الحوار المتمدن - موبايل


تخلف القطاع الصناعي في دعم تنمية الاقتصاد الوطني العراقي

سناء عبد القادر مصطفى

2016 / 12 / 23
الصناعة والزراعة


المقدمة
يعتبر القطاع الصناعي العراقي الحجر الأساس في تطوير وزيادة الناتج المحلي الإجمالي. وأدى استيراد الـسلع الأجنبيـة الـى العـراق بـشكل كبير بعد الاحتلال في العـام 2003 الى جانب انعدام الدعـم الحكـومي لهذا القطاع وعواقب انهيار الوضـع الأمنـي الـى إغـلاق الكثيـر مـن مـصانع القطاع الخاص والتقليل من دوره في تطوير الإقتصاد الوطني . يقوم هذا البحث باستخدام أدوات التحليل الاقتصادي العلمية في إسـتقراء حقيقة مستوى الـدعم الحكـومي للقطـاع الـصناعي بعـد العـام 2003 وكذلك المجالات والإتجاهـات التـي يفتـرض أن يـسير نحوهـا بالإضافة الى استكـشاف الآثـار الـسلبية لغيـاب وضـعف الـدعم الحكـومي للقطاع الصناعي وصولا الى مقترحات بزيادة وتطوير دور الدولة في دعم هذا القطاع الحيوي في تركيب الاقتصاد الوطني العراقي.
وتتركز مشكلة البحث على ضعف الدعم الحكومي المقدم في الوقت الحاضر الى القطاعات الصناعية الثلاث: العام والخاص والمختلط وما يترتب على ذلك من أثار سلبية على تطور القطاع الصناعي برمته. وهنا سوف أركز على الاستيراد من الخارج للمنتجات الصناعية بكافة أنواعها والتي تستخدم لدحر القطاع الصناعي العراقي وضعف منافسته في الداخل بسبب عدم وجود قوانين الحماية التي تردع ذلك في الواقع العملي.
والفرضية الأساسية للورقة البحثية هي ضعف وتدهور دعم الحكومة للقطاع الصناعي العراقي بأنواعه الثلاثة: العام والخاص والمختلط. وما ينجم عنه من أثار سلبية على محصلة تطور الاقتصاد الوطني العراقي برمته.
هدف البحث: ويهدف البحث الى القاء الضوء على أهم أسباب تدهور القطاع الصناعي العراقي بعد سنة 2003 ولحد الآن من حيث:
1. بيان وتحديد الأسباب الحقيقية التي تقف حجر عثرة أمام تنمية وتطور القطاع الصناعي العراقي، اعتمادا على التحليل العلمي الذي تحدده منهجية هذا البحث.
2. طرح الحلول العملية من خلال الخطط الاقتصادية الطويلة والمتوسطة الأمد لضمان تحقيق تنمية اقتصادية شاملة مستمرة ومتواصلة في منشآت القطاع الصناعي حسب التصورات المرسومة لها.
منهجية البحث: من أجل تحقيق الأهداف المنشودة من هذه الدراسة والوصول الى اثبات فرضية البحث أو نفيها اعتمدت في هذا البحث استخدام المنهج الاستنباطي الوصفي الذي يستند الى أساليب الاحصاء الاقتصادي ومحاولة معرفة العلاقة الكمية التي تربط هذه المتغيرات بعضها ببعض

