الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كيف تسير الرأسمالية؟

جوش ليز

2016 / 11 / 26
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


مالعمل فريق الترجمة

كتب ماركس وانجلز في البيان الشيوعي الشهير: «إن تاريخ كل مجتمع حتى يومنا هذا، ليس سوى تاريخ صراع الطبقات». لقد عبّدا الطريق من خلال الحجة القائلة: بأنه من أجل أن نفهم أي مجتمع، يجب علينا أن نبدأ بتعريته من كل التوافه الأيدولوجية ونزعها للوصول إلى صميم ما يحركه، كيفية انتاج الأشياء.

الرأسمالية هي نظام يعرّف من خلال خصيصتين رئيسيتين: أولًا، الانقسام بين الرأسماليين والعمال، حيث يستغل ربّ العمل العُمّالَ، وثانيًا، التنافس بين الرأسماليين. هذه ليست مجرد مبادئ اقتصادية ضيّقة؛ وإنما هي العلاقات الاجتماعية المؤسِّسة التي تشرح سببية سوء حال العالم في يومنا هذا.

خُلقت العديد من المجتمعات الاستغلالية بواسطة مختلف الطبقات: «الأحرار والعبيد، النبلاء والعوام، اللوردات والأقنان، رؤساء النقابات والعمال المهرة، وبتعبير آخر، المُضطهِدون والمُضطهَدون»، على حد تعبير ماركس وانجلز. إن السمة التي يتشارك فيها جميع هؤلاء هي حكم طبقة أقلية طفيلية لا تعمل وإنما تقتات على فائض إنتاج بقيّة الشعب. وهذا الأمر لا يختلف عن حالنا اليوم.

إن الإنتاج في ظل الرأسمالية الحديثة يتم بواسطة الطبقة العاملة، وهي تشكل الغالبية من شعوب العالم. وما يعرّفها كطبقة هو افتقارها للتحكم بوسائل الإنتاج التي تستخدمها وملكيتها، أي: المكائن والأراضي والمباني وما شابهها، والتي تستحوذ عليها أيادي عدد بسيط من الرأسماليين. هذه الحقيقة تجبر العمال على بيع جهدهم للرأسماليين في مقابل أجر، وإلّا سيواجهون الفقر والجوع. يستغل الرأسماليون هذا الجهد، في مقابل ما يدفعوه للعمال من نسبة بسيطة جدًا من إنتاجهم. والباقي هو الربح، الذي يهدف الرأسماليون لتكديسه عبر الزمن من خلال كميات أكبر وأكبر من رأس المال، وهي الشركات الإمبراطورية العملاقة التي تتحكم اليوم بالسوق.

إن الاستغلال، لهذا السبب، ليس ذلك الشيء الذي يحدث في مصانع في الدول الفقيرة بأعمالها المرهِقة الشاقة وحسب. كل عامل في هذا العالم هو عامِلٌ مُستغلّ، لأننا جميعًا ننتج مجمل الثروة التي تنتهي إما في جيوب المدراء التنفيذيين الذين يمولون بها حياة رفاهيتهم، أو من خلال إعادة الاستثمار في الشركات الإمبراطورية من أجل الجولة القادمة من الإنتاج وتكديس الثروة. فلماذا سيقوم أي ربّ عمل بتوظيف عاملٍ إذا لم يجنِ منه أي منفعة أبدًا؟

إن أول سِمة من سمات الرأسمالية، بعبارة أخرى، هي التقسيم والصراع بين طبقتين رئيسيتين: الرأسماليون والعمال. فالفوائد المادية الخاصة بهاتين الطبقتين لهي في تضادٍ كامل فيما بينها. ذلك هو السبب في كوننا لا نكسب أي شيء دونَ قتال. إن الأجور وأوضاع العمل يمكن الظفر بها فقط في مقابل ما يخسره أرباب العمل من منافع. يريد الرأسماليون من العمال أن يدفعوا من أجل الرعاية الصحية ورعاية الطفل والتعليم من خلال أنظمة «تسديد المستخدِم» (User pays) مُخصخصة، عوضًا عن أنظمة عامة تموّل بواسطة الضرائب المستقطعة من أرباح الشركات والأغنياء. وعندما تستعر الحروب، يُرسٓلُ العمال للموت والقتل بينما يستفيدُ ملاك الشركات.

السمة الثانية المُعرِّفة للرأسمالية هي التنافس بين الرأسماليين. فالرأسمالية ليست نظامًا مدروسًا أو منطقيًا؛ إنما بُنيت بواسطة كتلٍ مختلفة من رأس المال، سواءً كانت عبارة عن أنشطة تجارية صغيرة أو شركات عملاقة، فكلها تحاول أن تلغي بعضها البعض. هذا التنافس يعني أن رأس المال لا يمكن أن يبقى ساكنًا، بل يجب عليه أن يتوسع باستمرار، وأن يجني المزيد والمزيد من الأرباح، أو أن يواجه خطر الاستحواذ عليه أو الإفلاس. إذا استطاعت شركةٌ ما أن تزيد معدل استغلال عمالها، بواسطة انتاج تقنية جديدة أو فرض أعمال شاقة وطويلة في مقابل أجر أقل، فإن ذلك سيزيد الضغط على أرباب العمل الآخرين لمواكبة الوضع.

