الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إنصهارات وتحجرات إنسانية -لمحة عن تجربة الفنان السوري عصام المأمون-

مراد الزارعي

2016 / 12 / 27
الادب والفن


تمر الخطى مسرعة متثاقلة، وكذلكنظرات العيون كل يوم دون ان تتعثر او ترمق وتتفحص ما حولنا من مواد وخامات طبيعية ملهمة ومهملة، تتكدس وتنصهر ، وتستهلك بصريا ثم تلقى على ذلك الطرف الاخر من العالم الحسي. الذي لا يفقه لغته ولا يحس نبضاته إلا من تعود الانصات لهمس الطبيعة وخرير المياه المنبعث من اسفل الجدول المطل على مرسم الفنان السوري "عصام المأمون" الذي يقبع فوق تلك التلة العالية ساعات وساعات مترصدا تلك الخيالات التي تناديه من بين اكوام المادة المتناثرة هنا و هناك فيناجيه بعضها متوسلا ويغازله البعض الاخر هامس له في اصوات تشبه الصدى الذي يزعزع هدوء الرسام الرصين ويحيي فيه الشغف والرغبة ويذكره بعشقه الابدي القديم لعشتار وللوحته الانثى وللون الخصب الذي يزين لوحاته بلون الامل والإشراق. وكذا الازرق الحالم الذي ينبثق من بين طيات الروح فيحمل طموح الفنان فوق الثرى ويعيده فوق زورق الحياة الابيض من محيط احلامه الى محيط واقعه الذي يجسده تارة باللون وتارة بالحجر الذي استحال هو الاخر لغة وعنصر فني للتشكيل والتعبير عنصيرورة الحياة في لحظات فرحها ومسراتها وحزنها وشقائها... وكيف لا وهو اساس الحياة والعمران وأول محامل الفن وأدواته وأسلحته التي اعتمدها انسان الكهوف عندما بزغ فجر التاريخ مبشرا ببداية جديدة للحياة والوجود الموثق تاريخه وأحداثهوصراعاته على جدران مغاوره الحجرية والباقية اثارها الى اليوم.
كل حجر منها يحمل قصة انسان وحكاية عشق وخوف وحرب ،انتصار وفشل ، تحكي كلها اسطورة حقيقة الزمن المختزل الذي يمضي بسرعة ويعاود رحلته ببطء من العصر الحجري حتى عصرنا الحالي عصر العولمة والصورة التي تتجسد من فكرة وتتلون وتتشكل ايضا من انصهارات الحجر ذاته كمادة لها خصوصياتها وجمالياتها وتاريخها الكرونولوجي الذي يختصر الماضي والمستقبل في زمن الحاضر المرتجل ، زمن الفنان السوري "عصام المأمون" ذاته الذي يتصارع فيه مع واقعه وأحلامه وقناعاته وميولاته ومع مادته الفنية ايضا حينما يقبع طويلا يخاطبها ويغازلها كمعشوقة وملهمة يحاول استدراجها لعالمه الفني مخضعا اياها لرغباته، لا لنزواته. فالفن عنده رغبة او لا يكون، رغبة متمردة وعنيدة في الفعل والتجريب والممارسة الانشائية التي تؤثث فضاءاتها التخييلية والواقعية جدلية المقاومة بين المادة المتحجرة ، والفنان الذي يسعى الى التفرد والاختلاف اسلوبيا ومفاهيميا حينما يستغرق كليا في حركة ميكانيكية منتظمة لا تهدأ، تعمل بتوازي مع حركة الفكر الحالم الباحث عن الحرية والإنعتاق من خلال الارتماء في احضان الطبيعة نفسها ودراسة تمظهراتها وفهم معانيها. فلكي تسيطر على الطبيعة يجب عليك ان تدرسها على حد تعبير "فرانسيس بايكن".
حيث يصرح "عصام المأمون" في قوله ( لقد وجدت عناصر كثيرة من الطبيعة تتكلم نفس ابجديتي التعبيرية )، ومن ضمنها مادة الحجر التي تنطق بنفس الابجدية التي ينطق بها الرسام حينما يحن للأرض وللأم والحبيبة وللطبيعة بوصفها الملاذ ومصدر الاتزان الغريزي والعاطفي الذي يفتقده فيحاول ترجمته في فضاء لوحته التصويرية ذات الابعاد والمستويات والملامسالمختلفة، المتجانسة والمنتافرة خاماتها وألوانها ورموزها وما تخفيه من ايحاءات حسية و مدلولات فكرية واستعارات بصرية ،تجسد كلها الواقع الانساني والكوني والحلم السوري والعربي بكل ما يحمله ذلك المعنى من انبجاس للفكر الحر والمستقل بحساسيته وتخبطاته التعبيرية المطلقة بالوجع والمعاناةالانسانية التي تنخر روح الفنان حد النخاع وتؤلمه حتى الموت ... لكنه سرعان ما يلملم جراحه ويستأنف صراعه الملحميالوجودي ، زاده في ذلك لوحته اما سلاحه فهو ريشته وألوانه .ذلك ان كل ما يفعله الفنان والإنسان عموما من مهده حد لحده هو محاولة تخفيف ذلك الألم... بالفن.