1. نظرة سريعة لواقع القطاع الصناعي العراقي قبل وبعد العام 2003

امتلك القطاع الصناعي العراقي سمعة جيدة عند الانسان العراقي، وكان جل اهتمام وزارة التخطيط العراقية يركز على بلوغ نسبة مساهمة قطاع الصناعات التحويلية الى 30% من الناتج المحلي الاجمالي اعتمادا على اهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية بالنسب للدول النامية (أونيدو) التي كان العراق ضمن المجموعة الأولى من درجات التطور فيها. ومن نتائج تأميم شركات النفط الأجنبية في العراق في شهر حزيران العام 1972 أرتفاع نسبة مساهمة الصناعات الاستخراجية في تكوين الناتج المحلي الإجمالي من 67% في الفترة 1973- 1976 الى 76% في الفترة الزمنية 1977-1980 مقابل انخفاض نسبة مساهمة قطاع الصناعات التحويلية من 10% الى 8% لنفس الفترات الزمنية(1)(2) .
ويمكن اعتبار أحد أسباب تدهور القطاع الصناعي المهمة هي الحرب العراقية – الإيرانية وسحب العديد من المواليد من المنشئات الصناعية وقواطع الجيش الشعبي الى جبهات القتال وهذا ما أدى الى إحلال العمالة المصرية – محل الأيدي العاملة العراقية- التي معظمها لا يملك تأهيل مهني وخبرة في الانتاج الصناعي وكذلك تتسم بعدم الإستقرار وترك مشاريع القطاع العام الى القطاع الخاص الذي كان هو الآخر يعاني من نفس المشاكل. ونتيجة لذلك تحولت مشاريع القطاع العام الى مراكز لتأهيل ورفع كفاءة الأيدي العاملة لصالح القطاع الخاص وبالنتيجة هي تقادم مكائن وآلات منشئاته الإنتاجية.
وكان من نتائج اجتياح الكويت فرض الحصار الإقتصادي على العراق لمدة 12 سنة الذى أدى بدوره الى تدمير الصناعة الوطنية والحد من تطوير المكائن والألات والمعدات بشكل عام بسبب وضع حضر من قبل الأمم المتحدة على ارسال الأدبيات و المجلات العلمية المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات الصناعية الى العراق، مما أدى الى أن تكون بعض الصناعات بمثابة عبء كبير على الاقتصاد الوطني العراقي.
وتشير البيانات الى تغير نسبة المساهمة في الثمانينيات لحساب الصناعات التحويلية بعد تراجع الصناعات الاستخراجية بسبب الحرب (العراقية – الايرانية) وانخفاض اسعار النفط الخام الى اقل من 10 دولارات للبرميل الواحد من النفط. واستمر نفس الحال في تسعينيات القرن الماضي بسبب توقف الصادرات النفطية تماما نتيجة فرض العقوبات الدولية على العراق وبالأخص في الفترة الزمنية 1991- 1995. وفي الوقت نفسه تصاعدت الاهمية النسبية لقطاع الزراعة والغابات والصيد إذ سجل هذا القطاع نسبة تبلغ 73% من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة الدعم الذي كان تقوم به الحكومة لمواجهة تلك العقوبات، وتراجع هذا المعدل بعد تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء.
ونستنتج من هذا ان القطاعات السلعية ومساهمتها في الناتج المحلي لم تأخذ المسار الطبيعي في النمو، بل ارتبطت تلك المساهمة بالظروف التي كان العراق يعيشها خلال المدة 1973 – 2003 . وبعد العام 2003 كانت القاعدة المادية للاقتصاد الوطني العراقي على موعد اخر من التدمير والتقويض وذلك بعد ان نهبت المكائن الثقيلة والخفيفة والمعدات والآلات الميكانيكية التي تعتبر عصب الصناعة ومن ثم بيعت بعد تهريبها الى ايران ودول شرق أسيا.
كان هدف الاحتلال الاحتلال الامريكي هو ارجاع العراق واقتصاده الوطني الى العصر الحجري ولم يكن في خططه اصلاح النظام الاقتصادي العراق كما توهم الكثير من اللذين ساعدوه من مختلف الإتجاهات السياسية، إذ انتهج فلسفة التدمير الممنهج للصناعات التحويلية العراقية بالدرجة الأولى. والدليل هو أن القوات المحتلة تركت كل الوزارات والصناعات والمكتبات والمتاحف والمؤسسات الثقافية تحترق وتتعرض الى النهب والتدمير، باستثناء مرافق الصناعة النفطية ووزارة النفط التي حظيت بحمايتها.
واثناء ادارة الحاكم المدني للعراق بول بريمر، اتخذت سلطات الاحتلال مجموعة من الاجراءات لإنعاش الاقتصاد الوطني، والبدء في تغيير النظام الاقتصادي القائم على مركزية التخطيط الى اقتصاد السوق. ونتيجة لذلك شكلت هيئة حكومية لدراسة خصخصة المنشآت الصناعية في العراق في منتصف العام 2004، إلا انها تراجعت عن هذا الإجراء بعد تحذيرات البنك الدولي من الاثار الإقتصادية-الإجتماعية لخصخصة حوالي 159 منشأة صناعية حكومية. ويرى بعض الإقتصاديين العراقيين ومنهم الدكتورعبد الكريم جابر شنجار العيساوي "إنه لو تم ذلك لكان أفضل بكثير للعراق من عدمها، اذ شهدت هذه المرحلة عودة الالاف من الموظفين والعمال الذين تركوا ميدان العمل في هذه المنشآت بعد تدني الاجور والرواتب خلال المدة (1991- 2002)" وكذلك أن سبب ترك العمل كان لأسباب سياسية بسبب ملاحقة السلطة لهم. ومن البديهي ان العمل الذي هو أحد عناصر الانتاج المهمة حينما لا يقوم بمهامه لمدة من الزمن تنخفض قدرته الانتاجية وتبعا لذلك فهو يحتاج الى تدريب وإعادة تأهيل وفق برنامج مخطط له من قبل وزارة الصناعة أذا أريد منه رفد القطاع الصناعي بكوادر انتاجية تساهم في رفع انتاجية العمل في القطاع الصناعي (انظر رسالتنا في الماجستير باللغة الروسية غير منشورة: احتياطيات رفع انتاجية العمل في مصانع وزارة الصناعات الخفيفة والغذائية، أوديسا، 1976 ص55)(4)، ولكن مع الأسف لم يحصل ذلك اذ كان ينظر الى العودة للعمل انها فرصة للحصول على اجور مالية دون تقديم أي جهد، زد على ذلك الحصول على تعويض عن السنوات التي قضاها العامل أو الموظف على أنها خدمة جهادية ضمن حزب سياسي جاء الى السلطة بعد الإحتلال بالإضافة الى خلق الولاءات للسلطة السياسية الجديدة. وبالطبع لم تعي الحكومات العراقية المتعاقبة مخاطر المستقبل على مستوى رفع انتاجية العمل والقدرة الانتاجية في جميع الفروع الصناعية.
ومن العوامل التي خدمت الحكومة العراقية في تغطية الأجور والرواتب هي عوائد النفط المالية بفضل ارتفاع أسعار النفط الخام في بورصة النفط العالمية، في حين اهملت مسألة وضع البرامج والخطط العلمية لتطوير ورفع فاعلية كافة المشاريع الصناعية القائمة أو المزمع اقامتها. ومع ذلك لابد من مناقشة العوامل الأخرى التي ساهمت في تدهور الصناعة العراقية.
2. العوامل التي ساهمت في تدهور الصناعة العراقية بعد العام 2003

