الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


يدُ الحياة

رائف أمير اسماعيل

2016 / 12 / 23
الادب والفن


اهتز جسدها، فاهتزت آخر نبضة وانتشرت... آخر نبضة كهربائية باقية كبرت وكبرت ليعود اشتغال الدماغ، ولتتسلل وتتسلسل الى كل الشجرة العصبية في جسدها... الى قلبهالينبض، ليبدأ حب الحياة من جديد.
صحت.... استيقظت من أعمق نوم لتجد نفسها مقيدة وسط الظلام.
وعت، فراعها ان تستنج انها ملفلفة بكفن ... راقدة على يمينها في تجويف أسفل قبر... بكت.
استعجلت الحركة .. استعجلت محاولة الخروج، لكن خزين الذاكرة... ذاكرة التجربة هو الآخر قد انفلت من نومه ليوصيها بالحكمة في المحاولة، فليس سهلا ان تعكس كل اجراءات دفنها بثوان او دقائق.... لكنها ايضا حست انها متضايقة في تنفسها وأن كل ثانية تعني استهلاك لكمية من الاوكسجين الباقي في ذلك التجويف الصغير المحيط بجسدها.
كمية قلية من الاوكسجين يقابلها جهد كبير ... جهد للنفوذ من تراب غطاها لأكثر من متر، ولايفصلها عنه سوى طابوقات رصفت فوق الحفرة الجانبية اسفل القبر ليكون وجهها قبال جهة الكعبة كما جرت عادة دفن الموتى عند المسلمين.
رغم الخدر الشديد لجهة جسدها اليمنى التي رقدت عليها الا انها استطاعت ان تستعدل ليكون وجهها باتجاه الطابوق .. باتجاه الفتحة المرجوة للخروج ....رغم انها طبعا لم تتذكر حين ادخلت منها. لكن عليها اولا ان تحرر يدها ووجهها من الكفن، ثم باقي جسدها.
زحزحت يديها .. اليمنى ... اليسرى .. قربتهما مع بعض لتقرر تمزيق الكفن من فوق بطنها، فلم يفدها دفعها للكفن الا بحلحلة بسيطة لكفن روعي ان لايخرج منه إلا غازات التحلل، او أن تمزقه الديدان بعد أكلها للجسد.
استطاعت تكبير الشق فتحرر جزئها الاعلى.. ثم بصعوبة أجزاءً من الاسفل.
زحزحت الطابوقتين المقابلتين لصدرها، ثم استطاعت ان ترصفهما فوق الطابوقتين اللتين تليهما فوق البطن لأنها ادركت ان ازاحة الطابوقتين فوق رأسها يعني ان يهطل فوقه التراب فتختنق فأبقتهما لتضغط بهما الى الاعلى وبيديها تسحب التراب فوقهما الى فوق صدرها ثم الى الفراغ من حولها... فراغ يتغير شكله في كل لحظة، لكن لم يكبر حجمه لحد الآن.
ثوان، حتى استطاعت ان توقف نصف جسدها...أن تخرق ربع ارتفاع التراب، لكن يبدو ان الاوكسجين قد شارف على النفاذ، وانها اخطأت ان تملأ كل التجويف بالتراب من فوقها فقد بقي منه ماكان يحيط الجزء الاسفل من رجليها حيث سد طريقه ماقد هطل من فوق بطنها.
ثوان وهي تحاول وتدفع وتتذمر من طريقة الدفن القاسية هذه.
اهتز جسدها كله من جديد مع اهتزاز الارض تحتها ... هزة قوية بدت لها ان خلخلت التراب من فوقها، أو انها ازاحت جزءَ منه لتخرج يدها اليمنى الى فراغ.
بسرعة استغلت الفراغ الجديد لتخرج منه وجهها ... انفها ... استشقت أوكسجينا نقيا من جديد.
أن تستنشق أوكسجينا يعني ان تزفر بدله ثنائي اوكسيد الكاربون ... فتخسر كاربون ... فتجوع .
جوع شديد بدأ يستهلك ماتبقى من شحم في جسدها رغم انه لم يشكل اي عرقلة لأسئلتها المتطافرة فيما ستفعل بعد تحرر نصف جسدها، لكنه اصبح سؤالا أكبر حينما ادركت انها لاتستطيع ان تخرج كل جسدها العاري في ضوء الشمس وعليها ان تنتظر... ان تنتظر ساعة على الاقل ليتبدل العصر الى غروب.
