الواحد والعشرين أن تقرأ انتقادات لنساء كُنّ فاعلات في حقبة ما، قريبة أو موغلة في البعد، وأن ترى كم يُكال لهنّ التشييء كما تكال البديهيات إلى مسائلها، وأن تقيّم تجربتهنّ، السياسيّة، أو الفنيّة، أو الأدبيّة، ارتباطًا بالاعتبارات الاجتماعية لمفهوم الأنثى، الجميلة، المدللة، المثيرة، الثاقبة لقلوب الرجال، والتي يلتفون حولها كما يلتفّ العطشى حول النّهر، وكما الرجال حول مارلين مونرو، فهي التي أخرجت آدم من الجنّة وأوقعته في الخطيئة والغواية، واستمرت بإغوائه في الأرض، فلم يقطع آدم ضلعه طالما أنّه يعيش، وصارت حواء مجالاً كبيرًا من مجالات الخطيئة، ترتبط بالغواية.
هذه المرجعية التاريخية والأسطورية في الآن ذاته، تحتّم فرض اتجاهات محددة للنظر في صورة المرأة عندما تتحدث وتفكّر وتبتكر وتقود وتسوس وتغني وتعزف، فلا نقصد بالمرأة الكائن اليومي، والعالميّ والأسطوري والتاريخي والقديم، على وجه الخصوص. وهذا ما يجعلنا نتطرق للنموذج المتمرد، التي أخرجت نفسها من صورة جاهزة وقالب تأويلي معدّ مسبقًا، وفي أغلب الحالات لا يتم نقد هذا القالب، بل إيجاد مبررات كافية للقبول به وتسييره على الجنس الضعيف، للحفاظ على مصلحة سيادة الرجل، وتعزيزها بالنقد السريع والمختزل لتجربة المرأة.
تماما، إنّ ما يجب على كل أنثى انتقاده ودرعه هو جاهزية التقييم، ودحض وجودها ككائن له علاقة مباشرة وغير مباشرة بالوجود، بل وعمليات الإيعاز التي تخاطبها كجسد، عقلها جسدها وجسدها عقلها، الجسد بين العريّ والاحتشام، وعقلها كذلك، ويُنتهكان ويُسفكان لكونهما بين هذين القطبين ليس أكثر، وهذا المدار اجتماعيًا، أما ثقافيًا ومعرفيًا، فمن الغريب أننا ما زلنا نحيل المرأة إلى جانب تفاعلي خاص ومبتكر وشاذ عن التفاعل الإنساني، فسياسةً، لها الكوتة - وهذا في عالم الدول الثالث طبعًا- وثقافيًا هي لم تحقق ما حققت إلا لأنها كانت جميلة، وأخذت الألباب، هذا إن كان لها حظٌّ بين النقّاد، مي زيادة على سبيل المثال، أكيل لها من التهم الكثير ولمشروعها التقليل والتهميش، هل حقا كان جمالها أخّاذًا لدرجة أنّ النقاد العشاق الذين تكالبوا عليها في صالونها الثقافي افتتنوا ووقعوا ضحية هذا الجمال وهذا السحر، هل حقا كان دماثة حضورها وحسن ترحيبها ومنطق كلامها يجعل الجميع – رجالا – ينصتون لها باهتمام كبير ويتغاضون عن (الضعف المخفيّ)، أتساءل حقا لماذا بعد كل هذا الوقت تتعرض مي زيادة لهذا النوع من النقد والتقييم، ربما لأنها جذبت الرجال، أو لأن الرجال انجذبوا لها، ربما لأن جبران أحبها والرافعي راسلها دون جدوى، هل يؤخذ على المرأة لو تهافت عليها الرجال أنّها كانت تمثالا يغوي؟ ما زال الرجل في هذه الحالة يتصيد نفسه في انعكاس كل شيء، وكأنه أساس لتكون المرأة أو لا تكون، لو إعجابه المستميت بذكاء مي، وحسن فطنتها ودرايتها، لما تحققت كينونتها؟ يعني أن مي لولا حضور الأدباء لمجلسها وتفاعلهم معها ونقدهم لها لما تحققت لها هذه المكانة وهذا الذكر؟ لنصدق هذا الكلام علينا أن نقيم تجربة زيادة بشكل مجرد، وننفي عنها كل ما اكتسبته خلال هذه السنين، منها إليها، ثم نذهب في تبرير المكانة غير المستحقة، دون تسرع في الإلصاق وكأن الأنثى فقد وجدت للغواية والتمكّن عبر هذه الغواية. وبطبيعة الحال، علينا أن نعرج أيضا على ولادة بنت المستكفي، تلك الجميلة التي هام بها ابن زيدون، وصالونها الثقافي منقطع النظير، تلك المدللة والغنوج كما أظهرتها سوزان نجم الدين عندما جسدت شخصيتها، والتي تستمتع بتكالب الشعراء عليها بل يموتون في سبيلها، والتي أكثر ما أظهروها تاريخيا مرغوبة، وتبسط خدّها لمن تشتهيه على حسب تعبيرها، فالأنوثة والذكاء لا يجتمعان إلا لغواية الرجل، لن ننقد في هذا المقام التأريخ بوصفه أداه لتشكيل الاعتبارات الاجتماعية والسيادة