لقد ساهمت عوامل اخرى في تدهور الصناعة العراقية بعد اعتماد نهج سياسة الباب المفتوح على صعيد التجارة الخارجية، وما ترتب على ذلك من اغراق السوق العراقية بالسلع من مختلف دول العالم وأحيانا من مناشئ غير معروفة دون مراعاة حماية الانتاج المحلي او المستهلك العراقي. وقد ادت هذه السياسة الى احتضار قطاع الصناعة برمته. فمنذ الأيام الأولى تركت معداته للنهب والتخريب من الرعاع والغوغائيين. ويؤكد الكثيرون ممن كانوا في مواقع قريبة من المنشآت التي دمرت أن هناك معدات حديثة نقلت إلى إيران وبيعت بأبخس الأثمان. في ذات الوقت فتحت الباب على مصراعيه للاستيراد بذريعة (الاقتصاد الحر). وكانت السنوات الثلاثة عشر الماضية هي الأسوأ على قطاع الصناعة العراقية، بسبب التدهور الذي حل بها في ظل أوضاع أمنية واقتصادية غير مستقرة.(6)
وبحسب إحصائيات حكومية؛ فقد أغلق 91 ألف معمل حكومي وخاص، بينما يوجد نحو 30 ألف معمل مهدد بالإغلاق بسبب غياب الدعم الحكومي لها وعدم قدرتها على مواجهة المستورد بسبب حداثته وانخفاض أسعاره، وهذا ما انعكس سلباً على القطاع الصناعي الذي بات ضعيفا وأدى الى تسريح العمال والكادر الإداري-الصناعي(7).
وفي تصريح صحفي لنائب رئيس اتحاد الصناعات العراقية، مؤيد جمال الدين، إن عدد المعامل الفعالة والمنتجه في العراق حتى قبل 2002 بلغت بحسب إحصائية وزارة التخطيط 182 ألف معمل، بينها معامل حكومية وخاصة منتشرة في عموم العراق. (8)

وأضاف لموقع "عربي21" أن الصناعة كانت تدعم الناتج الوطني بنسبة تصل إلى 16% ووفرت 603 آلاف فرصة عمل لمهندسين وفنيين وحرفيين وإداريين، مشيراً إلى أنها تدهورت بعد 2003 بسبب دخول المستورد؛ لتصل نسبة دعمها الناتج الوطني إلى نحو 1.3 بالمئة حتى العام .2014