هلعت لانفجار قريب منها، هزها بهز الارض من تحتها. بدا انه انطلق من حفرة قبر ملاصقة لقبرها زادها تريثا في الخروج. استنتجت منه انه كان تاليا لانفجارات حدثت قبله بدقائق... تلك الانفجارات لابد انها لعتاد قنابل تركت او اخفيت في تلك الحفرة، وهي من تسبب في صحوتها وازالة التراب من فوقها.
هي الآن (حرة) لكن بجسد عاري ... كيف ستتحرك وتواجه من يراها حتى لو استطاعت ان تقنعهم انها صحت من موتها؟.... عليها ان تجد شيئا تغطي جسدها الجميل به .... نعم ... كانوا يدققون في النظر اليها وهي لابسة ملابسا محتشمة لجمال جسدها ووجهها فماذا سيفعلون بها الآن وهي عارية تماما.
آه .. تذكرت الآن ان الكفن قد يفيدها فتستر به مايهم من جسدها ... مازال منه يلفلف جزءً من رجليها والباقي عليها ان تحفر قليلا فتسحبه. لكن عليها الآن ان تخفي نفسها بكمية من تراب القبر من جديد.
حان الغروب ... اعادت ماأرجعت من قماش الكفن في ترتيب جديد لفت به جسدها.. وانطلقت خلف انطلاق اسئلتها المستجدة.كيف ستصل الى بيتها؟ ... المقبرة هي تعرفها ... هي نفس المقبرة التي اعتاد اهلها ان يدفنوا امواتهم فيها. وهي تبعد أكثر من 10 كيلومترات عن بيتها .. هل تمشي كل هذه المسافة بلفة القماش هذه ... حافية وأظافرها مصبوغة ؟.. صحيح هي لم ترَ اقدامها بسبب الظلمة لكنها استنتجت حين رأت أظافر يديها عصرا عندما تحرر نصف جسدها بأنهم لم يزيلوا الصبغ من اظافر يديها ورجليها عند الغسل.. يالها من بشاعة ان يموت الانسان ويتحلل جسده وأظافره تبقى مصبوغة.
كم مر على موتها ؟.. سلامة الكفن يدل على انها ماتت قبل ساعات او يوم او ايام قليلة .... كيف ماتت ؟ هل هي ماتت فعلا ثم صحت ؟ وماذا حصل لعائلتها بعدها ؟... أين هم الآن؟... هل توقفت الحرب؟ فلقد بدأت تتذكر.
تذكرت ان طائرة حربية قد ضربت مدينتهم ... ولاتتذكر مابعده، لكنها لم تعاني من جرح او ألم في جسدها ... هل ماتت من صدمة ... من خوف من الطائرات أوقف قلبها؟
أسرعت الخطى باتجاه مدينتها وبيتها، فالطريق تعرفه جيدا ... عمرها الثلاثون ونيف يساعدها ان تهرول رغم جوعها في المناطق التي لاتتوقع ان يشاهدها أحد رغم انها مازالت تبكي .. بل وترتجف خوفا وبردا.
المفاجأة انها لم تجد احدا في طريقها... أين هم؟ ... رحلوا؟.. ماتوا بعدها؟
الشوارع خالية ... المدينة مظلمة الا من بعض أضوية مصابيح كهربائية هنا وهناك ... بدا لها انهم رحلوا جميعا.. أو انهم رحلوا عنها من جهة قدومها.
داست رجلها ماءً فقعدت تشرب منه .... خفف شربه بعضا من جوعها.
الهدوء المريع شجعها ان تستنتج ان البيوت باتت خالية فدخلت اول بيت اطمأنت لدخوله، خصوصا ان بابه كانت مفتوحة وضوء مازال يضيء جدرانه العتيقة ..... عثرت فيه على ملابس نسائية فزال نصف همها .... ثم طعام متناثر ... خبز يابس وبعض حبات الخضراوات التي بدت انها تركت قبل يومين لا أكثر.... استنتجت انهم رحلوا خلال يومين مضت، وانهم استطاعوا حمل اغراض البيت بسهولة وتركوا مالايحتاجون.
غسلت وجهها وهندمت ملابسها وربطت شعرها ولبست حذاءً صغيرا متروكا ... اه .. نعم .. اظافرها مازالت مصبوغة وباللون الاحمر. .. تذكرت زوجها، كان يحب اقدامها مصبوغة الاظافر ويجن بهذا اللون..... لكن اين هو الآن؟.
حملت ما استطاعت من طعام لتأكله .... تأكله بنفس سرعة مشيها ... كم هو لذيذ هذا الخبز اليابس والطماطم العفنة... وقطعة من رأس بصل مقشورة جف ماؤوها ورائحتها.
