الحوار المتمدن - موبايل


زيغموت باومان: اليهودي -الحالي- ما بعد الحداثي

خالد الحروب

2017 / 1 / 16
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير




عندما حاول والده استكشاف احتمالات الهجرة إلى اسرائيل من بولندا بعد خمس سنوات من قيام الدولة العبرية، توترت علاقة زيغموت بوالده، وكان آنذاك في الثامنة والعشرين من عمره. الوالد انحدر من عائلة يهودية غير متدينة بالأساس، اما الإبن زيغموت الذي كان يومها شيوعياً صلباً متأثرا بأنتونيو غرامشي فلم تخدعه الصورة الاشتراكية التي كانت اسرائيل قد سوقتها عن نفسها وبها اخترقت اليسار الاوروبي والعالمي لعقود طويلة وحشدت انصاراً ظنوا فيها تمثلاً لنموذج المجتمع الاشتراكي الزراعي. منذ ذلك التاريخ وحتى وفاته هذا الشهر، وهي مناسبة كتابة هذه السطور، بقي هذا اليهودي "الحالي" بإقتراض عنوان الرواية الشهيرة للروائي اليمني القدير علي المقري، وأحد اهم رموز علم الاجتماع والحداثة في القرن العشرين، على موقفه الواضح من اسرائيل. انتقدها كثيراً وانتقد توظيفها للهولوكوست لتسويغ مشروعها الكولونيالي الاحتلالي، كما شبه جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية بجدار العزل الذي بناه النازيون حول غيتو وارسو.
على كل حال ليس ما سبق اهم ما كان يميز باومان بل مجرد إشارة لافتة وذات خصوصية مطمئنة إلى البوصلة الأخلاقية والضميرية التي تحلى بها هذا المنظر الكبير. اهمية باومان الفكرية تتسع لتشمل نطاقات التنظير والتفكير في مصائر الإنسان في ظل تسارع مشروع الحداثة الهائل في القرنين الاخيرين، ثم تطورات ما بعد الحداثة. رأى باومان ان إنسان الحداثة استهلك من قبل انظمتها الصارمة وقوضت قيمه واهميته المركزية التي جاء بها مشروع التنوير الاوربي. صار المشروع نفسه، التنوير وحداثته، او الحداثة وتنويرها، هما مركز الوعي والحركة والعالم، عوض ان يكونه الإنسان، كما كان الوعد التنويري الأساسي. ضمن هذا السياق مركب الوعي اطلق باومان قنبلته الفكرية سنة 1989 والتي كانت كتاب "الحداثة والهولوكست" وظلت تشظياتها وارتداداتها تتفاعل حتى وقتنا الراهن.
في اطروحته "المتمردة" حول الهولوكوست ينفك باومان من القراءات الغربية للتيار الرئيس لفهم المحرقة والتي اعتبرت تلك الجريمة الإنسانية المهولة نتاج حصري للعداء التاريخي ضد اليهود في اوروبا. باومان يقول إن جذر الهولوكوست يقع في الحداثة نفسها. قبل باومان صدرت مئات الكتب والابحاث التي حاولت فهم المحرقة من ذلك المنظور تحديداً، ومن مناظير اخرى اهمها كيفية قبول الالمان سواء على مستوى الشعب ام النخبة لفكرة إبادة جنس عرقي كامل يعيش بين ظهرانيهم. باومان ذهب في كتابه إلى مكان آخر تماماً وقلب كل المناظير، وإن كان بتطرف لافت أنتقد عليه كثيراً خاصة من قبل مفكري مدرسة فرانكفورت النقدية، لكن بقيت نظريته ذات فائدة مهمة. عوض ان نوظف السوسيولوجيا ونظريات الحداثة لمحاولة فهم المحرقة ولماذا حدثت وكيف تواطأت الاطراف المختلفة في تنفيذها، قال باومان ان الهولوكوست تقدم لنا فرصة لنعيد فهم الحداثة من منظور قدرتها على تهيئة المناخ للإبادات البشرية. اي ان الهولوكوست تكشف بشاعة الحداثة على عكس كل القراءات السابقة التي ارادت ان تفهم بشاعة الهولوكوست من خلال الحداثة. بالنسبة لباومان تقوم الحداثة على العقلانية الصارمة والتنظيم الدقيق وبرود التحليل العلمي واخلاقية التكنولوجيا، وكل ذلك مجموعا إلى ذاته يحقق غائية وجود الانسان ومصالحه.