تقوم المنافسة بين الطبقات الحاكمة بدفعها للتصرف كما تتصرف الوحوش الشرسة، فالدافع لتحصيل الأرباح يفوق كل الاعتبارات الأخرى. فكّر فقط في الآلاف الذين قتلوا بواسطة جيمس هاردي، والذي استمر في إنتاج مادة الأسبست «الحرير الصخري» لعقود حتى بعد العلم بأنها مسببة للسرطان، بغية تحقيق بعض الأرباح. فكّر في الآلاف الذين يصابون أو يقتلون في العمل كل عامٍ لأن الأرباح تأتي قبل الأمن والسلامة. أضف على ذلك، فحوى دوران هذا العالم بغيّة تحصيل الأرباح أنّ لا شيء يُصرف حيث لا يمكن تحصيلها، كتغذية الفقراء أو تجنب تغيّر المناخ الكارثيّ. فبالنسبة للرأسماليين، مطامحهم المادية طارئةٌ أكثر من مصير الكوكب أو الذين يعيشون على سطحه.

تسبب المنافسة على الربح أزماتٍ اقتصاديةٍ أيضًا. إن مجتمعاً عقلانياً سيضع خطط إنتاجه وإعادة توزيع مصادر ثرواته بناءً على الحاجة البشرية ومتطلباتها. عوضًا عن ذلك، إن سوق الرأسماليين فوضوي ويعثه الخراب بسبب عدم استقراره. وعلى خلاف النظريات المثالية الموجودة في منهاجهم الاقتصادية، فإن ذلك لا ينتج عنه «التوازن»، وإنما الفوضى وحالات الكساد المتعاقبة. يثبت ذلك بشكلٍ فجّ القرن الواحد والعشرين لوحده، مثلما سارع رأس المال للاستثمار في فقاعة مضاربات استثمارية تخمينية بعد فقاعة، منذ انهيار فقاعة «دوت كوم» إلى كارثة الرهن العقاري للإسكان.

نتج عن الأزمة المالية العالمية إقصاء الملايين من العمل حول العالم. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، ظلت المنازل الجديدة فارغة من السكان أو تمّ هدمها حتى، بينما أعداد المشردين تتزايد بوتيرة عالية، لأن إسكان البشر لا يعود عليهم بالربح. تم تبذير التريليونات من الدولارات على مشاريع البناء والمصانع التي تُركت دونما إكمال، خالية أو منتصبة كتماثيل؛ والكثير من التريليونات تم بعزقتها لكفالة الأغنياء من المحاسبة. وستظل هذه العملية تتكرر مرةً بعد أخرى لأنها النتيجة الحتمية لطريقة سير الرأسمالية.

تتخذ التنافسية بين الرأسماليين حول العالم شكلًا آخر أيضًا: الإمبريالية. فاستنزاف العمال بقدر ما يمكن هو جانبٌ واحد، ولكن رأس المال يتنافس أيضًا حول السيطرة على الموارد الطبيعية، وعلى الأسواق، وعلى طرق التجارة، ومن أجل عمّالٍ إضافيين يمكن استغلالهم. خلال القرن التاسع عشر، تسابقت القوى الرأسمالية الأوربية لاستعمار العالم، وتقسيمه فيما بينها وإعادة تشكيل عمليات إنتاج المستعمرات لتوائم احتياجات الرأسماليين في أوطانهم، خصوصًا الحاجة للمواد الخام والعبيد. كل الفظاعات الاستعمارية والاستعبادية كانت نتاج الشروط المسبقة لتطوير الرأسمالية الحديثة. وعندما حل القرن العشرين، كان العالم مقسمًا وكانت الحروب أشد دمويةً عندما تحولت أنظار القوى العظمى لبعضها البعض.

واليوم، فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة العظمى الوحيدة، ولكن ديناميكية الإمبريالية ظلت كما هي. الحرب الأمريكية على الإرهاب في الشرق الأوسط هي التعبير عن حاجة الطبقة الحاكمة في أمريكا للتنافس مع أندادها في أوروبا وآسيا. فالسيطرة على الشرق الأوسط وثرواته النفطية تشكل مركزية المشروع الأمريكي للبقاء في قمة الهرم الإمبريالي. إن الاستغلال في صميم الرأسمالية يفضي أيضًا إلى صعود نظام قمعي متكامل، ذلك المشروع الذي لا يمكن اعتباره اقتصاديًا ببساطة. فالاستغلال لا يمكن له العمل بدون أن تصاحبه مقاربات أيدلوجية وقانونية مدعومة بواسطة قوة يمكن اعتبارها ضبطية أو عسكرية.

إن الرأسمالية، في صميمها، عبارة عن نظام استغلالي مدفوعٍ بالتنافس للربح والمنفعة. وهذه الخصائص لا يمكن تهذيبها. إن الطريقة الوحيدة للتخلص منها هي عبر السيطرة الجماعية للطبقة العاملة على وسائل الإنتاج واستخدامها ببراعة لخلق مجتمع لا يهيمن عليه الربح والتنافس.

المصدر: ريد فلاغ








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مراسلة الجزيرة: مواجهات وقعت بين الشرطة الإسرائيلية ومتظاهري


.. الاتحاد السوفييتي وتأسيس الدولة السعودية




.. غزة اليوم (26 إبريل 2024): 80% من مشافي غزة خارج الخدمة وتأج


.. اعتقال عشرات الطلاب المتظاهرين المطالبين بوقف حرب غزة في جام




.. ماذا تريد الباطرونا من وراء تعديل مدونة الشغل؟ مداخلة إسماعي