طعام استعادت به القسم الأكبر من قوة عضلاتها كي تستعد الى ماقد تواجه.... فلقد نشطت حاستها السمعية وهجست صوتا من بعيد... صوت ابنها وهو يصرخ فذعرت.
ابنها الوحيد ... اغلى ثلاث سنوات من عمرها وكأنه يستنجد.
ركضت الى بيتها ... بقي لها كيلومتر واحد تقريبا لتصله..
عثرت ووقعت أكثر من مرة ... تاهت في الظلام أكثر من مرة.... كثير من البيوت وعمارات الشقق بدت مهدمة .... أعمدة الكهرباء الواقعة ونثار البيوت جعلها تغير دربها اكثر من مرة لئلا تعثر من جديد او تجرح.
أقتربت من المربع السكني الذي يتوسطه بيتها.... بدا لها انه المربع الأكثر خرابا من كل المربعات التي اجتازتها... والهاجس يشتد..
تنططت بين الخراب ووصلت الى بيتها ... في الاحرى الى مكان بيتها ... فلقد سقطت كل سقوفه على الارض.
صوت ابنها يصرخ بشكل متقطع .... جفلت ....صرخت: دودي ي ي ي ... اين انت ؟
لكنها انتبهت ان ابنها قد يجفل منها ... ربما يفهم مامعنى موت وهو يعلم انها قد ماتت فغيرت صوتها وادعت انها عمته .
استطاعت ان تخمن مكانه عندما اجابها:- ماما انا هنا .. يبدو انه في غرفة الاستقبال وقد حالت اخشابه ان لاينطبق سقفه تماما على الارض وانه قد سقط بزاوية تسمح بالزحف تحته...ويبدو انه فعلا لم يفهم معنى انها ماتت، او انهم لم يخبروه.
بدا لها ان هناك منفذا سهلا بعدما استطاعت ان تشعل نارا .. حين عثرت في بيت قريب على قداحة نار وبعض الورق والخشب.
وبدا لها ان الولد قد انحصرت رجليه ورضَت ببعض من خشب أريكة سقط عليها بعض السقف فلم يستطع الافلات .
اخرجته بصعوبة ... وبعد احتضان شديد ودمع اختلط فيه الفرح والحزن معا سألته:-
- اين هم حبيبي.. اين والدك ؟
- هناك.
- اين هناك.
- هناك ... مشيرا الى الاتجاه.
- ولماذا انت هنا؟
- انا جئت اليك ... سألت عنك قالوا انك هنا تجلبين لي ملابسي التي نسوها.... لكنك تأخرتي ماما.
- وهل يعرفون انك اتيت الى هنا؟
- لا... انا لم اقل لهم.
بقيت تحتضن ابنها ونامت بعد ان عثرت ايضا على طعام قديم في احد البيوت. حتى شرقت الشمس فتوجهت الى ما اشارت يد ابنها من طريق.
جفل زوجها واهلها منها .. ثم تطبعوا الامر وفرحوا بعودتها .. وفهمت منهم انهم رحلوا عن المدينة لأن (العدو) طلب اخلائها تماما من سكانها بعد أن قصفها بوحشية .. وانهم بحثوا عن الطفل في كل مكان حتى انهم اتوا الى البيت القديم لكن لم يسمعوا صوته. أما موتها فقد كان فعلا بتوقف قلبها من شدة خوفها من قصف الطائرات. وانهم دفنوها قبل يومين بعد ان أكد لهم احد الاطباء موتها في تلك الظروف الصعبة التي استعجل فيها الكل للرحيل عن المدينة وسبقتهم فيه حتى المستشفيات.
بعدها عاشت ستين عاما ... لم تكن تخاف الموت بقدر خوفها من ان تدفن تحت التراب .. ومن ان لايدفنوها بملابسها المحتشمة . ولم تقترب من صبغ الاظافر .. ولاحتى أحمر الشفاه.
وحين ماتت نفذ اهلها وصيتها .... ودفنوها بالقبر الذي صممته بنفسها ... وبملابسها التي اعدتها للموت .... دون كفن.
19/12/2016








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ردًا على «سحب الريادة الفنية من مصر».. أيمن بهجت قمر: طول عم


.. إنجي المقدم: ممكن أكذب لإنقاذ موقف ومش بحب قلة الأدب




.. المرض الذي بسببه ارتدت أم كلثوم نظارة سوداء | #برنامج_التشخي


.. صباح العربية | -عياض في الرياض-.. عمل سعودي كوميدي يعيد النج




.. الأطباء يرفضون خروج حلمى بكر من المستشفى.. وعرض خاص لمسرحية