الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ويسقط الحائط الرابع والعشرون

نور العذاري

2006 / 1 / 6
الادب والفن


ككتل الثلج المتساقطة من أعلى الجبل... انهارت أحلامي فجأة... ومعها قيم ومعتقدات كانت بالنسبة لي مبالغ في قداستها آمنت بها يوماً نبراساً للحياة القادمة ومشعلاً ينير ظلام العمر الحالك.... سقطت أشجار الصنوبر والبلوط المتناثرة في قلبي وفرحاً كان يرتسم ابتسامة على ثغري.. صفراء لكن تبعث الأمل...
آه.. صغيرتي العزيزة... على أرض الجنوب تلاقينا ذات يوم نيساني جميل... كنت طفولية كفراشة مرعىً وفير... ترتدين من خيوط الشمس فستاناً لك.... و " ملحة الأرض " تكسو وجهك آيةً من جمالٍ.. من طهرٍ.. كطهر كتاب مقدس... كنت ناعمةً وجميلةً كغصن سيسبان... ورائحةٌ جميلةٌ تنبعث من حنايا ثوبك القبلي.. كرائحة معابد المايا الأسطورية... أول مرة رأيتك فيها كنت لا زلت طفلة صغيرة لم تبلغ بعد دور المراهقة... كان الوطن جميلاً وكانت الأرض تزداد اخضراراً وبهجةً وسعادةً.... الناس البسطاء يضحكون والحكماء يغلقون أبوابهم وينشغلون بجمع الأموال وتخبئتها تحت البسط الإيرانية الحمراء فيما ينهش الفقر والجوع الوطن من قدميه... رأيتك أول مرة... حينها كنت تحلقين كحمامة بيضاء وشعرك الغجري الأطراف يأكل من جبين الشمس فيضفي على الليل جماله المهيب... يأخذني إلى عوالم لم تزل في طور التكوين... يومها حملتك بين ذراعيّ كزهرة نرجس شمالية بيضاء تبعث الدفئ من فرط الحنان... ومرت الأيام والشهور.. وأخذت تكبرين أمام عينيَّ... آيةً من جمالٍ كبحيرة زحلة... لم أكن لأتصور أنني سأعشقك إلى حد الجنون... أنا العجوز الذي احترف العشق حتى لم تعد تثيره النســـــــــــــاء!!..
إيهٍ صغيرتي.. أتذكرينها؟.. شواطئ دجلة التي كنا نجلس عليها أيام كنت هناك.. في المدرسة الثانوية في الاعظمية... كنت أنتظرك على ناصية الطريق المؤدي إلى مدرستك كمراهق رغم كِبر سني وطفولتك والمسافة الكبيرة التي بينهما!!... لا بل كنت أحث الخطو خلفك.. أرقبك من بعيد حتى نصل إلى مكاننا المعتاد هناك.. على " كورنيش الاعظمية " حيث نجلس مع بعضنا كعاشقين لم يريا بعضهما لسنين.. إنها فعلاً لحظات تعدل سنيناً من حياتنا... فروض المدرسة التي كنت أشرحها لك فيما أدس بين طيات دفاترها أشعاري وكلماتي عن الحب والجمال وأنت تبتسمين ابتسامة أجمل ما في الكون... أحلى حتى من لوحات فان كوخ ودافنشي... هذه الفروض كانت مقدسة بالنسبة لي كفروض الصلاة... طاهرة كتراتيل الإنجيل... كم كانت جميلة تلك اللحظات التي قضيناها معاً على أرض هذا الوطن العزيز الذي بدأ يفقد جماله يوماً بعد يوم... وأنت أيضاً بدأت تفقدين الكثير الكثير من استثنائيتك... جمالك... حيويتك التي كنت تتمتعين بها...
يوم خرجنا أول مرة لوحدنا نحو الشمال... أتذكرين يومها... كنت صغيرة وناعمة كحورية البحر البيضاء... يومها قلت لي أنك ستكونين لي إلى الأبد... ولن يفرق بيننا إلا الموت وأنني ملاكك الحارس الأمين... وتخيلت حياتي القادمة معك في لحظات قصار... كن أجمل لحظات مررن في حياتي الخاوية التي لم يبق منها إلا القليل... يومها قلت لك أنني رجل حياته كلها فوضى... وأنني مشغوف بحب هذا الوطن الكبير إلى حد الجنون... قلت لك أنني عاشق ابحث عن الحقيقة والجمال بين طيات هذا الوطن.. أطوف بجوادي بين السحب التي تدفعها العواطف.. أفتش عن امرأة استثنائية تأخذني في أحضانها ثم تقدمني على يديها قرباناً لآلهة الحرية المتعطشة لدمائنا لخلاص هذا الوطن... كانت هنالك ثمة امرأة كوردية تلاعب دجلة بأطراف قدميها العاريتين وهي تغني " ئه ي رة قيب " فينتشي دجلة ويرقص فرحاً ويغني معها أنشودة الكورد الخالدة... وثمة جنوبية في الجانب المقابل... تنحني شمس الله بخشوع لتقبل جبينها العالي فيما تنشغل هي بقراءة " المجرشة " لتخفف عن نفسها الجوع والألم... وكنت أنت وسطهن... آية من جمالٍ كملكة فرعونية يحيطها حاشيتها... عيناك كغابة كستناء... ونهداك كقبيلتين من الغجر يحملان معهما المشاعل... فيما تكون رموشك الطويلة التي تشبه الأبواق الرومانية كالسهام المغروسة في قلبي... توقظني على حلم جميل وددت لو لم أصحو منه في يوم من الأيام.... أيتها الغجرية الشعر... ومرت الأيام هكذا وتهتُ أنا في زوايا السياسة.. وتهتِ أنت في الزوايا