وبين الموت والحياة تتشكل مفارقة غريبة تؤسس لرؤية الفنان الكونية وفلسفته من الفن والإبداع والوجود ككل . فأشكالهوألوانه ومواده وحتى وجوهه المعتمة وملامحه الضائعة وشخوصه الغريبة الاتية من ازمان غابرة وأمكنة سحيقة. ماهي إلاتجسيدات تجريدية لتراجيديا الوجود الانساني المتحجروالمنصهر فكريا وماديا وحسيا عبر مجموعة من الانفعالات العاطفية التي تخرج عن سيطرة الفنان في لحظة تداع نفسي وإسقاط سيكولوجي لا شعوري ، اما انطباعاته كانت واعية بما يكفي لكي ترتقي الى ما هو افضل و تتملص من واقعها الكئيب وتسكن ذاكرة الرسام المتجددة ومخيلته الخصبة وتأبى ان تغادرهما...
وجوه تتعدد ملامحها وتتغير بمجرد ان تتساقط اقنعتها التراجيدية أو ينتزعها منها القدر ، وأيادي خفية تتصارع كحركة موج هائج بين مد وجزر، تحاول ان تخترق القواعد والقوانين ، فتفتك اوراق الحياة بعنف وقوة غير آبهة لجبروت الزمن وحكمته وانتقامه الحتمي ولو بعد حين ... فبعدما اناغرق "عصام المأمون" افق لوحته في ظلمة حالكة تشبه الى حد بعيد واقعه المتأزم، يتراجع الرسام السوري ويحاول ان ينفخ فيها شيئا من روحه ويعطيها من بريق الحياة املها وإشراقها،فيزينها بالأزرق متأملا غدا افضل وسماء صافية تنقشع غيومها بمجرد ان تنبزغ شمس نهارها الجديد وترتحل همومها الى ارض اللانهاية، ارض تضمحل فيها الاحزان و تسافر فيها الاطياف تاركة لنا بعضا من اوراق الحياة وصورها وانطباعاتها ما يكفي بان نحلق معها في عوالم الحلم والمجهولالذي يرتسم في اعمال الفنان انطلاقا من ترانيم واقعه المأساوية. فيروي لنا تفاصيل حكاية الانسان ، وهو يعمل،ويجد ،ويلعب ، ويتسامر مع الاتراب في سكون وحركة. و لربماهي ايضا احد فصول حياة الفنان اليومية كإنسان اجتماعي في طبعه لا يمكث في مرسمه إلا القليل ، وان اراد العزلة والابتعاد فان تفاعله مع الاخر والجماعة يكون اشد واقوى في شكل لحمة ابدية لا يمكن لأوصالها ان تتلاشى او تنقطع.
ولعله ايضا ما يفسر تجمع تلك الحشود من الوجوه والملامح في اعماله حيث لا تخلو لوحاته الصغيرة او ذات الحجم الكبير من المحادثات الجماعية والمسامرات الليلية الحميمية او تلك المستغرقة في صمتها المطول والحزين ، منكسرة ومتعطشة للأمل والحياة ينبعث انينها من قلب اللوحة الحية ، فينعكس صداها على ملامح الوجوه الغاضبة والمشوهة والموثقة للعنف وأثار العنف. فتربك المشاهد بصريا من عنف الصورة وقسوتها وتجذبه الى اسلوب الرسام الشبيه بأسلوب الفنان والفيلسوف البريطاني "فرانسيس بايكن" . الذي يشبه العقل بالمرآة التي تعكس صورة الاشياء والأشخاص فتصيبها بالفساد والتشويهفتنعكس على مرايا اجساده وأشكاله الفنية المختلفة عن الواقع والمتجاوزة لنسبه الارسطية وأبعاده الفيزيقية وقوانينه التصويرية والجمالية المألوفة.
وبين بايكن والمأمون، ينبثق خطاب بصري جديد يتواصل مداه في افق الفكر المستقل فتنعكس اثاره على صورة الشكل الفني الحداثي المستقبلي ، المستفز بجماليته الغريبة واللا مألوفة والمحمل ايضا بالأفكار والتصورات الكونية الملموسة التي تخاطب الانسان المعاصر اينما وجد، فتنأى عن بعدها الذاتي والضيق لصالح الانسانية جمعاء. وهو ما يقصده عصام المأمونحينما يؤكد على ضرورة ان تحمل اللوحة فكر ما ، قادر على التغيير و يرتقي بصدق بأحلام المبدع وطموحات ابناء جنسه في التحرر واستعادة مجدهم الضائع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شارك فى فيلم عن الفروسية فى مصر حكايات الفارس أحمد السقا 1


.. ملتقى دولي في الجزاي?ر حول الموسيقى الكلاسيكية بعد تراجع مكا




.. فنانون مهاجرون يشيّدون جسورا للتواصل مع ثقافاتهم الا?صلية


.. ظافر العابدين يحتفل بعرض فيلمه ا?نف وثلاث عيون في مهرجان مال




.. بيبه عمي حماده بيبه بيبه?? فرقة فلكلوريتا مع منى الشاذلي