الحوار المتمدن - موبايل


شجرة توت

أحمد صبحي النبعوني

2017 / 1 / 4
سيرة ذاتية


اليوم وفي مثل هذه الذكرى ...ذكرى ميلادي الذي لم أحتفل به يوما... ولم يكن يعني لأحد غيري شيئا مهما ..سوى لوالدتي المتوفية التي أصبح الحنين إليها يزيد ويكبر كلما تقدمت بالعمر .. كانت فرحتها لا توصف علما إنني لست ولدها البكر أو الوحيد من الذكور مثلما كانت العادات سابقا ...لدرجة إن الداية أو القابلة (حجية صلوحة رحمة الله عليها ) أخذت تهلهل وتبشر الجمهرة بقدوم المولود أحمد وحتى يومنا هذا لم أعرف سبب أصرار والدتي التي كان لديها شابان ذكور وستة بنات غيري .. أصرارها على أن تنجب طفلا ذكرا أخر وهكذا وبهذه المناسبة كنت الطفل المدلل عند الجميع ...وفي مثل هذا اليوم في التاسعة ليلا أ عود إلى الوراء و أتسلق ركام الماضي الغابر .... من مدرجات الطفولة المشاكسة والعنيدة إلى أنسان هادئ أصبح يكتفي بالقليل ليسمو بروحه المعذبة عن صراع البشرية وأنتشار الظلم وعدم المساواة بشكل يفوق كل الأزمنة .... وجوه ملونة وكاذبة وحفنة من غبار الغربة ...يكتمل المشهد الجنائزي لكل ذكرياتنا التي سحقتها طاحونة عمرنا الذي هكذا ألفناه يتبدد بدقائق قصيرة دون تحقق ..لأحلام صغيرة أصبحت صعبة المنال .... مفهوم جميل ورائع كنا نجهله قبل الغربة هو أمتدادنا التاريخي ...أمتداد من ملاعب الصبا .... في الساحات الريفية الواسعة حيث الشمس لا تخجل من أحد ... لتفتق رائحة كل غصن وزهرة وحكاية لتكتمل طقوسها تحت شجرة التوت التي رافقتنا في كل مراحل حياتنا بفرحها وحزنها ... إلى البحيرات التي كانت تتشكل في الساحات أمام دارنا بفعل غزارة الأمطار وإلى السيمفونية الرائعة عند غروب الشمس التي كانت تعزفها عشرات الضفادع في موسم الربيع لتعلن موسم تزاوج الكائنات الحية أجمعها ... في عامودة مارست متعة اللعب حافياً وصيد العصافير والحمام وسرقة الحصرم من بيوت الجيران في حر الظهيرة حيث الجميع نائم وقطع الطريق على الماعز والأغنام التي تمر أمام بيتنا لأقوم بتجربة حلبها وشرب الحليب طازجا ...أو التسلل إلى كوخ دجاج جارتنا خالة نورة رحمة الله عليها وسرقة صوص صغير منه لأعيده في أخر النهار إلى أمه حتى لا ينكشف الأمر وأنال نصيبي من عقوبات الأباء التي كنا قد تعودنا عليها ومع ذلك كنا نخشاها .... وجربت ذات يوم تقليد بطلي المفضل دوق فليد في القفز لركوب جريندايزر من سطح منزلنا ... وبالطبع كانت الأرض مليئة بالرمل الناعم .
وفي الطفولة لا يعنينا الآخرون، ولا تعني الآخرين أخطاؤنا التي لن يتوقفوا عن البحث عنها حين نكبر وإن لم نخطئ لاخترعوها.
.وفجأة نشد الرحال في غفلة عن عواطفنا وأفكارنا ومدركاتنا وكأننا نخون أمتدادنا التاريخي بطعنة في الظهر فتسيل منه كل ما كنا قد أدخرناه من قصص وحكايا وبصمات واضحة هنا وهناك ... على جدران بيوت حارتنا أو ما تبقى لنا من أرث الأباء ... قطعة من الجلد ... او صندوق خشبي ... او ربما صورة قديمة معلقة على حائط وجودنا وتراثنا ... كان يشبه سفر التيه ... ليلا باغتنا الجميع لنهرب من واقع يفجر كل ما لا تستطيع أرواحنا تحمله ... لم يكن الأمر سهلا .. لتترك كل ما تعشقه من أرواح أو حاجات وإلى غير رجعة لأنك مسافر في طريق اللارجعة وتعلم إنك ستقضي كل ماتبقى من سنوات عمرك تحن وتذرف الدموع على ماض لن يعود ولن يتكرر أبدا .. كذاك الرجل العجوز الذي فر من أرمينيا عندما كان طفلا وفقد والديه وأستقر به الحال في عامودة وأصبح جدا لعشرات الأبناء ومع ذلك لم تكن الدموع تفارق جفونه وهو يتحسر على مسقط رأسه ووطنه لأن الذكريات خبز الأيام المُر صارت أثقل من أن تحملها روحي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ارتفاع اسعار الطماطة والمواد الغذائية في كربلاء


.. أزمة لبنان.. انهيار يهدد بانفجار -الأمن غذائي- | #غرفة_الأخب


.. بايدن يشكل لجنة خبراء لإصلاح المحكمة العليا | #غرفة_الأخبار




.. نشرة الصباح | التحالف: تدمير مسيّرة مفخخة أطلقتها الميليشيات


.. فيديو: هكذا كشفت مصر النقاب عن مدينة الحرفيين التي يفوق عمره