وأبدى جمال الدين تخوفه من اندثار الصناعة العراقية بسبب ابتعاد الكثير من الصناعيين والحرفيين عن مهنتهم الأصلية مثل صناعة النسيج والأخشاب والجلود والأواني المزخرفة وغيرها على الرغم من المبادرات الحكومية في السنوات العشر الماضية التي لم تحقق شيئاً يذكر بسبب الفساد الإداري وكذلك حجم الأموال التي صرفت عليها والتي تجاوزت 810 مليارات دولار من 2002 إلى 2014 .(9) ومن جهة أخرى قال الخبير في الشؤون الصناعية محمود صباح، إن الحكومات التي أعقبت عام 2003 "لم تكن نصيرة للصناعة العراقية، بل كانت مهلكة لها، فهي لم تكلف نفسها حتى بمنع المستورد، أو على الأقل موازنته مع ماهو موجود من المنتج المحلي" . واتهم صباح في حديثه لموقع "عربي21" متنفذين في الدولة بـ"تدمير الصناعة العراقية، عن طريق استيرادهم البضائع، وتسهيل دخولها العراق، حتى أصبحت السوق العراقية فائضة بالمستورد بنسبة تفوق 94 %.
أما المنشئات الصناعية التابعة لوزارة الصناعة والمعادن العراقية؛ فلم تختلف معاناتها عن نظيراتها في القطاع الخاص، حسب رأي وكيل الوزارة لشؤون الشركات عادل كريم: " إن الوزارة تحمل اليوم تركة ثقيلة سببها عدم اهتمام الحكومات والبرلمانات المتعاقبة بالصناعة العراقية بشكل طموح وفعال، ما نتج عنه 52 شركة خاسرة، من مجموع 76 شركة تابعة للوزارة . وأضاف أن وزارته لم يبق لديها خيار سوى التوجه نحو الخصخصة والاستثمار، "لكن ذلك ينتظر الموافقات الأصولية لمجلس الوزراء الذي لم يبت بالأمر حتى الآن"، مستغرباً تأخرها "خاصة وأن البرنامح الحكومي الحالي أكد على تنمية القطاعين الصناعيين الحكومي والخاص-".
من جانبها؛ قالت عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس النواب نورة البجاري لـ"عربي 21"، إن "العراق شهد بعد سنة 2003 حالة من الانفتاح "بلا قيود"، ما أدى إلى إغراق السوق المحلية ببضائع من شتى أنحاء العالم، فضلاً عن تراجع الإنتاج المحلي العام والخاص، جراء حالة الانفلات الأمني وشح الطاقة والوقود".

وانتقدت البجاري جهات حكومية متخصصة "لتجاهلها حماية الصناعة العراقية من المنافسة غير المتكافئة مع المستورد، بما فيها دائرة التقييس والسيطرة النوعية، ووزارتا البيئة والصحة".
وأضافت أن العمليات العسكرية التي تجرى في عدد من المحافظات العراقية "أدت إلى غلق عدد من الحدود، ما نتج عنه كساد وضعف في استيراد عدد من البضائع من قبل المستورد والتاجر العراقي، الذي تكبد خسائر كبيرة هو الآخر"، داعية الحكومة إلى استغلال هذا الظرف من خلال تقوية المنتج الوطني.