المظلمة... كان انشغالي عنك بالوطن الذي كان جريحاً ينادي هل من مغيث... وكان انشغالك عني بالملذات والحفلات.. والمجون والسهر... كنت تلقين اللوم علي كلما أعطيتك فرصة للرجوع لأصنع منك ملكة تتربع على عرش النساء ولأضع يديّ في يديك – كما قلت لي ذات مرة – لنعالج هذا الوطن الذي بدأ يفقد أبناءه واحداً تلو الآخر... ومرت الأيام سريعةً كسهم خاطف... وأخذنا نبتعد عن بعضنا البعض... أنت أردت اختصار المسافة بينك وبين المال الشهرة... وأنا.. أردت اختصار ذات المسافة لكن ما بيني وبين المجد... طريقين لا يمكن أن يلتقيا في يوم من الأيام... قدرك وقدري الذي صنعته بيديّ ثم اكتشفت أنني صانع فاشل لا يجيد إلا فن الحزن... حتى ابتسامتي التي كانت دائماً ما تعلو شفتي كانت مثيرة للحزن... مبادئي التي آمنت بها يوماً رماها شعبي أدراج الرياح ورمى معها كل الذين ساهموا بدمائهم في صناعة تأريخ هذا الوطن وارتمى في أحضان الدخلاء.... خلال السنوات التي سبقت السقوط كنت أؤمن أن الوطن هو الذي يجمعنا مع بعضنا البعض... هو الذي يعلمنا الحب... يربطنا ببعضنا البعض بأواصر بعيدة عن النفعية والمصلحية... بل وكنت أعتقد أن جميع الذين ضحوا في سبيل هذا الوطن بحياتهم وشبابهم وراحتهم وسعادتهم سينالون حقوقهم وسيأخذون دورهم في المجتمع.. لم أكن اعلم أن حقوقهم ستكون المتجارة بدمائهم على أمتار طويلة من القماش تعلق في الشوارع فيما ينشغل كاتبوها بمضاجعة العاهرات داخل منطقتهم الخضراء ذات الغرف الحمراء المقيتة التي تدخلها العاهرات ليلاً وتخرج منها فجراً محملات بقذارة الدنيا وساديتها ورذيلتها في حين... تنغلق أبوابها بوجه البسطاء والفقراء والمساكين المطالبين بحقوقهم...
سقط الصنم في ساحة الفردوس فتناثرت منه أشلاء أصبحت أصناماً اشد ضراوة وقسوة على هذا الوطن الذي أصبح كالمومسات.. هؤلاء الذين لا يربطهم بهذا الوطن الكبير إلا المال الذي يحصلون عليه من قوت الفقراء والمساكين ومن حملات الإعمار ومبيعات الوقود المهرب إلى الجارة العزيزة أدامها الله لنا من كل مكروه.. ومن مبالغ الحراسات الشخصية والاتفاقات القذرة التي تعقد في الغرف الحمراء على أنغام – ليل وطرب!!... حدث السقوط... وسقط معه الشعب نحو الهاوية وأصبحنا كالأغنام تبحث عن راعٍ لها يقودها في هذه المهزلة... كل شيء كان متوقعاً إلا ما أسفرت عنه نتائج الانتخابات الأخيرة من مهزلة كان صانعها والخاسر الوحيد فيها هو هذا الشعب " المسطول " الذي لم يعد يفهم شيئاً.. حتى لم يعد يعرف مَن منقذيه؟.. ومَن جزاريه؟؟...
لذلك كله.. صغيرتي العزيزة التي تكون الآن اشد ابتعاداً عني من أي وقت مضى... لذلك كله... قررت الانتحار السياسي... سأدس السم لنفسي ولهذا الوطن وأرحل بعيداً عن هذه البلاد التي تأكل بنيها... بعيداً عن هذا الشعب الذي يحترف الخيانات... في المرات السابقة التي كنت أحاول فيها الانتحار... كنت استخدم أنواعاً من العقاقير لإثارة الرأي العالمي... ولإثارتك أنت أيضاً... لإثارة ضمير هذا الشعب الذي مات وما من شيء يعيد إليه الحياة... مات بعد أن سحرته الخطابات المزركشة المزيفة الطائفية والعرقية المقيتة التي يصدرها رجال من الجرم أن يوصفوا بأنهم رجال دين يمثلون السماء – بل هو الجرم بعينه ... لذلك حبيبتي القديمة... وحين يسقط الحائط الرابع والعشرون من عمري... وتموت أزهار العمر معلنة بداية الخريف على آمال بنيتها على ارض هذا الوطن الذي قضيت فيه أجمل أيام حياتي مع من أحببت وعشقت حد الثمالة... وتعلن معها بداية النهاية... وأنا أهم بمغادرة هذا الوطن أضع أوراقي أمامي كرئيس يهم بتقديم استقالته في إحدى الدول الخرافية التي نسمع عنها.. ولأرى ما كان لنا وما كان علينا من هذه المسيرة الطويلة.. وقطرات السم تقطر في الإناء... أجد أننا قدمنا كل شيء.. ولم نحصل على أي شيء... كمن يركض وراء سراب!!!.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. محمد محمود: فيلم «بنقدر ظروفك» له رسالة للمجتمع.. وأحمد الفي


.. الممثلة كايت بلانشيت تظهر بفستان يحمل ألوان العلم الفلسطيني




.. فريق الرئيس الأميركي السابق الانتخابي يعلن مقاضاة صناع فيلم


.. الممثلة الأسترالية كايت بلانشيت تظهر بفستان يتزين بألوان الع




.. هام لأولياء الأمور .. لأول مرة تدريس اللغة الثانية بالإعدادي