الذكورية العربية، كما هو في نقل شعر الشاعرات العربيات الذي يدعم الفخر الرجوليّ، بل علينا أن ننطلق من هذا الجانب إلى آخر أهم وأكثر جدوى وهو تمرد الأنثى بوصفها جسد وعقل على كل هذه الصور والتأويلات والتصنيفات وحتى على كونها حدث جزئي من سياق الأحداث أو حتى أنها قلة مسلوبة الحقوق تنتظر من يدافع عنها، هذا الانتقاص الكلي والتاريخي مستفز نوعا ما، بل وجاحد حين تؤخذ المرأة على أكف اللين نظرا لأنها ناقصة القدرة، وتلك الإحاطة الفكرية امتلكتها لأنّ الرجل منحها إياها بطريقة أو بأخرى، وهذه المقالة تقصد الحالة الأنثوية العربية، التي لم تتجاوز فكرة أن تكون المرأة في حكم الأقلية التي لا تأخذ حقوقها بالبديهة، بل بعد تنظير وتقنين ومحاولات تنويرية وتحايلات كثيرة على السلطة والثقافة، يؤسفنا القول أنّ وظيفة المرأة محددة مسبقًا ومعلّبة ومجهزّة، وتُسقط عليها أيما إسقاط، وأنها ليست فردا يختار، ويخضع لعلاقة تشاحنية مباشرة مع الوجود والكون. وعلينا لتجاوز ذلك، أن ندخل الأنثى شعوريا وفعليا ضمن إطار النقد القاسي، وأن نقيّم تجربتها كتجربة إنسانية وأدبية، إما تستحق أو لا تستحق، دون إلحاقها بالاتجاهات النسوية التحررية غير الناضجة وتعزية إنتاجها بانتمائها لعقل ضعيف وعاطفي، كما يحدث في محاكمة الأدب النسوي في عصرنا ونموذجه أحلام مستغانمي، التي انتشرت تعزيات النقد حولها من باب التشجيع والرفق بالقوارير، وكما قيل" تمتلك صورة فنية لطيفة".
وإني لأعجب كيف وصلنا في مجتمعنا إلى هنا، في حين أن ثمة نماذج قد حققت الخروج والانسلاخ الكافي ليجعلها في مرتبة العقل المجرد بعيدا عن النّوع، ولم تكن هيباتيا النموذج الوحيد، الذي علم وابتكر وقاسى نتيجة هذا الابتكار ونتيجة حرية الإرادة الخالصة، بل إذا أعدنا النظر في تجربة سُجاح المتنبية لوجدنا فيها معنى هامًّا من معاني التحرر، فهي كسرت قاعدة الأنبياء الرجال، وامتلكت الرؤيا وحضرت الجيوش لغزو أبي بكر، فكان الصراع أكثر ما يكون دينيا أو ميتافيزيقيًا سياسيًّا كما يفرضه السّياق، فكانت امرأة تسعى كما يسعى الرجال إلى الملك والخلافة والقيادة والخلود، فترقت لمرتبة الإنسان الذي يتعاطى بقوّة مع معنى وجوده، لا أن يكتفي فقط باقتناء الأدوار الجاهزة.
وعلى الصعيد الآخر، كانت شجرة الدرّ، صاحبة تجربة سياسية قصيرة الزمن، بعد أن كانت جارية مُنحت الحرية فالسيادة، لكنها استغنت عنها أخيرا لزوجها، إلا أنها كان لها ما كان من دور تاريخيّ هامّ، وتقييم تجربتها بالفشل هو تقييم إيجابي، ولن نتغنى بمجرد المحاولة للمرأة، حتى لو كانت التجارب التي تخوضها قليلة، في الزمن الماضي، أو الحالي، فوضع المرأة في إطار قاس من التقييم والنقد، ومن ثمّ إخراجها من القوالب الجاهزة، وجعلها ذات فعالية كبيرة على كافة الأصعدة، هو الهدف من المقالة، ونحن نحاول أن لا نخرج المرأة من الصراع الوجودي جرّاء أزمة الأدوار، كما عانت سليفيا بلاث مع ذاتها الحالمة والشاعرة ومع دورها الأمومي، ومما أدى بها إلى الانتحار، ولن نسعى أيضا إلى تقبل نموذج سيمون دي بوفوار التصالحي، لما فيه من إرهاصات نابعة من الفكر الوجودي والتي يصعب تعميمها كحالة مستقلة.
بالتالي، علينا أن نسعى إلى التساوي الحقيقي بين ذات الرجل وذات المرأة، وأن لا نجعل المرأة فقط تصارع للحصول على حقوقها ثم تشعر بالزهو والانتصار. النماذج قليلة، لكن، بالتنوير يمكن أن تصبح كثيرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مظاهرات في عدة دول عربية ضد القصف الإسرئيلي لغزة ودعما للفلس


.. هل ما يحدث بين الفلسطينيين وإسرائيل أولوية للعرب؟ باحث سياسي


.. المبعوث الأميركي يبحث في تل أبيب سبل التوصل للتهدئة




.. مقتل 10 فلسطينيين من عائلة واحدة في غارة على غزة


.. غارات إسرائيلية تستهدف بنوكا تابعة لحركة حماس