ولتنشيط المصانع العراقية والنهوض بالصناعة الوطنية؛ اقترحت البجاري على الحكومة أن "يتم إطلاق القروض، أو المشاركة مع المستثمرين؛ لسد حاجة السوق بمنتجات محلية تضاهي المستورد"، مطالبة البرلمان بتشريع قوانين داعمة للصناعة، ومنظمة لواقع السوق المحلية.
وهنا لابد من إلقاء الضوء على قضية استيراد السلع من خارج العراق
3. تأثير إستيراد السلع على الصناعة العراقية والحماية الكمركية لها.
لعب استيراد السلع والبضائع بجميع أنواعها الى العراق مع ضعف وحتى انعدام الحماية الكمركية للصناعة الوطنية دورا سلبيا في تطور الإقتصاد الوطني العراقي واصبح العراق في العام 2003 بعد الإحتلال سوقا لتصريف كافة السلع ذات الجودة الرديئة والمنتهية صلاحيتها ابتداءا من السيارات التي يعاد تصليحها بشكل سريع (ريكونديشين) وكذلك السيارات الفاشلة في الفحص التقني في أوربا الذي يجرى في العادة كل سنتين ويسمى بفحص دول الإتحاد الأوربي والفحص الأمريكي الخاص بتلوث البيئة.
وتستحوذ الصادرات الإيرانية الى العراق على جزء كبير من استيرادات العراق من الخارج إذ تقسم إلى ثلاثة أنواع: 1- غاز طبيعي وكهرباء، 2- سيارات ومواد غذائية ومستلزمات منزلية وأعمال يدوية، 3- خدمات فنية وهندسية في قطاعات الطاقة والإسكان والصحة والنقل. ويهذا بلغت حصة إيران من سوق السلع العراقي 17.5% بعد أن كانت 13% قبل استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وجزء من ديالى وكركوك بحسب تصريح الأمين العام للغرفة التجارية الإيرانية العراقية سنجابي شيرازي. وتهدف ايران -بحسب تصريح شيرازي- لرفع النسبة الى 25% من سوق السلع العراقي في السنوات القادمة (7).
ويشغل العراق المرتبة الأولى في استيراد السلع غير النفطية من إيران، إذ يستورد 72% من مجموع السلع الإيرانية المحلية. وبهذا فهو يتأرجح من عام لآخر بين مرتبة الشريك التجاري الأول والثاني.
ويبدو أن النشاط التجاري والاستثماري لإيران في العراق لا يستهدف فقط تعظيم أرباحها ولكن أيضاً إزاحة منافسيها الإقليميين اقتصادياً وخاصة تركيا التي تعتبر من أكبر شركاء العراق الاقتصاديين، فمنذ العام 2011 أصبح العراق ثاني أكبر مستورد للسلع التركية، ومنذ العام 2012 أصبح رابع أكبر مستخدم للخدمات الفنية والهندسية التركية(8).
وإذا كان الظرف الجيوسياسي في المنطقة يخدم المصالح الاقتصادية لإيران فإن توسع رقعة نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية في شمال ووسط العراق منذ منتصف العام 2014 أدى إلى قطع الخطوط التجارية الرابطة بين موانئ تركيا البرية ووسط وجنوب العراق مؤثراً على الوزن الإقتصادي النوعي لتركيا. ونتيجة لذلك أصبحت إيران أحد الطرق المتاحة لنقل السلع والبضائع التركية إلى العراق وهذا ما أدى الى ارتفاع كلفة استيراد السلع التركية بنسبة 15%. وفي نفس الوقت انخفضت قيمة الصادرات التركية الى العراق بقيمة ملياري دولار أمريكي (12).
أن حجم التبادل التجاري بين البلدين يبلغ 13 مليار دولار سنويا، من ضمنه 6 مليارات و 200 مليون دولار صادرات سلع غير نفطية ايرانية الى العراق. هذا ما صرح به الملحق التجاري للجمهورية الاسلامية الايرانية في العراق محمد رضا زادة لموقع العالم.
ويقدر حجم التبادل التجاري بين العراق وتركيا حوالي 12 مليار دولار أمريكي. وتضم السيارات والمواد الإنشائية والطاقة والمشروبات والدواجن والمعاملات المالية للشركات القابضة والأغذية والمنتجات الألكترونية.
وقد أدَّت سيطرة الدولة الإسلامية (داعش) السريعة والواسعة على مساحة كبيرة من الأراضي في العراق في العام 2014، إضافة إلى ارتفاع منسوب التهديد الأمني، إلى خسائر مباشرة في الاستثمارات التركية في العراق؛ حيث عملت حوالي 1500 شركة تركية في إقليم شمال العراق وحده، وتُشَكِّل ما نسبته حوالي 65% من حجم الأعمال العادية للشركات الأجنبية في الإقليم. وبسبب الأوضاع السائدة وحالة عدد الاستقرار، فقد تمَّ إيقاف أو تأجيل العديد من مشاريع البنى التحتيَّة؛ التي كان قد تمَّ البدء فيها، أو التي يتمُّ الشروع فيها الآن، ولاشكَّ أن ذلك قد ترتبت عليه خسائر ماليَّة لم يتم احتساب إجماليُّها حتى الآن، كما تأثَّر العديد من الشركات التركيَّة العاملة في العراق، أو التي تُصَدِّر إلى السوق العراقي بتدهور الأوضاع الأمنيَّة هناك؛ خاصة الشركات التي تعمل في قطاعات الطاقة والأغذية والمشروبات والإلكترونيات.
وعلى الرغم من ان الإستيراد يقوم بتوفير السلع باسعار متدنيه ولصالح المستهلك الا انها من جهة اخرى تعمل على تحطيم وازاحه الصناعات المحليه والتي تكافح من اجل البقاء ومنافسة السلع المستورده والحفاظ على العاملين لديها في وقت اصبحت قضية توفير فرص العمل وتخفيف مشكلة البطاله التي تقدر بحوالي 40% من السكان القادرين على العمل والتي تعتبر من التحديات الكبيره التي تواجه البلد حيث اصبحت مشكلة البطاله مشكله سياسية واجتماعيه فضلا عن كونها مشكله اقتصاديه.
ولا بد من الإشارة الى أن توفير الحماية الكمركية للصناعة الوطنية في الوقت الحاضر هي قضية وطنية ملحة على الرغم من انها تنصب على كاهل المستهلك المحلي ولكن كلفة الحماية التي يتحملها المستهلك تبررها المنافع الاقتصادية التي تعود على البلد وعلى المستهلك في المستقبل بعد أن تتعزز وتتطور الصناعة الوطنية التي تعتبر مفخرة للبلد ولأن فوائدها سوف تعود على الجميع.