في هذا النظام تنفصل الوسيلة عن الغاية بطريقة مركبة ومدهشة وابعد بكثير من الفكرة الميكافيلية التقليدية التي تعلي من قدر الغاية وتبرر في سبيل تحقيقها احقر الوسائل. هنا تصبح الوسيلة نفسها هي الغاية: اي ان مهارة تطبيق الاوامر، وكفاءة التنفيذ (تنفيذ حرق اليهود مثلاً) ومن خلال مراحل تبدأ بالترحيل في القطارات في مواعيد ثابتة، ثم تجميعهم في مرحلة الفحص الطبي، ثم التعرية الكاملة ومصادرة ممتلكاتهم الشخصية وتصنيفها (ساعات، مجوهرات، ملابس، الخ...)، ثم نقلهم الى غرف الغاز وغسلهم بالماء اولا، وبعدها تحديد كمية الغاز المطلوبة لكل غرفة، والبدء بالتنفيذ، ثم تجميع الجثث وحرقها، ودفن بقاياها، وهكذا. يقول باومان إن الدقة المذهلة في تنفيذ تلك الخطوات كانت لتدرس في الجامعات في مساقات الإدارة التنفيذية المتفوقة لو لم يكن موضوعها حرق وابادة الناس. لكن الاهم من ذلك هو انصياع الضباط والجنود لتطبيق تلك المراحل بدقة عالية ومن دون اي احساس بوخز الضمير. كانت كفاءة تنفيذ الاوامر، اي الوسيلة، هي الهاجس اليومي والروتيني الاكبر لآلاف الجنود والضباط الذين اشرفوا على الابادة، انصياعا لأوامر مرؤسيهم. هؤلاء "الادوات" هم ناس عاديون لهم زوجات وابناء ويعيشون حياة عادية وربما "اخلاقية" على مستويات مختلفة، لكن "البيروقراطية الحداثية" فرضت عليهم سلوكا يلتزم بالزي العسكري الذي فور ان يرتدونه يتحولون الى آلات صماء تنفذ ما يطلب منها من دون مشاعر او احاسيس. باومان يعزي ذلك الى نظام الحداثة وقيمها المادية التي تشتغل وفق مبدأ الفائدة والمصلحة وفقط.
تصبح حياة البشر، تبعا لذلك، مضبوطة وفق ترتيبات معينة ومحددة ونظام يعين "الفائدة" من الاشياء والقيم ... واصناف الانسان. كل شيء تبهت فائدته ويصبح عديم الجدوى، بما في ذلك بعض اجناس البشر (كما اليهود في الحالة النازية)، بما يستوجب وإزاحتهم، وهذا مسوغ عقلانيا. الاخلاق والعواطف والاحاسيس لا مكان لها في منظومة قائمة على "تسليع" الاشياء والانسان ايضا. كل شيء او انسان له قيمة محسوسة وملموسة، إن فقدها لا مبرر لوجوده. هذا التفسير الاقصوي في فهم الحداثة هو ما اعتمده باومان، ورأى انه تجسد في النظرية النازية التي رأت ان اليهود في المانيا واوروبا لاحقا جنس يشكل عبء على التقدم الانساني ويجب ابادته، ومعهم المسلمين والغجر والمعاقين وذوي الامراض عصية و"الشاذين جنسيا" بحسب ما كان يرى هتلر. قائمة الاجناس "غير المفيدة" كانت طويلة على الاجندة الهتلرية، ويتوجب تطهير "الحيز الحيوي" منها حتى يتقدم العالم بقيادة الجنس الآري الذي اثبت علماء الانثروبولوجيا النازية لهتلر انه الجنس الاصفى والارقى في الاجناس البشرية كلها ووحده يستحق قيادتها.
انجز باومان في حياته اكثر من خمسين كتاباً احتل العديد منها قلب السجال الاكاديمي في الموضوعات التي تصدى لها: في الحداثة الصلبة والسائلة، في ما بعد الحداثة وايديولوجيا الاستهلاك، في دور المثقفين وموقعهم في مجتمعاتهم. والموضوع الاخير وحده حيث تعمق في اختبار وتحليل المثقف "التبريري" والمثقف "المشرعن" للسلطة والثقافة السائدة في احد كتبه ظل واحداً من اهم القراءات المُعمقة لمسألة المثقف ودوره، وقد تطرق إليه إدوارد سعيد في كتابه عن "تمثلات المثقف". يغيب باومان ويترك وراءه إرثاً فكريا بالغ النضارة والإثارة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. معن الجبوري: الحراك السياسي قبل الانتخابات يؤشر إلى العمليات


.. الصوت المعجزة.. في ذكرى وفاة الشيخ محمد رفعت


.. شاهد: مأرب اليمنية تتحضر لاستقبال عيد الفطر على وقع التصعيد




.. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يطالبان الإسرائيليين والف


.. ولي العهد السعودي يستقبل أمير قطر بجدة في ثاني زيارة له إلى