وكثيرا ما ينتقد الصناعيون والتجار العراقيون عدم دعم الدولة لقطاع الصناعة والتجارة وفتح أبواب الاستيراد على مصراعيها مما الحق الضرر بالمنتج الوطني وافقده القدرة على المنافسة، واعتبروا ان شحة الكهرباء والمحروقات وعدم مواكبة الملاكات الوطنية للتطورات العالمية والافتقار للقوانين المناسبة أهم عوامل تراجع العراق صناعياً واقتصادياً. هذا ما صرح به رئيس رابطة تنمية وتطوير الصناعة والتجارة في العراق ، محمد القزاز، في حديث إلى المدى برس/ كربلاء – 19/3/2013 (13).
وأضاف القزاز أن هناك “مجموعة أسباب أسهمت في تدني الصناعة العراقية خلال السنوات الأخيرة تتصدرها أزمة الكهرباء”، مشيراً إلى ان “اضطرار أصحاب المصانع تأمين الطاقة الكهربائية بأنفسهم مما يؤدي الى رفع سعر المنتج العراقي لعشرة أضعاف السعر الأصلي وافقده القدرة على منافسة نظيره المستورد”.
وأردف القزاز “لا يوجد دعم للصناعي العراقي من قبل الدولة وكثيراً ما تسهم التنمية الصناعية في تعثر الصناعيين وعدم تطورهم من خلال استيفائها لأجور كبيرة منهم مقابل منحهم إجازة تسجيل المصنع”، مبيناً أن “العراق كان على أبواب الدخول ضمن لائحة الدول الصناعية العالمية في عقد السبعينات وما تلاها، لكنه تراجع في السنوات الأخيرة وتعطلت العشرات من مصانعه التي كانت منتجة لأنواع كثيرة من البضائع الاستهلاكية والأجهزة الكهربائية وغيرها”.
واضافة الى ما تقدم فان الصراع السياسي الحاد بين الاحزاب والكتل السياسية العراقية وتعدد اللجان الاقتصادية التابعة للأحزاب السياسية التي تقوم بأخذ المقاولات من الوزارات التابعة لها لتربح منها ومن ثم تقوم بتمويل مالية الحزب التابعة لها. إن ظاهرة تشكيل اللجان الاقتصادية هذه أصبحت موضة في اقتصادنا الوطني وتهدف الى السيطرة على اكبر قدر ممكن من النفوذ والسلطة والمناصب والتي يأخذ جل اهتمام ونشاط هذه الكتل والاحزاب السياسية ويشغلهم عن المهام الموجودة في برامج عملهم المتعلقة باحياء وتطوير الصناعة وما تتطلبه من قوانين وأنظمة علمية متطورة تتعلق بتطوير الصناعه الثقيلة والخفيفة وتهيئة الكادر العلمي الجيد صاحب الخبره العملية في إدارة المشاريع الصناعية بالإضافة الى توفير الاموال اللازمة لذلك بدلا من صرفها على تمويل الدعاية لأحزابهم.
ومن ثم وقعت الطامة الكبرى على رأس الإقتصاد الوطني العراقي بعد الانخفاض الكبير في سعر البرميل الواحد من النفط الخام في النصف الثاني من العام 2014 وبعد الإنهيارا في أسعار النفط بحوالي 54% من قيمتها منذ 20 حزيران العام 2014 حتى أواسط كانون الثاني العام 2015. إذ هبط سعر خام برنت الأوروبي القياسي من 115 دولارا. أمريكيا إلى 62 دولارا أمريكا للبرميل الواحد. ناهيك عن استفحال الفساد الاداري والمالي في الوزارات العراقية كافة وفقدان موازنة العام 2014 للصناعات كافة والتي لم يتجرأ أحد من أصحاب المسئولية في الحكومة العراقية (الرشيدة) عن الحديث عنها لحد الان. إذ بلغ الأمر من الخطورة بمكان طرح السؤال التالي: هل تم تخصيص رواتب وأجور للموظفين والعمال في جميع فروع القطاع الصناعي العراقي في موازنة العام 2014؟ وهل نفذت مطاليب العمال والموظفين بدفع أجورهم ورواتبهم المتأخرة لعدة أشهر؟
نستنتج مما ورد أعلاه وانطلاقا من أبسط معادلات اقتصاد الأعمال بأن القطاع الصناعي العراقي يعاني من زيادة التكالف الكلية على العوائد الكلية أي مرحلة اللاوفورات في الحجم. وحدث هذا بعد ان بدأ العراق يخسر كوادره الماهرة بسبب الحروب الداخلية والخارجية والهجرة الى الخارج التي بلغت بحدود الأريع ملايين أنسان بسبب الفساد والبيروقراطية الإدارية ومضايقة الكفاءات العلمية واغتيال أساتذة الجامعات من مختلف الإختصاصات العلمية والعلماء والمهنسين والأطباء اللذين بلغ عددهم أكثر من الخمسة ألاف شخص وكذلك هجرة رؤوس الاموال في القطاع الخاص الى مصارف وبنوك دول الجوار مثل الأردن وإيران والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت ولبنان وتركيا ناهيك عن الدول الأوروبية وفي مقدمتها بريطانيا التي استقبلتها بذراع مفتوح لتساهم في انعاش اقتصادها الوطني ضاربة عرض الحائط جميع القوانين الدولية الخاصة بغسيل الأموال.
هذا ملخص لأزمة القطاع الصناعي التنموية في العراق والجواب على الفرضية الأساسية للورقة البحثية: ضعف وتدهور دعم الحكومة للقطاع الصناعي العراقي
بمعظمه والتي يمكن تحديدها في أهم النقاط التالية:
1. استيراد المنتجات الصناعية بمختلف أنواعها من دول الجوار الى جانب ضعف الحماية الكمركية لمنتجات القطاع الصناعي العراقي.
2. شحة الطاقة الكهرباية والماء المتوفرة للمشاريع الصناعية وخصوصا القطاع الخاص.
3. ازدياد عدد العمال والموظفين بعد العام 2003 بسبب ارجاعهم الى الوظيفة الذي شكل عاملا مهما في زيادة التكاليف الكلية على الإيرادات الكلية.
4. الفساد الإداري والمحاصصة الحزبية والولاءات السياسية والبيروقراطية الإدارية داخل مشاريع ومؤسسات القطاع الصناعي الذي أدى الى ضعف تنفيذ الخطط الإنتاجية في المشاريع الصناعية.
5. ضعف حلقة الوصل في ادارة المشاريع الصناعية بين الكادر الانتاجي والكادر الإداري.
6. البطالة المقنعة بسبب تزايد عدد الكادر الانتاجي والإداري في المشاريع الصناعية.
7. تقادم القاعدة المادية الصناعية من مكائن وآلات ومعدات (رأس المال الصناعي) من جراء الحروب المتعددة والعقوبات الإقتصادية المفروضة على العراق من قبل الأمم المتحدة مع نهب وتدمير ما بقي منها من قبل العصابات الدولية المنظمة.
وانطلاقا من ما سبق وورد أعلاه أقترح مايلي:

1- الحزم في تطبيق قانون حماية الصناعة العراقية من منافسة المنتوجات الأجنبية وكذلك التصدي لسياسة الإغراق التي تتبعها الدول المجاورة مثل إيران وتركيا.
2- معالجة مشكلة البطالة المقنعة من خلال نقلهم الى الفروع الصناعية التي تحتاجهم أو احالتهم الى التقاعد، حتى يمكن أن تحل مشكلة مساواة الإيراد الحدي مع الكلفة الحدية.
3- تأهيل الكادر الصناعي العراقي من خلال فتح دورات لتطويرهم ورفع كفائتهم الإنتاجية في داخل وخارج العراق.
4- اتخاذ اجراءات رادعة بحق البيروقراطية الإدارية ومعالجة الولاء السياسي والحزبي انطلاقا من مبدأ الرجل المناسب في المكان ومصلحة الإقتصاد الوطني وتقدم البلد.
5- ادخال اقتصاد المعرفة بشكل أساسي الى المشاريع الصناعية كمحرك رئيسي للتطور الاقتصادي، من خلال توافر تكنولوجيا المعلومات والاتصال واستخدام الابتكار إضافةً إلى توفر الموارد البشرية المؤهلة وذات المهارات العالية.
6- إبراز أهمية نظم المعلومات المتقدمة و النظم الخبيرة في عملية اتخاذ قرارات الإنتاج الصناعي.
7- الإلتزام بالخطط الإنتاجية ومؤشرات الإحصاء الإقتصادي التي يصادق مجلس التخطيط المركزي ووزارة الصناعة العراقية عليها.
8- توعية المواطن العراقي بدعم المنتوج المحلي من خلال وسائل الإعلام الحكومية (التلفاز والمذياع والصحف والمجلات والأفلام السينمائية) على كافة المستويات الرسمية والشعبية وأن تساهم النقابات المهنية وفي مقدمتها العمالية وكذلك الاستفادة من تجربة سبعينيات القرن الماضي في هذا المجال.

الهوامش ومصادر البحث:
1. العيساوي، د. عبد الكريم جابر شنجار العيساوي : واقع الصناعة في العراق؟ ما العمل، شبكة الإقتصاديين العراقيين، نشر في 30/09/2015.
2. وكذلك: (انظر للمؤلف، المشاكل الاقتصادية لتطوير صناعة الزيوت النباتية في العراق، اطروحة دكتوراه باللغة الروسية غير منشورة، أوديسا، أوكرانيا، 1981. ص 10 ، 17) النص الأصلي للإطروحة موجود في قسم أطاريح الدكتوراه في مكتبة لينين، موسكو.
3. Мустафа, Санаа Абдель Кадер. Промышленность
растительных масель Ирака и экономические проблемы её развития. Одесс�. Стр. 10, 17.
4. اطروحة الماجستير للمؤلف باللغة الروسية: احتياطيات رفع انتاجية العمل في مصانع وزارة الصناعات الخفيفة والغذائية، أوديسا ، جامعة الإقتصاد الوطني، 1976 ، ص 55.
5. Резервы рота производительности труда на предприятиях "Минлогпищемаш", Одесса, 1976, Стр, 55.
6. ليث الحمداني، الصناعة العراقية مشروع أسست له الدولة الوطنية ودمره الاحتلال ، الحوار المتمدن-العدد: 3209 - 2010 / 12 / 8 .
7. موقع عربي 21 ، بغداد - أيسر جبار، الصناعة العراقية تحتضر، 21 أذار 2015.
8. نفس المصدر السابق
9. نفس المصدر السابق
10. تامر بدوي، الأبعاد الإقتصادية للحضور الإيراني في العراق. موقع الجزيرة.
11. قناة العالم الإخبارية ، 1/12/2016
12. تامر بدوي، السوق الإيرانية في العراق، شبكة الإفتصاديين العراقيين، 9/9/2016
13. المدى برس/ كربلاء – 19/3/2013.
14. القريشي، د. مدحت، الحكومة والسياسيون والمواطنون جميعهم يساهمون بقتل الصناعة العراقية، شبكة الإقتصاديين العراقيين، 15/7/2015.
15. القريشي، د. مدحت، محنة الصناعة العراقية، شبكة الإقتصاديين العراقيين، 3/7/2011.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تايلاند تسعى لإنعاش السياحة بخطة تسمح للمسافرين الملقحين بزي


.. انطلاق تنفيذ خطة الاستفادة من أنظمة الحماية الاجتماعية في ال


.. مباحثات فيينا -النووية-.. حوار على وقع التخصيب | #غرفة_الأخب




.. التوتر سيد الموقف.. روسيا تحذر تركيا والناتو من تزويد كييف ب


.. سيناريوهات– هجوم نطنز في إيران.. هل تتعثر مفاوضات الاتفاق ال